تجاوز إلى المحتوى

من «الفاخر» للمفضل بن سلمة (ت ٢٩٠هـ)

العجب كل العجب بين جمادى ورجب

أول من قال ذلك عاصم بن المقعر الضبي، وكان أخوه أبيدة علق امرأة الخنيفس بن خشرم الشيباني، وكان الخنيفس أغير أهل زمانه وأشجعهم. وكان أبيدة عزيزاً منيعاً. فبلغ الخنيفس أن أبيدة قد مضى إلى امرأته، فركب الخنيفس فرسه وأخذ رمحه وانطلق يرصد أبيدة. فأقبل أبيدة راجعاً إلى قومه قد قضى حاجته وهو يقول:

ألا إنَّ الخنيفسَ فاعلمُوهكما سمَّاهُ والدُه اللعينُ
بهيمُ اللونِ محتقرٌ ضئيلٌلئيماتٌ خلائقُه ضنينُ
أيُوعدُني الخُنيفسُ من بعيدٍولما ينقطع منهُ الوتينُ
لهوتُ بجارتيهِ وحادَ عنِّيويزعُم أنه أنِفٌ شفونُ

فسدد إليه الخنيفس رمحه، فقال له أبيدة: أذكرك خشرم. قال: وحرمة خشرم لأقتلنك. قال: فأمهلني حتى أستلئم. قال: أو يستلئم الحاسر؟! فقتله وقال:

أيابنَ المقشعرِّ لقيتَ ليثاًلهُ في جوف أيكتِه عرينُ
تقول صددتُ عنك خناً وجُبْناًوإنك ماجدٌ بطل متينُ
وإنك قد لهوتَ بجارتينافهاكَ أبيدَ لاقاكَ القرينُ
ستعلَم أينَا أحمَى ذماراًإذا قصرُت شمالُك واليمينُ
لهوتَ بها فقد بدلتَ قبراًونائحةً عليكَ لها رنينُ

فلما بلغ نعيه أخاه عاصماً لبس أطماراً له، وركب فرسه، وتقلد سيفه. وذلك في آخر يوم من جمادى الآخرة وبادر قتله قبل دخول رجب، لأنهم كانوا لا يقتلون في رجبٍ أحداً. فانطلق حتى وقف بفناء خباء الخنيفس فنادى: يا ابن خشرم أغِثِ المُرهق وطالما أغثتَ. فقال: ما ذاك؟ قال: رجل من بني ضبة غصب أخي امرأته وشد عليه فقتله وقد عجزت عنه. فأخذ الخنيفس رمحه وخرج معه حتى انطلقا إلى موضعٍ بعد فيه عن قومه. فلما علم عاصم أنه قد بعد دنا منه حتى قاربه، ثم قنَّعه بالسيف فأطار رأسه، وقال: العجب كل العجب بين جمادى ورجب. فأرسلها مثلاً. ورجع إلى قومه.

النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية بالقاهرة (١٣٨٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الفاخر»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.