من «الفاخر» للمفضل بن سلمة (ت ٢٩٠هـ)
قولهم العاشية تهيج الآبية
أول من قال ذلك يزيد بن رُوَيْم الشيباني جدّ حَوْشَب بن يزيد بن الحارث بن يزيد بن رُوَيْم. وحديث ذلك فيما قال المفضل الضبي: زعموا أن السُلَيك ابن السُلَكة خرج يريد أن يُغير في ناسٍ من أصحابه، فمر على بني شيبان في ربيع
والناس مُخصِبون فإذا هو ببيت قد انفرد من البيوت عظيم. فقال لأصحابه: كونوا إلى مكان كذا حتى آتي هذا البيت فلعلّي أصيبُ لكم خيراً. قالوا: افعل. فانطلق وقد أمسى وجَنَّ عليه الليل، فإذا البيت بيت يزيد بن رُوَيْم، وإذا الشيخ وامرأته بفناء البيت. فأتى السُلَيك البيت من مؤخِّره فدخل، فلم يلبث أن أراحَ ابن له إبله فلما أراحها غضب الشيخ وقال لابنه: هلاّ عشَّيتها ساعة من الليل. قال ابنه: إنها آبية. قال له: العاشية تُهيجُ الآبية. فأرسلها مثلاً. ونفض يده في وجوهها فرجعت إلى مرتعها، وتبعها الشيخ حتى مالت لأدنى روضة فرتعت فيها. وجلس الشيخ عندها لتتعشّى وتبعه السُليك، فلما وجده مُغتَرَّاً خَتَله من ورائه ثم ضربه فأطار رأسه، وصاح بالإبل وطردها. فلم يشعر أصحابه وقد ساء ظنهم وتخوّفوا عليه إلا بالسُليك يطردها. وقال السُلَيك في ذلك:
وعاشِيَةٍ رُجٍّ بِطانٍ ذَعَرْتُهابِصَوْتِ قَتيلٍ وسْطها يَتَسَيَّفُ
كأنَّ عليهِ لَوْنَ بُرْدٍ مُحَبَّرٍإذا ما أتاهُ صارِخٌ مُتَلَهِّفُ
فباتَ له أهلٌ خَلاء فِناؤُهمومَرَّت لهم طَيْرٌ فلم يَتَعَيَّفوا
وكانوا يَظُنُّونَ الظُّنُونَ وصُحْبَتيإذا ما عَلَوا نَشْزاً أَهلُّوا وأوجَفوا
وما نِلْتُها حتَّى تَصَعْلَكْتُ حِقْبَةًوكُنْتُ لأَسْبابِ المَنِيَّةِ أَعْرِفُ
وحتى رَأَيْتُ الجُوعَ بالصيف ضَرَّنِيإذا قمت يَغْشَانِي ظِلالٌ فأُسْدِفُ
النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية بالقاهرة (١٣٨٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع