تجاوز إلى المحتوى

من «الديباج» لأبي عبيدة (ت ٢٠٩هـ)

المدركو الأوتار في الجاهلية ثلاثة

سيف بن ذي يزن، وبيهس الفزاري، وقصير صاحب جذيمة.

فأما سيف بن ذي يزن فإنه لما غلب الأحبوش على اليمن وملكها فطال ذلك حتى توالدوا بها، أتى هرقل يستمده عليهم فوعده أن يفعل، فقال له نصحاؤه: تعين رجلاً ليس على أهل دينك يقتلهم لا تؤيسه ولا تطعمه فأريثه عنهم؟ فمكث عندهم تسع سنين حتى تركه ولحق

بكسرى من أكاسرة فارس فأتى عاملاً من العرب غريباً فكان ذريعته إليه حتى دخل عليه فلما دخل طأطأ رأسه، فقال الملك: إن هذا الأحمق يدخل من باب فوقه بكذا وكذا فيطأطئ رأسه ففسر له ذلك فقال: إنما طأطأت رأسي لهمي إنه يضيق عنه كل شئ وشكا إليه وقال: إنما يكفيني من المدد قدر السماع وإذا وقعت في بلادي أتيتهم من الرجال بما شاءوا، فوعده أن يمده فقال له نصحاؤه: أتعمد إلى قوم من رعيتك وبلادك فتطوح في فلاة، إنما تشرب الخيل والشفاه من أمثال عيون الديكة وبالحرى أن هي أدفنت أن يهلك جيشك، فقال: لا أخلفه ما وعدته وأبي إلا أن يتم له على الوفاء. قالوا: قلنا ها هنا حيلة ويصدق الملك في شجونك أقوام قد استحقوا القتل، وقوم قد أفسدوا في الأرض فتجمعهم وتمنعهم واستعمل عليهم شيخاً قد نفد أجله، ثم تجمعهم في البحر فهو أهون للمؤنة فإن هلكوا كنت قد كففت عن رعيتك شيئاً، وإن نجوا وظفروا كان ظفرهم لك، فذهب إلى شط دجلة فهيئت لهم السفن، وحمل فيها ما يصلحهم ويصلح دوابهم وبعث إلى أصحابه في البلدان فجمع نحواً من ألف ومائتين، وقدموا وقد هيئت لهم المراكب واستعمل عليهم شيخاً كبيراً قد سقط حاجباه عل عينيه ودفع إليه حلة ديباج منسوجة بالذهب والجوهر، ورايتين وقفازين وقلنسوة. وقال له: إذا ظفرت فارفع أهل البلد فاسألهم أهوابن ملكهم كما قال،

فإن كان كذلك فادفع إليه الحلة وجملة الخراج، وإن كان كاذبا فاقتله واجب الخراج حتى يأتيك أمري، فكرب حتى إذا كانت بسيف أرجان قال بعضهم: أنت غررتنا، وقالوا: احملوا سفنكم على هذا الجسر فاكسروها ففعلوا وبقي معه سبعمائة أو أكثر قليلا، فلما بلغوا القليس وهو بناء بنته الحبشة يحجونه، قال زهرز: أين أنصارك الذين زعمت للملك أنك تأتي بهم إذا وقعت في أرضك؟ قال: إن كل قوم منهم وثبوا على من فيهم من الحبشة فشغلوهم عنك فقتلوهم، وبلغ قائد الحبشة الذي بصنعاء سيرهم فوجه إليهم عدداً كثيراً فتلقوهم بصنعاء فقاتلهم وهرز وأصحابه، وقال وهرز: أروني رئيسهم فاسمتوا لي سمته بنشابه فإن في بصرى ضعفاً، ورفع حاجبيه بحريرة ففعلوا فرماه ففلق جبهته وهو على بعير، فلما خر انهزموا، وأخذ كل واحد ممن بقي عوداً أو خشبة أو ما وجدوا ووضعوه في أفواههم يستأمنون بذلك، ودخل آلاف حائطا أو بناء فأخذهم فقتلهم جميعا وزعم أهل اليمن أن أنصار سيف قد كانت أتته، ولولا ذلك ما قامت سبعمائة لستين ألف أو نحوها، ووثب كل قوم على من فيهم من الحبشة فأبادوهم فلما دخل وهرز صنعاء دعاهم فقال: ما سيف فيكم؟.

قالوا: ابن أملاكنا وأشرفنا أدرك لنا بثأرنا. فدفع إليه الحلة وخلاه والخراج والعمل ثم لم بلبث وهرز أن مات.

فبلغ كسرى أن سيفاً يتناول النساء فكتب إليه يعزم عليه الإقدام عليه ففعل.

فقال: أيسرك أن تخلف بعقبك في حرمك؟.

ففطن فقال: لست بعائد. فقال: ارجع إلى عملك. فرجع فلم يزل اليمن في يدي فارس حتى بعث النبي صلى الله عليه وعلى آله وباذان عامل أبروان عليها وفيروز ودادويه قائدان معه.

وقال: أمية بن أبي الصلت في كلمة له لسيف:

ليطلب الوتر أمثال ابن ذي يزنلجج في البحر للأعداء أحوالا
أتى هرقل وقد شالت نعامتهفلم يجد عنده القلو الذي قالا
ثم انتحى نحو كسرى بعد تاسعةمن السنين لقد أبعدت إيغالا
للشاعر أمية بن أبي الصلت، من قصيدة «ليطلب الثأر أمثال ابن ذي يزن»
حتى أتى ببني الأحرار يحملهمحملا لعمري لقد أسرعت إرقالا
ومثل كسرى وباذان الجنود لهومثل وهرز يوم الجيش إضلالا
لله درهم من عصبة خرجواما إن رأينا لهم في الناس أمثالا
للشاعر أمية بن أبي الصلت، من قصيدة «ليطلب الثأر أمثال ابن ذي يزن»
غلباً جحا جحة بيضاً مرازبةأسداً ترقص في الغيضات أشبالا
يرمون عن شدف كأنها غبطفي زمخر يعجل المرمى إعجالا
للشاعر أمية بن أبي الصلت، من قصيدة «ليطلب الثأر أمثال ابن ذي يزن»
أرسلت أسداً على سود الكلاب فقدأمسي شريدهم في الأرض ضلالا
للشاعر أمية بن أبي الصلت، من قصيدة «ليطلب الثأر أمثال ابن ذي يزن»
فاشرب هنيئاً عليك التاج مرتفقاًفي رأس غمدان داراً منك محلالا
قصر بناه أبوك القيل ذو يزنما إن رأينا له في الأرض أشكالا
منطعاً بالرخام المستزاد لهفي كل ركن رأينا منه تمثالا
ثم أظلل الملء إذ شالت نعامتهموأسبل اليوم في برديك إسبالا
تلك المكارم لاقعبان من لبنشيباً بماء فعادا بعد أبوالا

أما بيهس فإن أقواما أربعة غزوا فأتوا على إخواته وأهل بيته وأسروه،

فلما نزلوا بعض المنازل راجعين نحروا جزوراً فأكلوا وقالوا: ظللوا البقية فقال بيهس: لكن بثباً لحم لا يلظلل وثبا: موضع، فذهب مثلا، يعني أجساد من قتل من إخوته وقومه، فلطمه بعضهم وجعل يدخل رجله في يدي سرباله فقال بعضهم: لا تلبس هذا اللبس وعلمه كيف يلبس؟ وكانوا يرون أن به طوفة فقال: ألبس لكل دهر لبوسه فلطمه بعضهم، فقال بيهس: لو نكلت عن الأولى لم تعد الثانية. فقال بعضهم: إن مجنون بني فزارة ليتعرض للقتل فخلو عنه فلما أتى أهله جعل نساؤه يتحفنه، فقال: يا حبذا التراث لولا الذلة فاجتمع عليه الغم مع ما به من قلة العقل، وجعلت أمه تعاتبه فيشد عليه ذلك منها، فقالت: لو كان فيك خير لقتلت مع أهل بيتك، قال: لو كان الخيار إليك لاخترت فجمع جمعا وغزا القوم ومعه خال له فوجدوهم

في حفرة من الأرض فرماه خاله عليهم، وكان جسيماً طويلاً وإنما سمى نعامة لذلك، فقاتل القوم وهو يقول: مكره أخوك لا بطل فقتل القوم فأدرك بثأره. فقال المتلمس يضرب به المثل لقومه:

ومن حذر الأيام ماحز أنفهقصير وخاض الموت بالسيف بيهس

ويروي: ومن طلب الأوتار ورام الموت:

نعامة لما صرع القوم رهطهتبين في أثوابه كيف يلبس
للشاعر المتلمس الضبعي، من قصيدة «أعاذل إن المرء رهن مصيبة»

وأما قصير فإن جذيمة الأبرش طمع أن يتزوج زباء الرومية فتشاور فاتفقوا له على أني فعل ونهاه قصير، فخطبها فأجابته فلما أراد أن يهديها بعثت إليه أن ائتني فنهاه قصير قال: إن النساء يهدين إلى الأزواج فعصاه وأقبل، فلما كان ببقة عاوده المشاورة فقال له: قد دنوت فامض

إليها، ونهاه قصير فأبى، فلما دنا قال له: إنك عصيتني فإن تلقاك أهلها فرجعوا عنك فقد كذب ظني، وإن أقماموا ولم يرجعوا فإني معرض لك العصا، فرس كانت لجذيمة لا تجارى فجعلوا يتلقونه ولا يرجعون، فعرض له العصا فلم ينته فقال قصير: ببقة قضى الأمر فدخل عليها فأبرزت جهازها وقالت بكلامها، أذات عروس ترى؟ أما أنه ليس ساعون مواسى ولكنه شيمة ما أناس فقطعت راهشيه فنزفه الدم فمات.

ورجع فصير إلى عمرو بن جذيمة أو ابن أخته، فقال: حز أنفس وأظهر التهمة لي ففعل فلحق بزباء، فقال: لقد لقيت هذا فيك فوقعت له منها منزلة فزين لها تجارة عيرا فأعطته مالاً لذلك، فكر كرتين، يزيده عمرو في السر مالاً فإذا رجع قال: هذا رمحي لك ثم هيأ مسوحاً كالمسوح التي يحمل فيها الجص وهيأ الرجال وخرج بعمرو وقال: إن لها نفقاً إذا خافت خرجت منه ووصفه له فاقعد، فإذا مرت بك فاضربها، وكانت إذا دنت عيرها أشرفت فلما دنا وقد أقام الرجال في المسوح مستلئمين في أيديهم أوكية، أشرفت فقالت: إن العير لتحمل صخراً

أو تطأ في وحل يا قصير، فصنع لها رجزاً على هذا المعنى:

ما للجمال مشيها وئيداً

أجندلاً يحملن أم حديدا

أم صرفاناً بارداً شديدا

أم الرجال قبضاً قعودا

فحلوا الأوكية فإذا هم قيام على أرجلهم فعرفت الشر فاستغاثت بالنفق، فضربها عمرو فقتلها وزعم قوم أنها مصت خاتمها وقالت: بيدي لا بيد عمرو وكانت لا تكلم بالعربية إلا أن يكون فسر، ففي ذلك يقول عدي بن زيد العبادي:

دعا بالبقة الأمراء يوماًجذيمة عصر ينجوهم ثبينا
للشاعر عدي بن زيد، اقرأ القصيدة
فلم ير غير ما ائتمروا سواهفشد لرحله السفر الوضينا
للشاعر عدي بن زيد، من قصيدة «ألا أيها المثري المرجى»
فطاوع أمرهم وعصى قصيراًوكان يقول لو نفع اليقينا
للشاعر عدي بن زيد، من قصيدة «ألا أيها المثري المرجى»
لخطيبتي التي غدرت وخانتوهن ذوات عائلة لحينا
فدست في صحيفتها إليهليملك بضعها ولأن تدينا
فأردته ورغب النفس يردىويبدي للفتى الحين المبينا
للشاعر عدي بن زيد، اقرأ القصيدة
ففاجأها وقد جمعت تنوخاًعلى أبواب حصن مصلتينا
وقدمت الأديم لراهشيهوألفى قولها كذباً ومينا
للشاعر عدي بن زيد، اقرأ القصيدة
وحدثت العصا الأنباء فيهولم نر مثل فارسها هجينا
فبات نساؤه عجلا عليهمع الويلات يعلن الرنينا
لهن إذا اقتبلن به نحيبكما يتجاوب الخلج الحنينا
خوامش للوجوه متوجاتبدئن فماجع وبه دهينا
ومن حذر المعاير والمخازىوهن المندبات لمن منينا
أطف لأنفه الموسى قصيرليجدعه وكان به ضنينا
للشاعر عدي بن زيد، اقرأ القصيدة
فأهواها لمارنه فأضحىطلاب الوتر مجدوعا مشينا
فصادفت امرءاً لم تخش منهمفارقة دما أمنت بأمينا
أتاها عركتين بما أرادتفأصبح عند ربته مكينا
وأبلاها كما حسبت نصيحافملكت الخزائن والقطينا
فردته بضعفي ما أتاهاولم يكبل على المال اليمينا
فلما ارتد عنها ارتد صلتايجر الموت والصدر الضغينا
أتتها العير تحمل ما دهاهاوقنع في المسوح الدار عينا
مخاتلة ابنة الرومي زباوظلل حملها الثبت الرصينا
فدس لها على الإنفاق عمراًبشكته وما خشيت كمينا
فجللها عتيق الأثر عضباًيصك به الحواجب والجبينا
فأضحت من مداينها كأن لمتكن زبا لحاملة جنينا

النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الديباج»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.