من «الفاخر» للمفضل بن سلمة (ت ٢٩٠هـ)
....
_قولهم: قد يَضْرِط العَيْرُ والمِكواةُ فِي النَّار
أول من قال ذلك عُرفطة بن عَرفجة الهِزّاني، وكان سيد بني هِزّان، وكان الحُصين بن نبيت العكلي سيد بني عُكل، فكان كل واحد منهما يغير على صاحبه، فإذا أسرت بنو عكل من بني هِزّان أسيراً قتلوه، وإذا أسرت بنو هِزان منهم أسيراً فَدَوه. فقدم راكبٌ لبني هِزّان عليهم فرأى ما يصنعون فقال لهم: لم أر قوماً ذوي عددٍ وعُدةٍ وجَلَدٍ وثروة يلجئون إلى سيد لا ينقض بهم وِتْراً. أرضيتم أن يفنى قومكم رغبة في الدية، والقوم مثلكم تؤلمهم الجراح ويعضّهم السلاح، فكيف تُقتلون ويَسْلَمون؟ ووبّخهم توبيخاً عنيفاً وأعلمهم أن قوماً من عُكل خرجوا في إبل لهم، فاخرجوا إليهم. فخرجوا فأصابوهم فاستاقوا اللإبل وأسروهم، فلما قدموا محلّتهم قالوا لهم: هل لكم في اللِّقاح، والأمة الردّاح، والفرس الوَقاح؟ قالوا: لا. ثم ضربوا أعناقهم. وبلغ عُكلاً الخبر فساروا يريدون الغارة على بني هِزّان. ونذرت
بهم بنو هِزّان فالتقوا فاقتتلوا قتالاً شديداً ختى فَشَت الجراح، وقُتل رجل من هِزان وأُسر رجلان من عُكل. وانهزمت عُكل فقال عُرفطة للأسيرين: أيكما أفضل لأقتله بصاحبه؟ وعسى أن نُفادي الآخر فجعل كل واحد منهم يُخبر أن صاحبه أكرم منه. فأمر بقتلهما جميعاً. فقدم أحدهما ليقتل وجعل الآخر يضرط فقال عرفطة: قد يضرط العير والمكواة في النار. فأرسلها مثلاً. ويقال أن أول من قاله مُسافر بن أب عمرو بن أمية بن عبد شمس. وكان من حديثه أنه كان يهوى هِنداً بنت عتبة وكانت تهواهه، فقالت: إن أهلي لا يزوّجونني منك لأنك مُعسر. فلو وفدت إلى بعض الملوك لعلك تصيب مالاً فتتزوجني! فرحل إلى الحيرة وافداً إلى النعمان. فبينما هو مقيم عنده إذ قدم عليه قادم من مكة فسأله عن خبر أهل مكة بعده، فأخبره بأشياء كان فيها أن أبا سفيان تزوج هنداً، فطُعِن من الغمِّ. فأمر النعمان به أن يُكوى. فأتاه الطبيب بمكاويه فجعلها في النار ثم وضع مكواة منها عليه، وعِلجٌ من علوج النعمان واقف. فلما رآه يُكوى ضَرَط، فقال مُسافر: قد يضرط العير والكواة في النار. ويقال: إن الطبيب ضرط. وهذا الخبر رواه أبو الحسن الدمشقي.
النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية بالقاهرة (١٣٨٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع