من «الفاخر» للمفضل بن سلمة (ت ٢٩٠هـ)
قولهم وقع بينهم حرب داحس والغبراء
داحس: فرس قيس بن زهير بن جذيمة العبسي، والغبراء: فرس حُذيفة ابن بدر الفزاري. وكان من حديثهما أن رجلاً من بني عبسٍ يقال له قرواش ابن هني، ماري حمل بن أخا حُذيفة في داحس والغبراء. فقال حمل: الغبراء أجود. وقال قرواش: داحس أجود. فتراهنا عليهما عشراً في عشرٍ. فأتى قرواش إلى قيس بن زهير فأخبره. فقال له أنفسهم، وأنا نكدٌ أباء. قال قرواش: فإني قد أوجبت الرهان. فقال قيس: ويلك ما أردت إلى شآم أهل بيت؟. والله لتنغلنَّ علينا شراً.
ثم إن قيساً أتى حمل بن بدر، فقال: إني أتيتك لأواضعك الرهان عن صاحبي. قال حمل: لا أواضعك أو تجيء بالعشر، فإن أخذتها أخذت سبقي، وإن تركتها تركت حقاً قد عرفته لي وعرفته لنفسي. فأحفظ قيساً، فقال: هي عشرون. قال حمل: هي ثلاثون، فتلاحيا وتزايدا حتى بلغ به قيس مائةً. وضع السبق على ي غلاَّقٍ أو ابنِ غلاقٍ أحد بني ثعلبة بن سعد.
ثم قال قيس: فأخيِّرُك من ثلاث، فإن بدأتَ فاخترت فلي منهن خصلتان، وإن بدأت فاخترت فلك منهن خصلتان، قال حمل: فابدأ. قال قيس: فإن الغاية مائة غلوة، وإليك المضمار ومنتهى الميطان. أي حيث توطَّن الخيلُ للسبقِ
قال: فخراً لهم رجل من محارب. فقال: وقع البأس بين ابني بغيض. فضمَّروهما أربعين يوماً. ثم استقبل الذي ذرع الغاية بينهما من ذات الإصاد، وهي ردهة وسط هضبِ القليب، فانتهى الذرع إلى مكان ليس له اسم. فقادوا الفرسين إلى الغابة وقد عطشوهما وجعلوا السابق الذي يرد ذات الإصاد وهي ملأى من الماء. ولم يكن ثم قصبةٌ ولا شيء غير هذا.
ووضع حمل حيساً في دلاء وجعله في شعبٍ من شعاب هضب القليب على طريق الفرسين. وكمَّن معه فتياناً فيهم رجل يقال له زهير بن عبد عمرو، وأمرهم إن جاء داحسٌ سابقاً أن يردوا وجهه عن الغاية.
وأرسلوهما من منتهى الذرع. فلما طلعا قال حمل: سبقتك يا قيس. قال قيس: بعد اطلاعٍ إيناسٌ. أي بعد أن تطلع على الخبر تعرفه. فذهبت مثلاً. ثم أجدَّا. فقال حمل: سبقتك يا قيس. قال قيس: رويداً يعدوان الجدد. أي يتعدَّينه إلى الوعث والخبار. فذهبت مثلاً. فلما دنوا وقد برَّز داحس قال قيس: جرى المذكيات غلاء. أي كما يتغالى بالنبل. فذهبت مثلاً. فلما دنا من الفتية وثب زهير بن عبد عمرو فلطم وجه داحسٍ فرده عن الغاية، ففي ذلك يقول قيس بن زهير:
كمَا لاقيتَ منْ حملِ بنِ بدرٍوإخوتِهِ على ذاتِ الغصادِ
همُ فخرُوا عليَّ بغيرِ فخرٍوردُّوا دونَ غايتِه جوادِى
فقال قيس: ياحُذيفةُ أعطني سبقي قال: خدعتُك. قال قيس: ترك الخداعَ
من أجرى من مائة غلوة. فذهبت مثلاً.
فقال غلاَّقٌ الثعلبي الذي وضع السبق على يديه لحذيفة: إن قيساً قد سبق وإنما أردت أن يقال سبق حذيفة، وقد قيل، أفأدفع إليه سبقه؟ قال: نعم. فدفع إليه الثعلبي السبق.
ثم إن عركي بن عميرة وابن عمٍ له من بني فزارة ندماً حيفة وقالا: قد رأى الناس سبق جوادكم وليس كل الناس رأى أن جوادهم لطم، فدفعك السبق تحقيق لدعواهم فاسلبوه السبق، فإنه أقصر باعا وأكل حدا من أن يرادك. قال لهما: ويلكما! أرجع فيها متندماً على ما فرط؟ عجزٌ والله. فما زالا به حتى ندم، فنهى خميصة بن عمرو حذيفة وقال له: إن قيساً لم يسبقك إلى مكرمةٍ بنفسه، وإنما سبقت دابة دابة، فما في هذا حتى تدعى في العرب ظلوماً؟ قال: أما إذ تكلمت فلابد من أخذه.
ثم بعث حذيفة أبا قرفة إلى قيس يطالب بالسبقفلم يصادفه، فقالت له امرأته هر بنت كعب: ما أحب أن تصادف قيساً. فرجع أبو قرفة إلى أبيه أخبره بما قالت. فقال: والله لتعودن إليه. ورجع قيس فأخبرته امرأته الخبر، فأخذته زفرات وأقبل متقلقلاً. ولم يلبث أبو قرفة أن رجع إلى قيس. فقال: يقول لك أبي أعطني سبقي. فتناول قيس الرمح فطعنه فدق صلبه، ورجعت فرسه عائرةً. فاجتمع الناس فاحتملوا دية أبي قرفة مائة عشراء، فقبضها حذيفة وسكن الناس. وأنزلها على النقرة حتى نتجها ما في بطونها.
ثم إن مالك بن زهير نزل اللقاطة، وهي قريب من الحاجر
وكان نكح امرأةً من بني فزارة فأتاها فبنى بها. وأخبر حذيفة بمكانه فعدا عليه فقتله، وفي ذلك يقول عنترة:
لله عينا من رأى مثل مالكٍعقيرةَ قومٍ أن جرَى فرسانِ
فليتَهُما لم يجرِيا نصفَ غلوةٍوليتُهما لم يُرسَلاَ لرهانِ
فأتت بنو جذيمة حذيفة فقالت: يبوءُ مالك بن زهير بأبي قرفة بن حذيفة، وردوا علينا مالنا. فأشار سنان بن أبي حارثة المرى أن لا ترد أولادها معها وأن ترد المائة بأعيانها. فقال حذيفة: أردُّ الإبل بأعيانها ولا أرد النشأ.
فأبوا أن يقبلوا ذلك. فقال قيس بن زهير:
يودُّ سنانٌ لو نحاربُ قومناوفي الحربِ تفريقُ الجماعة والأزلُ
يدبّ ولا يخفى ليفسدَ بيننَادبيباً كما دبتْ إلى جحرِها النملُ
فيا ابني بغيضٍ راجعاً السلم تسلَماولا تُشمتُوا الأعداء يفترِقِ الشملُ
فإن سبيلَ الحربِ وعرٌ مضلةٌوإنَّ سبيلَ السلم آمنةٌ سهلُ
قال: والربيع بن زياد يومئذ مجاور بني فزارة عند امرأته، وكان مشاحناً لقيس في درعه ذي النون التي كان الربيع لبسها، فقال: ما أجودها أنا أحق بها منك، وغلبه عليها. فأطرد قيس لبوناً لبني زياد، فعارض بها عبد الله بن جدعان التميمي بسلاحٍ. وفي ذلك يقول قيس بن زهير:
ألم يأتيك والأنباءُ تنمىبما لاقتْ بني زيادِ
ومحبسُها لدى القرشي تُشرىبأدراعٍ وأسيافٍ حدادِ
فلما قتلوا مالك بن زهير ورجعوا تواحوا بينهم. فقالوا: ما فعل حمارُكم؟ قالوا: صدناه. قال الربيع: ما هذا الوحي؟ إن هذا لأمرٌ ما أدرى ما هو. قالوا: قتلنا مالك بن زهير. قال: بئس ما فعلتم بقومكم. قبلتم الدية ورضيتم ثم عدوتم على ابن عمكم وصهركم وجاركم فقتلتموه وغدرتم. قالوا: لولا أنك جار لقتلناك. وكانت خفرة الجار ثلاثاً، فقالوا: لك ثلاثة أيام. فخرج وتبعوه فلم يدركوه حتى لحق بقومه.
وأتاه قيس بن زهيرٍ فصالحه ونزل معه. ودرس أمةً يقال لها رعية إلى الربيع تنظر ما يعمل، فدخلت بين الكفاء والنضد لتنظر أمحاربٌ هو أم مسالم. فأتته امرأته تعرض له وهي على طهرٍ فزجرها، وقال لجاريته: اسقني. فلما شرب أنشأ يقول:
منعَ الرقادَ فما أغمضُ حارِجللٌ من النبأ المهمِّ الساري
منْ كان مسروراً بمقتلِ مالكٍفليأتِ نسوتَنَا بضوءٍ نهارِ
يجدِ النساءَ حواسراً يندبْنَهيندبُنَ بين عوانسٍ وعذارى
أفبعْد مقتلِ مالكِ بن زهيرٍترجو النساءُ عواقبَ الأطهارِ
فأتت رعية قيساً فأخبرته ما قال الربيع. فقال: أنتِ حرة فأعتقها وقال: وثقت بأبي منصور. وقال قيس:
فإت تكُ حربُكُم أمست عواناًفإني لم أكُن ممنْ جناها
ولكنْ ولدُ سودة أرثوهاوحشوا نارها لمن اصْطَلاها
فإني غيرُ خاذِلكم ولكنْسأسعَى الآن إذْ بلغت إناها
سودة هي أم بني بدرٍ ماخلا حمَلا.
النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية بالقاهرة (١٣٨٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع