تجاوز إلى المحتوى

من «تعليق من أمالي ابن دريد» لابن دريد (ت ٣٢١هـ)

ومن الجزء الخمس

اخبرنا ابو بكر بن دريد، قال: أخبرنا ابو حاتم عن الأَصمعي عن يونس قال: جاء اعرأبي إلى النبي ﷺ، فقال: يا رسول الله، والله لقد امسينا ومالنا بعير يئط ولا صبي يصطبح، ثم أَنشَدَه:

اتيناك والعذراء يدمي لبانهاوقد شغلت أم الصبي عن الطفل
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «أتيناك يا خير البرية كلها»
وألقى بكفيه الفتى لاستكانةمن الجوع ضعفاً ما يمر ولا يحلى
ولا وزر إلا إليك فرارناوأين فرار الناس إلا الرسل

فقام النبي صلى الله عليه يجر رداءه، حتى صعد المنبر، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: اللهم اسقنا غيثاً مغيثاً، مريئاً غدقاُ طبقاً، عجلا غير رائث، نافعا غير ضائر، تنبت به الزرع، وتملا به الضرع، وتحيي به الارض بعد موتها. فو الله ما رد يده إلى نحره حتى التقت السماء بأودائها وجاء اهل الباطنة يصيحون، يا رسول الله، الغرق الغرق، فرفع يده إلى السماء، فقال: اللهم حوالينا ولا علينا، فانجاب السحاب عن المدسنة حتى احدق بها كالاكليل، فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه، ثم قال: لله أبو طالب، لو كان حيا قرت عيناه، من ينشدنا قوله؟ فقام علي - رضوان الله عليه - فقال: يا رسول الله، كانك اردت:

وأبيض يستسقي الغمام بوجههثمال اليتامى عصمة للارامل
للشاعر أبو طالب، من قصيدة «خليلي ما أذني لأول عاذل»
يلوذ به الهلاك من آل هاشمفهم عنده في نعمة وفواضل
للشاعر أبو طالب، من قصيدة «خليلي ما أذني لأول عاذل»
كذبتم وبيت الله نترك احمداًولمّا نقاتل دونه ونناضل
ونسلمه حتى نصرع حولهونذهل عن ابائنا والحلائل
للشاعر أبو طالب، من قصيدة «خليلي ما أذني لأول عاذل»

فقال رسول الله ﷺ: أجل، فقل رجل فقال:

لك الحمد والحمد ممن شكرسقينا لوجه النبي المطر
دعا الله خالقه دعوةًإليه وأشخص منه البصر
فلم يك إلا كلفت الرداءوأسرع حتى أتتنا الدرر
دقاق العزا لي وجم البعاقاغاث به الله حيي مُضر
وكان كما قاله عمُّهابو طالب أبيضا ذا غرر
به الله أنزل صوب الغمامفهذا العيان وذاك الخبر
فمن يشكر الله يلق المزيدومن يكفر الله يلق الغير

فقال رسول الله ﷺ: إن يكن شاعر أحسن فقد أحسنت.

قال أبو عُبَيْدة: كان عقبة بن زهير بن أبي سلمى يشبب بسلمى، احدى نساء بني الجُلَيح، فتوعدوه فقال:

تذكر سلمى إنه لَطَروبعلى حين أن شابت وكاد يشيب
للشاعر عقبة المضرب، اقرأ القصيدة
وادبر منها كل خير وأقبلتعواذله تلحى وليس ذنوب
للشاعر عقبة المضرب، اقرأ القصيدة
يفدينه طوراً يلمنهويزعم أن ليست لهن قلوب
أتذهب سلمى في النهار فلا ترىوبالليل أيم حيث شاء يشيب
للشاعر عقبة المضرب، اقرأ القصيدة
المت بنا من أذرعات فسلمتمن الليل أو رؤيا المنام كذوب
للشاعر عقبة المضرب، اقرأ القصيدة
فو الله ما ادري أسلمى تقولتأم الحلم أم كل إلى حبيب
على حين وافى الحج كل مبلدإلى الله يدعو ربه وينيب
للشاعر عقبة المضرب، اقرأ القصيدة
فقلت لها فيئي إليك فإننيحرام وإني بعد ذاك لبيب
للشاعر المَخَبَّل السَعدي، اقرأ القصيدة
فصدت بعيني جؤذر فتمايلتبمثل كثيب مال فيه قضيب
للشاعر عقبة المضرب، اقرأ القصيدة
وكرت بالحاظ المها وتبسمتبعجفاء عن غر لهن غروب
للشاعر عقبة المضرب، اقرأ القصيدة
جرى الإسحل الأحوى عليهن أو جرىعليهن من فرع الأرك قضيب
للشاعر عقبة المضرب، اقرأ القصيدة
فإن تك سلمى قد امر حديثهافقد كان يحلو مرة ويطيب
للشاعر عقبة المضرب، اقرأ القصيدة
وانت امرو تغدو على كل غرةٍفتخطي فيها مرة وتصيب
للشاعر عقبة المضرب، اقرأ القصيدة
ومن يك غارات على الناس مالهفلابد يوماً أنه سيخيب
للشاعر عقبة المضرب، اقرأ القصيدة
فقلت له قد طال نومك فأرتحلأبا لنوم داوي الفلاة تجوب
للشاعر عقبة المضرب، اقرأ القصيدة

اخبرنا ابن دريد، قال: أخبرنا عمي الحسين بن دريد، عن ابن عائشة، عن صفوان بن عيسى، قال: حدثنا طلحة بن عمرو، عن عطاء، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: اطلبوا الحوائج إلى الحسِان

الوجوه. فقال: رجل يا أبا عبد الرحمن إنما يعني من الوجوه التي تحل، فقال ابن عائشة، لا، إلا من الوجوه التي يدل عليها الخير، وأَنشَدَ:

وجهك الوجه لو تسأل به المزنمن الحسن والجمال استهلا
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «جن قلبي فقلت يا قلب مهلا»

وأَنشَدَ أيضاً:

وجوه لو ان المدلجين اغتشوا بهاصدعن الدجى حتى ترى الليل ينجلي

وعن أبي عُبَيْدة قال: تشاتم بلال بن أبي بردة والعريان بن الهيثم عند خالد بن عبد الله القسري، فقال بلال: إني والله ما انا بأبيض الراحتين، ولا منتشر النحرين، ولا جعد قطط. فقال له خالد: ويلك يا بلال، أشعر هذا؟ قال: لا، ولكنه كلام يتلو بعضه بعضاً. قال: فأسرع العريان إلى أبيه وجده فتناولهما، فقال بلال: يا عريان، اتريد أن تشتم أبا بردة لأشتم أباك، وتشتم جدي لأشتم جدك؟ كلا، والله إني لكما قال مسكين الدارمي:

انا مسكين لمن يعرفنيولمن ينكرني جد نطق
لا أبيع الناس عرضي إننيلو أبيع الناس عرضي لنفق
للشاعر مسكين الدرامي، من قصيدة «اتق الأحمق أَن تصحبه»

فقال خالد: ويلك يا عريان، لشد ما احتقرك بلال.

وعن ابن عائشة قال: كان فيمن كان قبلكم ملك من الملوك، وكان شديد الغضب، فكتب لأهله ثلاث صحائف، وقال: إذا رأيتموني قد اشتد غضبي فأدفعوا إلي هذه، فإذا لاأيتموني قد سكن قليلاً فأدفعوا الي بالاخرى، فإذا رأيتموه قد سكن فأدفعوا إلى الثالثة.

وكان في الاولى: إنك لست بإله، وإنك ستموت ويأكل بعضك بعضاً.

وفي الثانية: لا يرحم من في السماء من لا يرحم من في الارض.

وفي الثالثة: خذ الناس بأمر الله، فأنه لا يصلحهم الا ذاك.

وعن أبي عُبَيْدة قال: خطب رجل من بني تميم، يقال له لقيط، إلى شفاء بن ناصر المنافي، من بني مناف بن دارم، ابنته، فلم يزوجه، وقال:

تروح يالقيط فأن ليلىبرأبية لها شرف منيف
تخبرني بأنك ذو فضولوترعد لي كما رعد الخريف
ففي الاعياص اكفاء لليلىوفي قبر لها كف شريف

ثم تواترت على شفاء سنون، فزوج ابنته لرجل من بني نهشل، فقال الفرزدق:

رأيت شفاء طأطأ الحوب رأسهوقد كان يلفي رأسه وهو طامح
أأنكحت ليلى راعي الضأن منهماومرت لذي المعزى النحوس البوارح
وراحت بفياض قلوص بغرةومن تطوعنه حاجة فهو رائح
أأنكحت ليلى نهشليا لمّالههبلت، وكانت في قريش مناكح

وعن أبي يزيد مولى مزينة قال: امتخط الحسن بن علي - رضوان الله عليهما - عند معاوية بيمينه، فقال له معاوية: أتمتخط بيمينك؟ قال: نعم، يميني لمّا علا، ويساري لمّا سفل، فقال معاوية: اهل بيت يرتفعون من حيث يتضع الناس.

وأَنشَدَ الأَصمعي لشفاء المنافي:

المرء من ريب المنون كأنهعود تعاوره الرعاء ركوب
ذهبت شعوب بماله وبأهلهان المنايا للرجال شعوب
نصبا لكل منية يرمى بهاحتى يصاب سواده المنصوب

وعن أبي عُبَيْدة قال: قامت امرأَة إلى الحجاجفقالت: اصلحك الله، ان لي ابنا جهز في ثغر كذا وكذا منذ كذا وكذا، فأنا كما قال الشاعر:

مثل عجول فقدت بوهاقد فاتها الوارد والصادر
ارعى نجوم الليل مكروبةوالقلب مني واله طائر
فامنن على من لبها ذاهلوليلها من همها ساهر

فأمر بقفوله، ثم قال: عليك لعنة الله ان عققتها او هممتها.

وعن الهيثم بن عدي عن رحالة، قال: وفد على عبد اللهابن سوار بن همام العبدي رجل من اهل البصرة، وهو عامل معاوية على السند، فانتظر اذنه ثلاثا، ثم دخل عليه فأنكره فقال: من الرجل؟ قال: من اهل البصرة، من بني تميم،

ثم من بني سعد، قال: وما أقدمك؟ قال: حرمة أمت بها: ماهي؟ قال: كنت تمر بمجلس بني سعد فتسلم، فأرد عليك بأتم من سلامك، وبأجهر من كلامك، واتبعك بدعائي من بين رجال قومي، قال: حرمة والله.

وكان لقمان بن عاديا الذي عمّر عمر سبعة أنسر، مبتلى بالنساء، وكان يتزوج المراة فتخونه، فتزوج غير امرأَة، حتى تزوج جارية صغيرة لم تعرف الرجال، ثم نقر لها بيتا في صفح جبل، وجعل له درجة سلاسل ينزل بها ويصعد، فأذا خرج رفعت السلاسل حتى يرجع، فتعرض لها فتى من العماليق، فوقعت في نفسه، فأتى بني أبيه فقال: والله لاجنين عليكم حربا لا تقومون بها، قالوا: وما ذاك؟ قال: امرأَة لقمان هي احب الناس الي، قالوا: فكيف نحتال لها؟ قال: اجمعوا سيوفا ثم اجعلوني بينها، وشدوها حزمة عظيمة، ثم ائتوا لقمان فقولوا: انا اردنا ان نسافر، ونحن نستودعك سوفنا هذه حتى نرجع، وسموا له يوما. ففعلوا، واقبلوا بالسيوف فدفعوها إلى لقمان، فوضعها في ناحية بيته وخرج لقمان، وتحرك الرجل، فحلت الجارية عنه، فكان

يأتيها، فأذا احست بلقمان جعلته بين السيوف، حتى انقضت الايام، ثم استرجعوا سيوفهم، فرفع لقمان رأسه بعد ذلك، فأذا نخامة تنوس في سقف البيت، فقال لامراته: من نخم هذه؟ قالت: انا، قال: فتنخمي، ففعلت، فلم تصنع شيئا. فقال: يا ويلتاه، السيوف دهتني، ثم رمى بها من ذروة الجبل، فتقطعت قطعا، وانحدر مغضبا، فأذا ابة له يقال لها صحر، قالت يا ابتاه ما شأنك؟ فقال: وأَنتِ أَيضا من النِّساءِ، فضرب رأسها بصخرة فقتلها. فقال العرب: ما أَذنبت الا ذنب صُحْر، فصارت مثلا.

وعن عبد الله بن عميرنقال: كانت الاعاجم قد بلغهم ان العرب سيظهرون على بلادهم، ويستعبدون ابناءهم، وكان سابور ذو الاكتاف لا يسمع بغرة لاحد من العرب الا غار عليهم، فسمع بغرة لبني تميم فحذروا، فقال لهم عمرو بن تميم - وهو يومئذ شيخ قد اتت عليه خمسمئة سنة، وقد تناسل اولاد اولاده فصاروا قبائل -: اذهبوا ودعوني، فقد

حضر اجلي، فلعلي اصرف هذا عنكم، او يقتلني فأستريح، فجعل في مكتل، وعلق بشجرة ينزل تحتها سابور، وأقبل سابور فوجدهم قد نذروا، فنظر إلى المكتل، فأمر به فأنزل، فأذا هو بشيخ كبير، فقال له: من انت؟ وقال لترجمانه: سله من هو، وما احواله. فقال له الترجمان: من انت؟ قال: انا من العرب قال: ومن أي العرب؟ قال: انا ابن تميم بن مر فقال سابور: اياك أطلب وقومك خاصة قال له عمرو: علينغا ايها الملك، مالك ولقومي تقتلهم؟ قال: بلغني انكم الذين تظهرون علينا وتقهروننا على بلادنا.

فقال له عمرو: أبحق تستيقنه ام بظن تظنه؟، فو الله لئن كان باطلا ما ينبغي ان تقتل قوما براء في غير ذنب، وان كان حقا عندك، ثم قتلت العرب كلهم لأبقى الله منهم رجلا يفعل ذلك بك وبأهل بلدك، فأحسن الينا نحسن اليك، واحسن السيرة فينا نحسن السيرة فيك.

فقال سابور: لأن أكون سمعت هذا الكلام قبل اليوم احب الي من ان اعطي ملء الارض ذهبا وفضة، فخلى سبيله وكف

عن قتلهم بعد ذلك. فبهذا قال العنبري يمن على بني تميم:

رددنا جمع سابور وانتمبمهواة متالفها كثير

وعن عُبَيْدة، قال: وقفت امرأَة من الخوارج على الحسن، فقالت: ياابا سعيد:

الموت باب لدار انت داخلهافانظر لنفسك بعد الباب ما الدار

فقال الحسن: الدار جنة عدن ان عملت بما يرضى الاله وان قصرت فالنار ثم دخل بيته فلم يزل وقيذا اياما.

وعن أبي عُبَيْدة، قال: كان ابو العطاف التميمي باع حجة كان حجها من رجل من بني دارم لرجل من اهل الكوفة بخمسين درهما، وقال:

لئن طلب الكوفي اجرا بحجتيلقد زادت الكوفي من ربه بعدا
شرى حجة لا يقبل الله بيعهالشر عباد الله كلهم عبدا
فميعاد يوم القيامة نلتقيجميعا فلا يلقى وفاء ولا حمدا
وميعاده يوم القيامة نلتقيجميعا فلا يلقى وفاء ولا حمدا
وميعاده باب الجحيم فأنهله موعد والله ينجز الوعدا

وعن الأَصمعي، قال: قدم حسان بن ثابت على جبلة بن الايهم الغساني، فمرض عنده، فعاده جبلة، وقال: ما تشتهي يا أبا الوليد؟ فقال: ما لايوجد ببلدكم، رطبات مختلفات من رطب ابن طاب، قال: والله ما نقدر على هذا، ثم قال: يا أبا الوليد اني والله شعفت بالخمر، فاذممها لي. قال حسان في ذلك:

لولا ثلاث هن في الكأس لم يكنلها ثمن من شارب حين يشرب
لها نزف مثل الجنون ومصرعدنى، وأن العقل ينأى فيعزب

فقال: أفسدتها على، فحسنها إلى فقال:

لولا ثلاث هن في الكأس أصبحتمن أكسد مال يستفاد ويطلب
أمانيها والنفس تظهر طيبهاعلى همها والحزن يسلى فيذهب

فقال: لاجرم، والله لاتركتها

النص من طبعة المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بالكويت (١٤٠١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «تعليق من أمالي ابن دريد»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.