تجاوز إلى المحتوى

من «الفاخر» للمفضل بن سلمة (ت ٢٩٠هـ)

قولهم لا أطلب أثرا بعد عين

العَين: المُعايَنَة. والمعنى: أنهه ترك الشيء وهو يراه تبع أثره حين فاته. وقال الباهلي: العينُ: الشيء نفسه، فيعني أنه ترك الشيء نفسه وهو يراه وطلب أثره. فأما قولهم: هو دِرهَمي بعينه فالمعنى نفسه. وعينُ الشيء: نفسه، قال أبو ذُؤَيْب الهذلي:

ولو أنني استودَعْتُهُ الشمْسَ لارتَقَتْإليه المَنايا عَيْنها ورَسولُها
للشاعر أبو ذؤيب الهذلي، من قصيدة «يقولون لي لو كان بالرمل لم يمت»

وأول من قال لا أطلب أثراً بعد عين: مالك بن عمرو العامليّ. وكان من حديث ذلك أن بعض ملوك غسان كان يطلب في بطن عاملة ذَحْلاً، فأخذ منهم رجلين يقال لهما مالك بن عمرو وسِماكٌ أخوه، فاحتبسهما عنده زماناً، ثم دعا بهما فقال لهما: إني قاتل أحدكما فأيكما أقتلُ فجعل كل واحد منهما يقول: اقتلني مكان أخي. فلما رأى ذلك قتل سِماكاً وخلَّى سبيل مالك، فقال سِماكٌ حين ظن أنه مقتول:

أَلا مَن شَجَتْ لَيْلَةٌ عامِدَهْكما أبداً لَيْلَةٌ وَاحِدهْ
فَأبْلِغ قُضاعَة إِنْ جِئْتَهاوخُصَّ سَراةَ بني سَاعِدَهْ
وأَبْلِغْ نِزاراً على نأْيِهابِاَنَّ الرِّماحَ هي العائِدَهْ
فأُقْسِمُ لو قَتَلوا مالِكاًلَكُنْتُ لهم حَيَّةً راصِدَهْ
برأْسِ سَبيلٍ على مَرْقَبٍويوماً على طُرُقٍ وارِدَهْ
فَأُمَّ سِماكٍ فلا تَجْزَعيفَلِلْمَوْتَ ما تَلِدُ الوالِدَهْ

فانصرف مالك إلى قومه فلبث فيهم زماناً. ثم إن ركباً مروا وأحدهم يتغنَّى:

فأُقْسِمُ لو قَتَلوا مالِكاًلَكُنْتُ لهم حَيَّةً راصِدَهْ

فسمعت ذلك أم سماك فقالت: يا مالك قبَّح الله الحياة بعد سماك. اخرج في الطلب. فلقي قاتل أخيه يسير في ناس من قومه. فقال: من أحَسَّ ليَ الجَمَلَ الأحمر؟ فقالوا له وعرفوه: يا مالك لك مائة من الإبل وكُفَّ. فقال: لا أطلب أثراً بعد عين. فذهب قوله مثلاً. ثم حمل على قاتل أخيه فقتَلَه، وكان من غسان من بني قُمَيْر في ذلك:

يا راكِباً بَلِّغاً ولا تَدَعاًبني قُمَيْرٍ وإنْ هُمُ جَزِعُوا
فِلْيَجِدوُا مثلَ ما وَجَدْتَ فقَدْكنتُ حزيناً قد مَسَّنِي وَجَعُ
لا أَسْمَعُ اللَّهَْوَ في الحَديثِ ولايَنْفَعُني في الفِراش مُضْطَجَعُ
للشاعر مالك بن حريم الهمداني، اقرأ القصيدة
لا وَجْدُ ثَكْلى كما وَجَدْتُ ولاوَجْدُ عَجُولٍ أَضَلَّها رُبَعُ
للشاعر مالك بن حريم الهمداني، اقرأ القصيدة
ولا كَبير أَضَلَّ ناقَتَهُيَوْمَ تَوافَى الحجيجُ فاجْتَمَعُوا
يَنْظرُ في أَوْجُهِ الرِّكابِ فلايعرِفُ شيئاً فالوَجْهُ مُلْتَمَعُ
جَللّتُه صارِمَ الحَدِيدة كالمِلحَةِ فِيهِ سَفاسِقٌ لُمَعُ

يقال: التمع لونه وامتقع إذا تغير. وسفاسق: وشي السيف.

بَيْنَ ضُمَيْرٍ وباب جِلّقَ فيأثْوابهِ من دَمائِه دُفَعُ
أَضْرِبُه بادِياً نَوَاجِذُهيَدْعُو صَداهُ والرأسُ مُنْصَدِعُ
بني قُمِيْرٍ قَتَلْتُ سَيِّدَكمفاليومَ لا رَنَّةٌ ولا جَزَعُ
فاليوم قُمْنَا على السواء فإنْتُجْرُوا فَدهْرِي وَدَهْرُكم جَذَعُ

النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية بالقاهرة (١٣٨٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الفاخر»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.