من «مصارع العشاق» لجعفر بن أحمد السراج (ت ٥٠٠هـ)
الفتى المتعبد والمفتونة به
وأخبرنا أحمد بن علي، حدَّثنا محمد بن أحمد بن فارس، حدَّثنا عبد الله بن إبراهيم، حدَّثنا محمد بن خلف، حدَّثني أبو محمد جعفر بن الفضل عن محمد بن المعافى، عن عبد الواحد بن زياد الإفريقي، حدَّثني أبي، قال: سمعتُ شيخًا من أهل العلم يقول: كان عندنا فتًى متعبِّد، حسَنُ السِّيرَة، فأحبَّته جارية من قومه، وجعلَت تُكاتِمُ أمرَها مخافة العيب، فمكثت بذلك حينًا، فلمَّا بلغَ الحبُّ منها أرسلت إليه بكتاب وضمَّنته هذه الأبيات:
تطاولَ كتماني الهوى فأبادَنيفأصبَحتُ أشكو ما ألاقي من الوَجدِ
فأصبحتُ أشكو غُصةً من جَوى الهوىأقامَت، فما يَعدو إلى أحدٍ بَعدي
فها أنا ذا حرَّى من الوَجدِ صَبَّةٌكثيرةُ دَمعِ العينِ، يجري على خَدِّي
قال: فأقبلَتْ به امرأة فقال: ما هذا؟ قالت: كتابٌ أرسلَني به إليك إنسان. قال: سمِّيه! قالت: إذا قرأتَه سمَّيتُ لك صاحبه، فرمى به إليها، وأنكَره إنكارًا شديدًا. فقالت له: ما يمنعك من قراءته؟ قال: هذا كتابٌ قد أنكره قلبي، فلم تزل به حتى قرأه، فرفع رأسه إليها، فقال: هذا الذي كنتُ أحذر وأخافُ، ثمَّ دفعه إليها. فقالت: أمَا له جوابٌ؟ قال: بلى! قالت: وما هو؟ قال: تقولين لها: إنه يعلمُ السرَّ وأخفى، الله لا إله إلا هو، له الأسماء الحُسنى. قالت: لا غير؟ قال: في هذا كفاية.
فمضَت إليها، فأخبرتها بما جرى بينهما، فكتبت إليه:
يا فارغَ القلبِ من همِّي ومَن فِكَرِيماذا الجفاءُ، فدتكَ النفسُ يا وَطَرِي؟
إن كُنتَ مُعتَصِمًا بالله تخدُمُهُفإن تحليلَنا في مُحكَمِ السُّوَرِ
فلما وصل إليه الكتاب قال: ما هذا؟ قالت: تقرؤه. فأبى، فلم تزل تَلطُفُ به حتى فتَحَه، فقرأه ثمَّ رمى به إليها. فقالت: ما له جواب؟ قال: بلى! قالت: ما هو؟ قال: قولي لها: وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ .
فصارت إليها، فأخبرتها بما جرى بينهما، فكتبت إليه:
فَرِّج عن القلبِ بعض الهمِّ والكُرَبِوجُدْ بوَصلِكَ والهِجرانَ فاجتَنِبِ
إنَّا سألناك أمرًا ما نريد بهإلا الصلاح وأن نلقاك عن قُرُبِ
فإن أجَبتَ إلى ما قد سألتُ فقدنِلتُ المُنى والهوى يا مُنتهى أرَبي
وإن كَرِهتَ وِصَالي قلت: أكرَهُهُوإنني راجعٌ عن ذاكَ من كَثَبِ
قال: فجاءت بالكتاب إليه، فأخذه وقال لها: اجلسي. ففتحه، وقرأه عن آخره، وكتب إليها كتابًا كان هذا الشعر آخره:
إنِّي جعلتُ هُمُومي ثمَّ أنفاسيفي الصدرِ مني ولم يُظهِرهُ قرطاسي
ولم أكُنْ شاكيًا ما بي إلى أحَدٍإنِّي إذن لقليلُ العِلمِ بالناسِ
فاستعصمي اللهَ مما قد بُليتِ بهواستشعِري الصبر عما قلتِ بالياس
إنِّي عن الحُبِّ في شُغلٍ يُؤرِّقُنيتذكارُ ظُلمَةِ قَبرٍ فيه أرماسي
ففيه لي شُغُلٌ لا زِلتُ أذكُرُهُمن السؤال ومن تفريقِ أحلاسي
وليس ينفَعُني فيه سِوى عَمَليهو المؤانسُ لي مِن بَينِ أُنَّاسي
فاستكثري من تُقى الرحمن واعتصميولا تَعودي فبي شُغلٌ عن الناسِ
فلما قرأت الكتاب أمسكَت وقالت: إنه لقبيحٌ بالحُرَّة المسلمة العارفة مواضعَ الفتنة كثرةُ التعرَّض للفِتن. ولم تعاوده.
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع