من «الفاخر» للمفضل بن سلمة (ت ٢٩٠هـ)
قولهم إنما هم أكلة رأس
يراد بذلك القلة، أي عدتهم عدة يسيرة، رأس يشبعها. والعامة تغلطُ في ذلك فتقول: أكلةُ رأسٍ بتسكين الكاف.
وأول من قال ذلك طريف بن تميم العنبري. وكان من حديثه فيما ذكر أبو عبيدة قال: كانت الفرسان إذا كان أيام عكاظ في الشهر الحرام أمن بعضهم بعضاً فتقنعوا كيلا يعرفوا. وكان طريف ابن تميم، ويقال ابن عمرو، لا يتقنع كما يتقنعون، فوافى عكاظ وقد حشدت بكر بن وائل، وكان طريف قد قتل قبل ذلك شراحيل أحد بني أبي ربيعة بن ذهل بن شبيان بن ثعلبة. فقال حمصيصة أحد بني شيبان: أروني طريفاً، فأروه إياه. فجعل كلما مر به طريف تأمله ونظر إليه حتى فطن له طريف فقال: مالك تنظر؟ قال: أتوسمك لأعرفك، فإن لقيتك في حرب
فلله عليَّ أن أقتلك، إلا أن تقتلني. فقال طريف في ذلك:
أوَ كلَّماَ وردتْ عُكاظَ قبيلةٌبعثوا إليّ عريفهم يتوسَّمُ
فتوسَّموني إنَّني أنا ذاكمشاكٍ سلاحي في الحوادثِ معلمُ
تحتي الأغرُّ وفوقَ جلدي نثرةٌزغفٌ تردُّ السيفَ وهوَ مثلَّمُ
قال: فمضى لذلك ما شاء الله. ثم إن عائدة وهم يقولون إنهم من قريش يقال لها عائذة بن لؤي بن غالب، وهم حلفاء لبني أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان خرج منهم رجلان يتصيدان، فعرض لهما رجل من بني شيبان ثم أحد بني هند، فذعر صيداً لهما فوثبا عليه فقتلاه. فتنادت بنو مر بن ذهل فأرادوا قتلهما بصاحبهم. فمنعهما بنو أبي ربيعة. فقال هاني بن مسعود: يا بني أبي ربيعة! إن إخوتكم قد أرادوا ظلمكم فامتازوا عنهم. قال: فاعتزلتهم بنو أبي ربيعة وساروا حتى نزلوا ماء لهم يقال له مبايض، فقال مقاس العائذي، واسمه مسهر بن عمرو:
تطلبُ هندٌ غزالاً ليسَ تدركهُيا هندُ إنَّ غزال الفرصةِ الأسدُ
قال: فلما نزلت بنو أبي ربيعة بمبايض هرب عبد لبعض بني أبي ربيعة، فأتى بلاد تميم فأخبرهم أن حياً حريداً من بني بكر بن وائل قد نزلوا على مبايض، وهو بنو أبي ربيعة. فأرسلوا رسلاً يعلمون لهم ذلك. فإذا الأمر على ما قال. فقال طريف: هؤلاء من كنت أبغي يال تميم. إنما هم أكلةُ رأس.
فأقبل في بني عمرو بن تميم واستعزى قبائل من بني تميم، فأتاه أبو الجدعاء أخو بني طهية فيمن تبعه من بني حنظلة، وأتاه فدكى بن أعبد فيمن تبعه من بني سعد بن زيد مناة، فأقبلوا متساندين، حتى إذا كانوا قريباً منهم باتوا ليصبحوهم بالغارة، فبصرت بهم أمة كانت ترعى لرجلٍ من بني عائذة يقال له شمر بن أحمر، فقالت لمولاها: رأيت بالدَّوَّ نعماً كثيراً. فقال: يا بني أبي ربيعة من أي
الوجوه سرح نعم عباد بن مسعود؟ قالوا: من هذا الوجه: خلاف الوجه الذي جاءت منه الجارية. فقال: يا هؤلاء، قدو الله جاءتكم بنو تميم فارتؤوا رأيكم فانظروا في أمركم.
