من «الفاخر» للمفضل بن سلمة (ت ٢٩٠هـ)
قولهم إياك أعني واسمعي يا جارة
أول من قال ذلك سهْل بن مالك الفزاري. وذلك أنه خرج يومئذ فمرّ ببعض أحياء طيء، فسأل عن سيد الحي فقيل له: حارثة بن لأْم. فأمَّ رحله فلم يُصبه شاهداً
فقالت له أخته: انزل في الرحب والسعة، فنزل فأكرمته وألطفته. ثم خرجت من خِباءٍ إلى خباء فرأى أجمل أهل دهرها وأكملهم، وكانت عقيلة قومها وسيدة نسائها. فوقع في نفسه منها شيء، فجعل لا يدري كيف يرسل إليها ولا ماوافقها من ذلك. فجلس بفناء الخباء يوماً وهي تسمع كلامه وهو ينشد:
يا أُخْتَ خَيْرِ البَدْوِ والحضارهْكيف تَرَيْنَ في فَتَى فَزَارَهْ
أَصْبَحَ يَهْوَى حُرَّةً مِعْطَارَهْإِيَّاكِ أَعْنِي واسْمَعِي يا جَارَهْ
فلما سمعت قوله عرفت أنه إياها يعني، فقالت: ماذا بقول ذي عقل أريب، ولا رأيٍ مُصيب، ولا أنفٍ نجيب. فأقِم ما أقمت مُكرَّماً، ثم ارتحِل إذا شئت مُسلَّما. فاستحيا من قولها وقال: ما أردت مُنكراً واسَوْأتاه. قالت: صدقت. وكأنها استحيت من تسرعها إلى تهمته. فارتحل فأتى النعمان فحباه وأكرمه. فلما رجع نزل على أخيها، فبينما هو مُقيم عندهم تطلّعت إليه نفسُها وكان جميلاً. فأرسلت إليه أن اخطُبني إن كانت لك فيّ يوماً من الدهر حاجة، فإني سريعة إلى ذلك. فخطبها وتزوجها وسار بها إلى قومه.
النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية بالقاهرة (١٣٨٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع