تجاوز إلى المحتوى

من «الفاخر» للمفضل بن سلمة (ت ٢٩٠هـ)

قولهم ويل للشحبي من الخلي

الشجي: الحزين. والشجا، والشجو: الحزن. يقال: شجاه الهم يشجوه شجواً. وقال كثير عزة:

شجا أظعانُ غاضرة الغواديبغيرِ مشيئة عرضاً فؤادي
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «شجا أظعان غاضرة الغوادي»

ويقال: إن أصل الشجا: عظيم يعترى الحلق فيغص صاحبه بالطعام والشراب. وربما قتله. يقال: شجي الرجل يشجى شجاً: إذا أصابه ذلك. ثم كثر حتى صار الحزن شجاً، وقال سويد بن أبي كاهلٍ اليشكري:

ويراني كالشجَا في حلقِهعسراً مخرجُه ما يُنتزَعْ
للشاعر سويد بن أبي كاهل اليشكري، اقرأ القصيدة

والخلي: الذي ليس به حزن. فهو يعذل الشجي ويلومه فيؤذيه. ويقال: إن أول من قال ذلك فيما ذكر المدائني ومحمد بن سلام الجمحي: أكثم بن صيفي التميمي.

وكان من حديث ذلك أنه لما ظهر النبي ﷺ بمكة ودعا إلى الإسلام بعث أكثم بن صيفي ابنه حبيشاً فأتاه بخبره، فجمع بني تميم وقال: يا بني تميم لا تُحضروني سفيهاً، فإنه من يسمع يخل؛ إن السفيه يوهن من فوقه ويثبط من دونه. ولا خير في من لا عقل له. يا بني تميم: كبرت سني ودخلتني ذلة، فإذا رأيتم مني حسناً فأقبلوه، وإن رأيتم مني غير ذلك فقوموني أستقم. إن ابني شافه هذا الرجل "ﷺ" مشافهة، وأتاني بخبره وكتابه، يأمر فيه بالمعروف، وينهي عن المنكر ويأخذ بمحاسن الأخلاق، ويدعو إلى توحيد الله تعالى، ويخلع الأوثان ويترك لحلف بالنيران. وقد عرف ذوو الرأي منكم أن الفضل فيما يدعو غليه، وأن الرأي ترك ما ينهي عنه. إن أحق الناس بمعونة محمد ﷺ ومساعدته على أمره أنتم، فإن يكن الذي يدعو إليه حقاً فهو لكم دون الناس، وإن يكن باطلاً كنتم أحق الناس بالكف عنه والستر عليه، وقد كان أسقف نجران يحدث بصفته،

وكان سفيان بن مجاشع يحدث به قبلة، وسمى ابنه محمداً. فكونوا في أمره أولا ولا تكونوا آخراً. طائعين قبل أن تأتوا كارهين. إن الذي يدعو غليه محمد لو لم يكن ديناً كان في أخلاق الناس حسناً. أطيعوني واتبعوا امرى اسأل لكم أشياء لا تنتزع منكم أبداً. إنكم أصبحتم أعز حي في العرب، أكثرهم عدداً وأوسعهم داراً، وإني أرى أمراً لا يجتنبه عزيز إلا ذل، ولا يلزمه ذليلٌ إلا عز، إن الأول لم يدع للآخر شيئاً، وهذا أمرٌ له ما بعده. من سبق إليه غمر لعالي، واقتدى به التالي، والعزيمة حزم، والاحتلاط عجز.

قال مالك بن نويرة: قد خرف شيخكم. فقال أكثم: ويلٌ للشجي من الخلي، والهفي على أمرٍ لم أشهده ولم يسبقني!! وقال المفضل بن محمد الضبي أو غيره: الشجي والخلي: رجلان. وأوا من قال ذلك لقمان بن عاد. وكان نزل بقبيلةٍ فأبصر ذات يوم امرأة قد انتبذت من بيوت الحي، فانبرى لها رجل، فمضيا جميعاً حتى انفردا، وذلك بحيث يرى لقمان ويسمع. فقالت المرأة للرجل: إني أتماوت على أهلي فإذا أسندوني في رحمي جئت فأخرجتني، وتنكرت فلم يعرفني أحدٌ. فقال الرجل: افعلي. وكان اسم الزوج الشجي، واسم الصديق الخلي، فقال لقمان: ويلٌ للشجي من الخلي. فأرسلها مثلاً.

النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية بالقاهرة (١٣٨٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الفاخر»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.