تجاوز إلى المحتوى

من «الديباج» لأبي عبيدة (ت ٢٠٩هـ)

أوفياء العرب في الجاهلية ثلاثة

السموأل بن عاديا، والحارث بن ظالم المرى، وعمير بن سلمى

الحنفي.

ضرب بالسموأل المثل في الجاهلية والإسلام. ضرب بالحارث بن ظالم في الإسلام. وكان الذي شهر وفاء السموأل أنه أجار قطين امرؤ القيس بن حجر وأدرعه وكراعه حين توجه إلى الروم فلما مات امرؤ القيس بأنقرة بعث ملك من ملوك غسان وهو عمرو بن هند، وهو ابن المنذر إلى السموأل فيما استودعه امرؤ القيس فأبى أن يسلمه وبعث إليه جيشاً عليهم رجل من أهل بيته يقال له الحارث، وكان السموأل ينزل حصناً يقال له: الأبلق الفرد من أرض تيماء فلما أحس بهم أغلق حصنه، وكان له ابن إما في سفر، وإما في صيد، فجاء وهو لا يعلم أنه قد أطيق بأبيه فأخذه الحارث فقال: إن سلمت إلى الوديعة خليت عن ابنك وإلا قتلته فأبى أن يسلمها فأخذ الحارث ابنه وصرعه ثم ناداه أشرف فانظر فو الله لأقتله أو لتدفعن إلى الوديعة، فقال: الغدر طوق

لا يبلى ولابني هذا إخوة وأنا أرجو أن يعقبنيه الله،

فقتله، فقال السموأل:

وفيت بأدرع الكندي إنيإذا عاقدت أقواماً وفيت
بنى لي عادياً حصناً حصيناًوماء كلما شئت استقيت
للشاعر السموأل، من قصيدة «وفيتُ بأدرع الكندي إني»
رفيعاً تزلق العقبان عنهإذا ما نابنى ضيم أبيت
وأوصى عادياً قدماً بأن لاتهدم يا سموأل ما بنيت
للشاعر السموأل، من قصيدة «عفا من آل فاطمة الخبيت»
وكم من مخبر لي ليس يدرىأورد لون جلدي أم كميت

والتقط رجل من كلب الأعشى فكتمه نفسه فحبسه واجتمع شرب عند الكلبي فيهم شريح بن عمرو، فعرف الأعشى، فقال: من هذا؟ قال: خشاش من الأرض التقطته فقال: ما ترجو بهذا؟ ما لهذا فداء خل عنه فخلى عنه، فأطعمه شريح وسقاه فلما أخذت فيه الكأس همهم فسمعه الكلبي يتزمزم بهجائه.

والتزمزم: تحريك الشفتين بالكلام.

فأعاده في القيد، فقال الأعشى يهجوه:

بنو الشهر الحرام فلست منهمولست من الكرام بني عبيد
للشاعر الأعشى، من قصيدة «بنو الشهر الحرام فلست منهم»
ولا من رهط جبار بن قرطولا من رهط حارثة بن زيد
للشاعر الأعشى، من قصيدة «بنو الشهر الحرام فلست منهم»

وقال لشريح يرغبه في الوفاء واقتص عليه حديث السموأل ووفائه وادعى جوار شريح:

شريح لا تتركني بعد ما علقتحبالك اليوم بعد القد أظفارى
كن كالسموأل إذ طاف الهمام بهفي جحفل كسواد الليل جرار
بالأبلق الفرد من تيماء منزلهحصن حصين وجار غير غدار
للشاعر الأعشى، من قصيدة «شريح لا تتركني بعدما علقت»
فسامه خطتى خسف فقال لهاعرضهما هكذا أسمعهما حار
فقال ثكل وغدر أنت بينهمافاختر فما فيهما حظ لمختارى
للشاعر الأعشى، من قصيدة «شريح لا تتركني بعدما علقت»
فشك غير طويل ثم قال لهاقتل أسيرك إني مانع جاري
وسوف يعقبنيه إن ظفرت بهرب كريم وبيض ذات أطهار
للشاعر الأعشى، من قصيدة «شريح لا تتركني بعدما علقت»
فقام معتمداً إذا قام يقتلهأشرف سموأل فانظر للدم الجاري
فاختار أدراعه كي لا يسب بهاولم يكن عهده فيها بختارى

وضربه الكميت بن زيد مثلا، فقال:

وفاء السموأل لا بل يزيدكما يفضلن الخميس الزعيما

وضربه أيضاً مثلاً، فقال:

وعقد السموأل للخائفينلجارك إن أنت أمنت جارا

وقال الفرزدق وضربه مثلاً لسليمان بن عبد الملك حين وفى ليزيد بن المهلب:

وفاء أخي تيماء إذ هو مشرفيناديه مغلولاً فتى غير جانب
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «لعمري لقد أوفى وزاد وفاؤه»
أبوه الذي قال اقتلوه فإننيسأمنع جاري أن يسب به أبي
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «لعمري لقد أوفى وزاد وفاؤه»
وإنا وجدنا الغدر أعظم سبةوأفضح من قتل امرئ غير مذنب
فأدى إلى آل امرؤ القيس بزهوأدراعه معروفة لم تغيب

وكان الذي شهر وفاء الحارث بن ظالم أنه لما قتل خالد بن جعفر

في جوار الأسود بن المنذر اللخمي طلبه فهرب فدل الأسود على جارات الحارث من بلي، وقيل له: إنك لا تصيبه بشيء هو أشد عليه منهن إذ فاتك، فاستاقهن وأموالهن، فبلغ ذلك الحارث فكر من وجهه حتى سأل عنهن ومرعى إبلهن فدل عليهن فأتى الحارث موضعهن فإذا ناقة لهن يقال لها: اللفاع كانت غزيرة يحلبها حالبان فلما رآها قال:

إذا سمعت حنة اللفاعفادعى أبا ليلى ولن تراعى
للشاعر الحارث بن ظالم المري، من قصيدة «إذا سمعت حنّة اللفاع»
ذلك راعيك فنعم الراعييجبك رحب الباع والذراع
للشاعر الحارث بن ظالم المري، من قصيدة «إذا سمعت حنّة اللفاع»

منصلتاً بصارم قطاع وقال:

أنا أبو ليلى وسيفى المعلوبهل يمنعن ذودك ضرب تشذيب

فعرف البائن كلامه فحبق يعنى ضرط، فقال: است البائن أعلم والبائن: الذي يقوم من الشق الأيمن - فذهبت مثلاً: خليا عنها، فخليا عنها، فجمع أموال جاراته فردها عليهن واستنقذهن وأموالهن، ثم انطلق فأخذ شيئاً من جهاز رحل سنان بن حارثة المري فأتى به أخته سلمى بنت ظالم ويقال سلمى امرأة من بني أسد وكانت عند سنان، وقد تبنت ابن الأسود فقال: هذا علامة بعلك فصنعى ابنك حتى آتيه ففعلت فأخذه فقتله لما فعل بجاراته. ففي ذلك يقول الحارث بن ظالم:

قفا فاسمعا أخبركما إذ سألتمامحارب مولاه وثكلان نادم
أخصيي حمار بات يكدم نجمةأتوكل جاراتى وجارك سالم
للشاعر الحارث بن ظالم المري، من قصيدة «قفا فاسمعا أخبركما إذا سألتما»
فإن تك أذواد أصبن وصبيةفإن ابن سلمى رأسه متفاقم
للشاعر الحارث بن ظالم المري، من قصيدة «قفا فاسمعا أخبركما إذا سألتما»
علوت بذي الحيات مفرق رأسهوكان سلامى تحتويه الجماجم
فتكت به كما فتكت بخالدوهل يركب المكروه إلا الأكارم

وكان الذي شهر وفاء عمير أن رجلاً من السواقط، - وكان السواقط من قبائل شتى - وسموا سواقط: لأنهم كانوا يأتون اليمامة في الأشهر الحرم للتمر والزرع، فإذا أدرك قضوا منه حاجتهم ثم رجعوا إلى بلدانهم، وإن لم يكن أدرك أقاموا حتى يدرك، أو حتى تدخل الحرم وكان مرارة بن سلمى يجيرهم وكان الرجل منهم يأتى الرجل من أهل اليمامة فيقول له: أجرني إلى أن أشخص فيجيره ويكتب له على سهم: فلان جار فلان، ويدفعه إليه، فينصرف حيث شاء من اليمامة لا يعرض له أحد منهم، وكانوا يدعون

السواقط فأراد النعمان بن المنذر أن يجليهم عنها، وبعث في ذلك فمنعهم مرارة بن سلمى بن زيد بن عبيد بن ثعلبة ابن يربوع من بني الدؤل بن حنيفة بن مجاعة بن مرارة فقال: أوس بن حجر يحض النعمان عليه:

زعم ابن سلمى مرارة أنهمولى السواقط دون آل المنذر
للشاعر أوس بن حجر، من قصيدة «نبئت أن دماً حراماً نلته»
منع اليمامة حزنها وسهولهامن كان ذا تاج رفيع المنخر

فكان رجل من السواقط من بني نفيل بن عمرو أتى قائد الجرباء: وهي الكتيبة عمير بن سلمى بن عمرو بن مجمع بن يربوع بن ثعلبة بن الدؤل بن حنيفة فقال: أجرني فأجاره، وكتب له على سهم: فلان جار عمير، وكان مع الكلابي أخ له جميل فقال: قرين بن سلمى له وهو أخو عمير لا تقربن أبيات نسائنا، فوجده ذات يوم يتحدث إلى امرأته فرماه بسهم فأصماه.

وأما بنو حنيفة فزعموا أن الكلابي كانت امرأته أجمل النساء وكان قرين يتحدث إليها فوجد زوجها عندها فخاف قرين على المرأة فقتله فانطلق أخو الكلابي وهو رجل من بني عمرو بن كلاب فضرب بيته على قبر سلمى أبي عمير جاره وقرين القاتل، وعمير يومئذ ليس بشاهد فانطلق قرين إلى قتادة بن مسلمة بن عبيد بن ثعلبة بن يربوع بن ثعلبة بن الدول بن حنيفة فأخبره الخبر فأتى الكلابي فأعطاه ما سأل من المال

فأبى فخرج قرين من المحرقة وهي لبنى يربوع بن ثعلبة بن الدؤل بن حنيفة وهي البادية فلحق بجده أبي أمه السمين بن عمرو بن سيار بن عبيد بن ثعلبة بن الدؤل بن حنيفة واتبعه عمير فحالوا بينه وبين أخيه فجاء السمين، فقال: أحمقاء أنتم؟ ادفعوا إليه أخاه فدفع قرين إليه فخرج به يقوده من الوتر حتى أتى به إلى المحرقة فأعطى الكلابي ما كان لقرين من مال وما سأله فأتى وجوه اليمامة فعرضوا عليه من المال ما سأل، فأبى الكلابي فربط عمير قريناً إلى نخلة فقال: شأنك وكلمت حسينة عميراً ابنها أن لا يقتل أخاه فأبى فولى عنه، فقال عمير: أما إذ قتلته فاظعن عنا فليس لك في جوارنا خير فظعن من اليمامة وقالت حسينة حين لامت عميراً في قتل أخيه فاعتذر إليها:

تعد معاذراً لا عذر فيهاومن يقتل أخاه فقد ألاما

وقال رجل منهم:

قتلنا أخانا للوفاء بجارناوكان أبونا قد تجير مقابره

وقال الكلابي في وفاء عمير:

وإذا استجرت من اليمامة فاستجرزيد بن يربوع وآل مجمع
وأتيت سلمياً فعذت بقبرهوأخو الزمانة عائذ بالأمنع
وعلمت أنى حين عذت بقبرهنهشت يداى إلى صدى لم يسمع
وإلى صدى من يستجره عائذاينصر وجاء إلى أشم ممنع
وأخذت بالحجر التي أنسأتهاكانت إذا طبع امرئ لم يطبع
وبآل سلمى ومن يعدمهمتناش يداه إلى أعز الأرفع؟
وعلمت أني إن أخذت بحلبهمبهشت يداك إلى وحاً لم يصفع
أقرين إنك لو رأيت فوارسيبعمايتين إلى جوانب ضلفع
حدثت نفسك بالوفاء ولم تكنللغدر خائنة مغل الإصبع
فلو ان ما قدرت على رماحهمفي يوم معركة إذا لم أجزع
أخشى بواد من قرين سورتىفاخشى بواد من شقى مولع

السموأل أسلم ابنه للقتل واختار الوفاء، وعمير أسلم أخاه للقتل واختار الوفاء، فلم نسمع بمثلهما.

جاور بنو سلامة - وهم أهل بيت من بني الهجيم بن عمرو - في بني جذيمة بن رواحة ولهم فيهم خؤولة فنزلوا بشرج فقتل رجل من بني عبس رجلا منهم فتحمل الهجيميون متوجهين إلى قومهم وأخذ مساور ابن هند القاتل العبسي ثم اتبعهم حتى لحقهم بإراب فدفعه إلى رجل منهم يقال له: عتاب فقتله بصاحبه فقال:

أبلغ سراة بني تميم إننيأعددت مكرمة ليوم سباب
وأخذت ثأر بني سلامة عنوةفدفعت ربقته إلى عتاب
وجنبته من أهل شرج عانياحتى تحكم فيه أهل إراب
غدرت جذيمة غير أني لم أكنيوماً لألبس غدرة أثواب
أمرت جذيمة هفوة من رأيهاوسفاهها ليغللوا أنيابى
قتلوا ابن أخيهم وجار بيوتهممن خينهم وسفاهة الألباب
وإذا فعلتم ذلكم لم تتركواأحداً يذود لكم عن الأحساب
للشاعر مساور بن هند، من قصيدة «سائل تميماً هل وقيت فإنني»

فكانوا يهددونه ثم إنه أدركه ذمام من قومه فأخرج لهم مائة بعير دية لصاحبهم. فقال رجل منهم في ذلك - وإنه أخرجها رهبة -:

لا تجزع أبا الصمعاء وأدلجلسيفي بعد جارك بالمئينا

فبعث بها المساور إلى بني الهجيم لجاجة وضراراً لما قال هذا فأقاد ووفى. فلم يسمع بجار مثله قال المساور:

ولما أربدت أعناق كومعلى أثباجها مثل الأروم
وقال ابن المغيرة لابن زيدأعينونا بأغفلة وكوم
لواها جدهم عنهم فخابواوأحرزها جدود من تميم

جاور رجل من بني وبرة عبيد بن غاضرة العنبري بفلج فأغار عليه

جميل أبو خشرم السلمى فأخذ إبله فركب عبيد حتى أتى جميلا فقرنه إلى بعير ثم حزمه على بكر فسلح على ظهره فآلى لا ينقلب حتى تأتى بجميع ما أخذت بأعيانه وأرهق نفسك، فردها عليه بعينها ففي ذلك يقول عبيد:

تقول ابنة الكلبي إذ حل أهلهاجميعا بأعلى ذي أبان فلعلعا
لعمري لقد أوفى عبيداً لجارهوزاد على كفل الوفاء فأترعا
فلا تحمداني بالوفاء فإنماتخيرتماني أهل فلج لأمنعا
قرنت أخا عون جميلا كأنماقرنت به بكراً من الشول أفرعا

النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الديباج»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.