من «الفاخر» للمفضل بن سلمة (ت ٢٩٠هـ)
قولهم زر غبا تزدد حبا
أول من قال ذلك مُعاذ بن صِم الخُزاعي، وكانت أمّهُ من عكّ وكان فارس خُزاعة. وكان يُكثر زيارة أخواله فاستفاد منهم فرساً وأتى به قومه. فقال له رجل من قومه، يقال له جُحَيْش بن سَوْدة، وكان عدواً: أتُسابقني على أنه من سبق صاحبه أخذ فرسه؟ فسابقه معاذ وأخذ فرس جحيش. وأراد أن يغيظه فطعن أيْطَل الفرس بالسيف. فسقط فقال جُحيش: لا أُمّ لك، قتلت فرساً خيراً منك ومِن والديك. فرفع معاذ السيف فضرب مفرِقع فقتله. ثم لحق بأخواله. وبلغ الحيّ ما صنَع. فركب أخٌ لجُحيش وابن عم له فلحقاه، فشدّ على أحدهما فطعنه فقتله، وشدّ على الآخر فضربه بالسيف فقتله، وقال في ذلك:
ضَرَبْتُ جُحَيْشاً ضَرْبَةً لا لَئِمَةًولكن بصافٍ ذِي طَرائِقَ مُسْتَكِّ
قَتَلْتُ جُحَيْشاً بعد قَتْلِ جَوادِهوكنتُ قَدِيماً في الحوادث ذَا فَتكِ
قَصدتُ لعَمْروٍ بعد بَدْرٍ بضَرْبَةٍفخَرَّ صريعاً مثل عاتِرَةِ النُّسْكِ
لكَيْ يَعْلَمَ الأقوامُ أَنِّيَ صَارِمٌخُزَاعَةُ أَجْدادِي وأَنْمِي إلَى عَكِّ
فَقَدْ ذُقْتُ يا جَحْشَ بن سَوْدَةَ ضَرْبَتِيوَجَرَّبْتَنِي إِنْ كنتَ م القَتْلِ في شَكِّ
تركتُ جُحَيْشاً ثاوِياً ذا نَوائِحٍخَضِيبَ دَمٍ جاراتُه حَ، لَه تَبْكِي
تُرِنُّ عليه أمُّه بانْتِحابهاوتَقْشِرُ جِلْدَيْ مَحْجَرَيْها من الحَكِّ
لِيَرْفَعَ أَقْوَاماً حُلُولِيَ فيهِمُويُزرِي بِقَوْمٍ إِن تركتُهُم تَرْكِي
وحِصْني سَراةُ الطِّرْفِ والسَّيفُ مَعْقِليوعِطْري غُبارُ الحَرْبِ لا عَبَقُ المِسكِ
تَتُوقُ غَداةَ الرَّوْعِ نَفْسِي إلى الوَغَىكَتَوْقِ القَطَا يَسْمُو إلى الوَشَلِ الرَّكِّ
ولَسْتُ بِرِعْدِيدٍ إذا راعَ مُعْضِلٌولا في نَوادِي القَوْم بالضَّيِّقِ المَسْكِ
وكم مَلِكٍ جَدَّلْتُه بِمُهَنَّدٍوسَابِغَةٍ بَيْضَاء مُحْكَمَةِ السَّكِّ
فأقام في أخواله زماناً. ثم خرج مع بني خاله في جماعة من فتيانهم يتصيدون فحمل مُعاذ على عَيْرٍ فلحقه ابن خال له يقال له الغضبان، فقال: خلِّ علن العَيْر. قال: لا. ولا نَعْمَةَ عَيْن. قال الغضبان: أما والله لو كان فيك خيرٌ ما تركت قومك فقال مُعاذ: زُر غِبَّاً تزْدَد حُبّاً. فأرسلها مثلاً. ثم أتى قومه فأراد أهل المقتول قتله، فقال لهم قومه: لا تقتلوا فارسكم وإن ظلم. فقبلوا منه الدية.
النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية بالقاهرة (١٣٨٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع