تجاوز إلى المحتوى

من «الفاخر» للمفضل بن سلمة (ت ٢٩٠هـ)

قولهم من يشتري سيفي وهذا أثره

أول من قال ذلك الحارث بن ظالم. وذلك أن خالد بن جعفر بن كلاب لما قَتَل زهير بن جَذيمة بن رواحة العبسي ضاقت به الأرض، وعلم أن غَطَفان غير تاركته، فخرج حتى أتى النعمان فاستجار به فأجاره، ومعه أخوه عتبة بن جعفر. وهض قيس بن زهير فاستَعدَّ لمحاربة بني عامر. وهجم الشتاء، فقال الحارث بن ظالم: يا قيس أنتم أعلَمكُم وحَربَكُم، فإني راحل إلى خالد حتى أقتله. فقال له قيس: يا حارث قد أجاره النعمان. فقال الحارث: لأَقتلنَّهُ ولو كان في حَجرِه. وكان النعمان قد ضرب على خالد وأخيه قبَّة وأمرهما بحضور طعامه ونِدامه. فأقبل الحارث ومعه تابع له من بني محارب، فأتى باب النعمان فاستأذن فأذِن له النعمان وفرِح به. فدخل الحارث وكان من أحسن الناس حديثاً وأعلمهم بأيام العرب. فأقبل النعمام عليه بوجهه وحديثه، وبين يديه تمرٌ يأكلون منه. فلما رأى خالد إقبال النعمان على الحارث غاظه، فقال: يا أبا ليلى ألا تشكُرني؟ فقال: فيم ذا؟ قال: قتلتُ زهيراً فصِرتَ بعده سيد غطفان. وفي يد الحارث تمرات فاضطربت يده وجعل يُرعِد ويقول: أأنت قتلته. والتمر يسقط من يده. ونظر النعمان إلى ما به من الزَّمَع، فنخص خالداً بقضيبه وقال: هذا يقتُلك. فافترق القوم، وبقي الحارث عند النعمان. وأشرج خالد قُبَّتَه عليه وعلى

أخيه وناما. وانصرف الحارث إلى رحله. فلما هدأَت العيون خرج الحارث بسيفه شاهره حتى أتى قبة خالد فهتك شرجها بسيفه. ودخل فرأى خالداً نائماً وأخوه إلى جنبه، فأيقظ خالداً فاستوى قائماً. فقال له الحارث: يا خالد أظننت أن دم زهيرٍ كان سائغاً لك، وعلاه بسيفه حتى قتله. وانتبه عُتبة أخوه، فقال له الحارث: لئِن نَبَسْتَ لأُلحِقنَّكَ به. وانصرف الحارث فركب فرسه ومضى على وجهه. وخرج عتبة صارخاً حتى أتى باب النعمان فنادى يا سوَْء جِواره. فأجيب لا رَوْعَ عليك. فقال: دخل الحارث على خالد فقتله وأخْفَر المَلِك جِواره. فوجّه النعما في أثره بفوارس، فلحقوه سَحَر، فعطف عليهم فقتل منهم جماعة. وكثروا عليه، فجعل لا يقصد لجماعة إلا فرَّقها ولا لفارس إلا قَتَله. وهو يرتجز:

أنا أبو لَيْلِى وسَيْفِيَ المَعْلُوبْمَنْ يَشْتَرِي سَيْفِي وهَذَا أَثَرُه

فأرسلها مثلاً. وارتدعَ القوم عنه وانصرفوا إلى النعمان.

المَعلوب: المشدود بالعلباء لئلا يضطرب السيف. والعِلباء: العَصَبة الصفراء التي تكون في العُنُق. وهما العِلباوان.

النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية بالقاهرة (١٣٨٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الفاخر»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.