فاجتمعوا إلى سيدهم هانئ بن مسعود فقال لهم: أطيعوني اليوم وإلا انتحيت على ظبة سيفي. فقالوا: قل خلاف عليك قال: احتملوا. فاحتملوا فأصبحوا على ظهرٍ. ثم قال: لا يتخلفن عني أحد يطيق حمل السلاح. فأتوه فأتى بهم إلى علم مبايض معه، فأقام بهم عليه. ثم أمرهم فشرقوا بالأموال والسرح. قال: وصبحتهم بنو تميم وقد حذروا. فمر بهم رجل من تيمم فعرض النزال فنازله أحم المناسم، وهو نعمان بن عمرو بن قيس بن مسعود، فقتله. فقال طريف: أطيعوني يا بني تميم وافرغوا من هؤلاء إلا كلب يصف لكم ما وراءهم. فقال أبو الجدعاء وفدَ كي: أنقاتل أكلباً أحرزوا أنفسهم وندع أموالهم؟! ما هذا برأي. وخالفوه. وقال هانئ لأصحابه: لا يقاتلنَّ رجلٌ منكم.
ومضت بنو تميم حتى لحقت بالنعم والعيال، فقال رجل من بني تميم ولحق غلامين من بكر بن وائل على جمل فقال: من أنتما؟ فقالا: ابنا هانئ. فقال: ناولاني أيديكما. فأبى قبيصة، وناوله عامر يده فضبطها وغمز فرسه فاقتلعه عن الجمل، وقال: يكفيني هذا من الغنيمة. فمضى به قبل القتال، وأخذ جارية من بني عبد الله أبي ربيعة، وهانئ ينهي أصحابه ويكفهم عن القتال.
وصارت بنو تميم في النعم والعيال. وكان أول ما مر به عليهم وهم في علم مبايض حمولة عباد بن مسعود ونعمه وفيها أهله وبناته وحرمه. فقال لهانئ: والله لتأذننَّ لي في القتال أو لأفجرنَّ. قال: فقال هانئ: قد أذنت لك ولأبنتك ولست آذن لغيركم فنزلوا فاعترضوا القوم. قال هانئ بن مسعود ونظر إلى سعد بن عباد فقال: والله إنه لتسرني من ابن أخي خصلة وتسوءني أخرى، يسرني شدة متنيه ويسوءني جفاء مرفقيه. وقال عباد لأبنيه: لا تنظرا حيث يقع السلاح منكما وانظرا حيث تضعان من الرجل سلاحكما. قال: فأول من لقوا أبو الجدعاء الطهوي وهو يسوق حمولة عباد وأهله، وهو في ستة من ولده، ولحق بعباد ابنان آخران له فكان في أربعة قال سعد بن عباد: فاعترضت أبا الجدعاء فجعلت عليه عيني، وأقبل
تحوي معه سنان كأنه شعلة نارٍ، فمار السنان بين عضدي ودفي، فذكرت وصية أبي، ورأيت فتقاً في الدرع من تحت لبته فأطعنه في ذلك الموضع طعنة فخرج منها مثل الجر والأعنق بين كتفيه، وخر ميتاً. فأذن هانئ في القتال للناس، فانحدروا فاعترضوا بني تميم وقد تشاغلت تميم بالغنائم.
قال: وأقبل حمصيصة بن جندل وليس له هم غير طريف. فلما رآه قال: أذكر يمينك. وطعنه حمصيصة فقتله. وانهزمت بنو تميم. فقال ابن مبارد أخو بني ربيعة في ذلك، ويقال: بل قاله أبو النجم العجلي:
خاضَ العداةَ إلى طريفٍ في الوغىحمصيصةُ المغوارُ في الهيجاء
وقال حمصيصة يرد على طريف قوله:
أوَ كلَّما وردت عكاظَ قبيلةٌبعثوا إليّ عريفهم يتوسَّمُ
ولقد دعوتَ طريفُ دعوة جاهلٍسفهاً وأنتَ بمنظرٍ قد تعلمُ
فأتيتَ حيّاً في الحروبِ محلُّهموالجيشُ باسم أبيهمُ يستهزمُ
فوجدتَ قوماً يمنعون ذمارهمبسلاً إذاهابَ الفوارسُ أقدموا
وإذا دعوت بني ربيعةَ أقبلوابكتائبٍ دونَ النساءِ تلملمُ
سلبوك درعاً والأغرّ كليهماوبنو أسيَّدَ أسلموك وخضَّمُ
النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية بالقاهرة (١٣٨٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع