من «تعليق من أمالي ابن دريد» لابن دريد (ت ٣٢١هـ)
ومن الجزء السادس
ابن دريد، عن أبي عثمان، ان المهلب بن أبي صفرة اوصى عبد الملك ابنه فقال: اياك والسرعة عند المسألة بنعم، فأن اولها سهل في مخرجها، واخرها ثقيل في فعلها، واعلم ان لا وان قبحت فربما روحت، وان سئلت امرا فقدرت عليه فأجب، وان عرفت ان لا سبيل اليه فاعتذر منه، فأنه من لم يغد معتذرا فقد ظلم.
وعن أبي عُبَيْدة، قالَ: كان عمر بن الخطاب ﵀ يقول: كفى بك عيبا ان يبدو لك من اخيك ما يغني عليك من نفسك فتؤذي جليسك بما تأتي مثله.
وعن أبي عُبَيْدة، قالَ: قالَ رجل لعمرو بن عبيد: ان الاسواري ما زال يذكرك في قصصه، ويقول: عمرو بن عبيد الضال المبتدع. فقال له عمرو: يا هذا ما رعيت حق مجالسة الرجل، حيث نقلت الينا حديثه، ولا اديت حقي حين ابلغتني عن اخي، اعلمه ان الموت يعمنا، والبعث يحشرنا، والقيامة تضمنا، والله يحكم بيننا، وهو خير الحاكمين.
وعن الأَصمعي، قالَ: وقف اعرأبي على قوم يغتابون رجلا من اخوانه فقال لهم: ابئوا عن عيب من لو كان حاضرا اسرعتم إلى مدحه، فرب مغتاب لغيره بما هو فيه، ومادح لسواه بما لا يعرف به.
وعن الأَصمعي، قالَ: سمعت شيخا من بني عمرو بن كلاب يقول: خرج عبد الله بن جعفر يريد فأجاءه المطر إلى أبيات، فأذا فيها قبة حمراء بفنائها رجل ينادي الدار الدار، فأنخنا وخلنا القبة، وحط عن رحالنا، ثم اتى بجزور فعقرها، فبتنا في شواء وقدير، وتحدث معنا من الليل هنيهة، فلمّا اصبح وقف على القبة وسلم وسألنا عن مبيتنا، وانصرف واتى بجزور فعقرها، فقلنا: يرحمك الله ما تريد إلى هذا. فقال: انا لا نطعم اضيافنا غابا. قالَ عبد الله: فدعوت بثوب فجعلت فيه زعفرانا، وصررت فيه مائة دينار، وبعثت بها إلى اهله، فقالوا: انا لا نقدر على اخذها الا باذنه، فسألته ان يقبلها، فأبى. فلمّا ارتحلنا عنه ودعته، وانثنيت، فألقيت الثوب بين البيوت. وانا لنسير اذ لحقنا على فرسه، مشرعا رمحه، قد احمرت عيناه، والموت بين يديه. فصاح بنا: اغنوا عنى هذا ونبذه الينا وهو يقول:
واذا اخذت ثواب ما اعطيتهفكفى بذاك لنائل تكديرا
وعن أبي عُبَيْدة، قالَ: خرج الوليد بن عقبة ابن أبي معيط إلى مروان بالمدينة، واخبره بدين ركبه، فأمر له بعشرة الاف درهم، قالَ: واين تقع مني هذه؟ ولم يقبلها. ثم اتى المغيرة بن شعبة، فساله بمثل ما سأل مروان، فأعطاه عشرة الاف، فلم يقبلها. وانحدر إلى ابن عامر بالبصرة فأخبره خبره، فقال: وكم دينك؟ قالَ: اربع مئة الف. فقال: هي لك وصلة مئة الف. فأنشأ يقول:
الا جعل الله المغيرة وابنهومروان نعلي بذلة لابن عامر
كفى الله ما ضيعتما بابن عامرهو الجابر الهلكي فيا خير جابر
يفيض الفرات للذين يلونهوسيبك مبذول لباد وحاضر
فقال له ابن عامر: ما اعطيتنا خير مما اعطيناك، لان ذاك يذهب، وهذا يبقى.
وعن أبي عُبَيْدة، قالَ: كان ابو الاسود الدؤلي قد اتخذ دكانا على بابه قدر مجلسه وموضع طبق يضعه بين يديه، ويأكل منه، فأذا مر به مار سلم عليه، وعرض عليه طعامه، فينظر فلا يرى لنفسه موضعا، فيدعو له وينصرف. فمر به اعرأبي وهو يأكل، فدعاه فأجابه، واقبل يأكل معه وهو قائم، فلمّا اشتد عليه القيام اخذ الطبق فوضعه في الارض، وقال له: ان كانت لك في الطعام حاجة فانزل فكل، واقبل الاعرأبي يأكل وابو الاسود ينظر اليه، ويتغيظ، فقال له: ما اسمك يا اعرأبي؟ قالَ: لقمان. قالَ: لقد اصاب اسمك اهلك، ثم انشأ ابو الاسود يقول:
انظر إلى جلسته وهطه
ولقمه مبادرا وغطه
ولفه رقاقه ببطه
كأن جالينوس تحت ابطه
عن ابراهيم بن خالد بن مخرمة، قالَ: كنت يوما عند مسلمة بن عبد الملك، وقد زاره عبد الله بن عمر بن عبد العزيز، وكان مصافيا له، فاستؤذن لرجل من اهل الحيرة على مسلمة، فقيل: بالباب شيخ فزع اليك في مظلمة، وهو جار ضضيعتك بمكان كذا وكذا، فأذن له، فدخل، فأذا رجل طويل القامة، ضخم اللحية، جهم الوجه، قد اخذ عارضاه بين منكبيه، وبلغ عثنونه سرته، وعليه ممطر محشو، فيه حشو ثلاثة مماطر في يوم صائف. فو الله ما هو الا ان طلع فمشى، وتفرج، وخطر بيديه، فرأيت مسلمة يلاحظه ويعاتب نفسه، فسلم وذكر حاجته بنهر وضجيج، ولغط وتخليط. فقال له مسلمة: اجلس، فجلس، فقال له: ما كنيتك؟ قالَ ابو العجيس، قالَ: ما اسمك؟ قالَ: صهاب بن حمال، وابدى يسراه فاذا فص خاتمه مثل الابهام، وعليه اسطار. فلمّا رآه مسلمة لم يصبر، فقال: ارى فصك ضخما، وارى سطورا فما فيه؟ فوالله ما حفظ اسمه حتى دفعه الي، فأذا فيه صهاب ابو العجيس، يؤمن بالواحد الاحد الصمد، وبالنبي الامي محمد، ويسأل الله حياة سعادة، وموت شهادة، على كل شئ قدير فما استتم
القراءة حتى ضحك عبد الله، واضحكني ما رأيت، وتبسم مسلمة، ثم قالَ لحاجبه: اقض حاجته، واحسن ضيافته، فلمّا توارى قالَ مسلمة:
ما بعد كنيته وعظم لحيتهونقش خاتمه شك لمعتبر
وعن عبد الرحمن، قالَ: سمعت عمي يقول: التهنئة على آجل الثواب اولى من التعزية على عاجل المصيبة وعن الأَصمعي، قالَ: دخل رجل من العرب على رجل يعزيه، فأَنشَدَه أبيات عمران بن حطان:
كيف اعزيك والاحداث مقبلةفيها لكل امرئ من غيره شغل
وعن الاصصمعي، قالَ: قالَ بعض العرب: لا اعرف ضرا اوصل إلى نياط القلب من الحاجة إلى من لا تثق باشفاقه، ولا تأمن رده، واكلم المصائب فقد خليل لا عوض منه.
وعن أبي نجيح، قالَ: قالَ عمر بن الخطاب - رحمة الله عليه -: اني احب للرجل ان يكون في اهله كالصبي، فأذا احتيج اليه كان رجلا.
وعن الأَصمعي، قالَ: بلغني انه قيل لأبي مسلم: ما اعظم ما نلت في دولتك؟ قالَ: القدرة على مكافأة الاخوان، وجزاء من كانت له عندي نعمة.
وعن الأَصمعي، قالَ: بلغني عن رجل من العرب انه كان يقول: خالطت الناس منذ خمسين سنة، فما وجدت رجلا غفر لي فيها زلة، ولا اقالني عثرة، ولا ستر على عورة، ولا امنته اذا غضب.
وقال اخر: خالطت الناس منذ سبعين سنة، فما وجدت الا رجلا يركب هواه، حتى لو اخطأ لاحب ان يخطئ الناس معه، ولان يضرب ظهري بالسياط احب الي من ان يخطئ رجل مسلم.
وأَنشَدَ الأَصمعي لاسماء بن خارجة:
اذا طارقات الهم ضاجعت الفتىواعمل فيه الفكر والليل عاكر
وباكرني اذ لم يجد ملجأ لهسواي ولا من شدة الدهر ناصر
رأيت له فضلا على لظنهبي الخير اني للذي ظن شاكر
وأَنشَدَ ابو عُبَيْدة:
اقول وذاك من جزع ووجدازال الله ملك بني زياد
وابعدهم بما غدروا وخانواكما بعدت ثمود وقوم عاد
ولا رجعت ركابهم الينااذا قفلوا إلى يوم التناد
وأَنشَدَ الأَصمعي لأبي عطاء السندي:
فما سألتك الا قلت تخدعنيولا استعنتك الا قلت مشغول
اجل شغلت ولو اعطيت من سعةحتى يواري لحيي رأسك الحول
وأَنشَدَ الأَصمعي لأبي الاسود، وقال مرة: هي لابن قيس الرقيات:
الزم وان بعد الطريق عليك ما فيه السلامة
ودع التخارص انهامر عواقبه ندامة
لا تركبن من الامور الملحقات بك الملامة
وعن العتبي، قالَ: قالَ يحيى بن الحكم بن أبي العاص لعبد الملك بن مروان: أي الرجال افضل؟ قالَ: من تواضع عن رفعةٍ، وزهدَ عن قُدرةٍ، وترك النصرة عن قوة.
عن ابن سلام، قالَ: بينما عمر بن الخطاب ذات يوم يمشي وبين يديه رجل يخطر ويقول: انا ابن بطحاء مكة كلها فلداتها، فوقف عليه عمر بن الخطاب فقال: انْ يكن لك دين فلك كرم، وان يكن لك عقل فلك مرؤة، وان يكن لك مال فلك شرف، والا فأنت والحمار سواء.
وعن مجالد، قالَ: قيل للشعبي: انا لنستحي مما تسأل فتقول لا ادري، فقال: لكن ملائكة الله المقربون لم يستحوا حيث سئلوا عما لا يعلمون، فقالوا: (لا عِلْم لَنَا اِلاَّ ما عَلَّمْتَنا انَّك أَنْتَ العَلِيمُ الحَكِيم).
وعن العباس بن هشام، عن أبيه، قالَ: استعار الاشعث بن قيس من عدي بن حاتم قدورا، فبعث اليه بتسعين قدرا قد ملأها لحما يحملها الرجال. فأرسل اليه الاشعث: انما اردناها فارغة، فأرسل اليه عدي: انا لا نعيرها فارغة.
وعن العباس، عن أبيه، قالَ: ارسل معاوية بن خديج السلولي إلى الاشعث بن قيس بخمسمئة فرس مصنفة، وكتب اليه ببيعها، فقسمها الاشعث في قومه، وكتب اليه: عهدتني نخاسا؟ وبعث اليه بأثمانها.
وعن العباس، عن أبيه، قالَ: كان لرجلٍ على الأشعث بن قيس حق، فأتاه يتقاضاه، فقال له: صل معي الغداة في المسجد، فصلى معه، فقال الأشعث: لا يخرجن أحد من المسجد، ودخل إلى منزله، فيعث إلى كل رجلٍ بحلة ونعلين، وبعث إلى الرجل بحقه، وانصرف بالحلة والنعلين وحقه.
وأَنشَدَ الأَصمعي، قالَ: أَنشَدَني رجل من بني تميم:
كم من أخ لك لست تنكرهما دمت من دنياك في يسر
متصنع لك في مودتهيلقاك بالترحيب، والبشر
يطرى الوفاء وذا الوفاء ويلحي الغدر مجتهداً وذا الغدر
فإذا عدا والدهر ذو غيردهر عليك عدا مع الدهر
فارفض بإجمال مودة منيقلي المقل ويعشق المثرى
وعليك من حالاه واحدةفي العسر إما كنت واليسر
لا تخلطنهم بغيرهممن يخلط العقيان بالصفر؟
وعن أبي عُبَيْدة، قالَ: بلغني أن رجلاً من قيس، ثم من بني هلال، كان قد جعل على نفسه ألا يأتي سلطاناً، فجاءه مولى له، فشكا إليه أمراً ناله، فلم يجد بدا من أن يصير إلى السلطان، فقال:
وإما تريني اليوم يا بنت مالكأحيد عن السلطان أو أتجنب
فقد علمت أفناء قومي أننيلدى الملك الجبار بالخصم مشغب
وإني على الاعداء سم وإننياجيب إذا المولى اعتزى أين يذهب
وأصرف نفسي في الاهاويل دونهويعلم أني غاضب حين يغضب
قالَ أبو بكر: غاضب لغة فصيحة.
وعن الأَصمعي، عن رجل من قريش قالَ: علي بن عبد الله بن العباس:
وزهدني في كل شيٍ صنعتهإلى الناس ما جربت من قلة الشكر
وأَنشَدَني عبد الرحمن:
من عذيري من قائل إخوانيكلهم في مقالة غيروان
فضحوني بزعمهم قلت كفوالا أرى شانكم يلائم شاني
لا أبيع الجزيل من عرض مثلىبخسيس من ناقص الأثمان
ماء وجهي يرد غرب لسانيدون قد أردتم من بيان
ذهب المبتدون بالاحسانوالمكافون بأبتذال اللسان
إن ذل السؤال يانفه الحروإن عضه مضيض الزمان
وأَنشَدَ الأَصمعي، قالَ: أَنشَدَنا اعرأبي من بني تميم، ثم من بني حنظلة:
من تصدى لأخيهبالغنى فهو أخوه
فإن اظطر إليهراء منه ما يسره
يكرم المثرى وإناملق اقصاه بنوه
لو راى الناس نبياًسائلاً ما وصلوه
وهم لو طمعوا فيزاد كلب أكلوه
لا تراني آخر الدهر بتسآل أفوه
إن من يسأل غير اله يكثر محرموه
والذي قام بأرزاق الورى طراً سلوه
وعن الناس بفضلالله فاغنوا واحمدوه
تلبسوا أثواب عزفأسمعوا مني وعوه
انت ما استغنيت عنصاحبك الدهر أخوه
فإذا احتجت إليهساعة مجك فوه
أفضل المعروف ما لمتبتذل مجك فوه
وأَنشَدَ الأَصمعي، قالَ: أَنشَدَني رجل من أهل البصرة:
فمالك يوم الحشر شئ سوى الذيتزودته قبل الحساب إلى الحشر
اذا أنت لم تزرع وأبصرت حاصداًندمت على التضييع في زمن البذر
وعن الهيثم، قالَ: كتب مالك بن اسماء بن خارجة إلى الهيثم بن الاسود النخعي يتشكر له قيامه بأمر رجل من آل حذيفة بن بدر عند الحجاج حتى خلصه منه: أما بعد، فأنه لمّا كلت الالسن عن بلوغ ما استحققت من الشكر، كان اعظم الحيل عندي في مكافأتك إخلاصك
صدق الضمير، وكما تعرف الزيادة في العلى إذ جريت غاية طولك، جهلنا غاية الثناء عليك، فليس لك من الناس غلا ما ألهمو من محبتك، فأنت كما وصف الواصف إذ يقول:
فما تعرف الأوهام غاية مدحهيقيناً كماليست بغايته تدري
وعن محمد بن سلام، قالَ: قالَ سلمّان الفارسي: اطلبوا العلم تستغنوا به في الناس عن علمّاء السوء، ولا تشهروا انفسكم فتهلكوا، فإنه لم يعص الله بشئ بعد الكفر شر ولا أضر على العبد من طلب الرئاسة في الدنيا بالدين. واعلموا أن الابقاء على العمل حتى يخلص لله ﷿ أشد من العمل.
وعن الأَصمعي، قالَ: سمع يونس بن حبيب رجلاً ينشد:
استودع العلم قرطاساً فضيعهوبئس مستودع العلم القراطيس
فقال: قاتله الله، ما اشد صبابته بالعلم، وصيانته للحفظ، ان علمك من روحك، ومالك من بدنك، فصن علمك صيانتك روحك، ومالك صيانتك بدنك.
قالَ ابو حاتم: سمعت الأَصمعي كثيرا ما يقول: من قعد به نسبه نهض به ادبه.
وعن سفيان، قالَ: دخل علي جعفر بن محمد بن علي بن الحسين رضوان الله عليهم، فقال لي: يا سفيان، علمت اني نظرت في المعروف فوجدته لا يتم الا بثلاث. قلت: وماهن اصلك الله؟ قالَ: تعجيله، وستره، وتصغيره، فانك اذا عجلته هنأته، واذا سترته عممته، واذا صغرته عظمته، واذا مطلته وارخته وسوفته كدرته ونغصته وافسدته. ثم تمثل:
يرب معروفه ويحفظهوانما العرف بالربابات
فقلت: هذه العنيمة على غير زاد ولا راحلة، ولا تعب جارحة.
أَنشَدَنا عبد الرحمن، ولم يذكر احدا:
غضبت لتستعتب الحادثاتوان الحوادث لا تعتب
ستعطى وتسلب حتى تكون نفسك اخر ما تسلب
أَنشَدَنا عبد الرحمن، عن عمه لاعرأبية مات ابنها:
قل للمنايا اذ فجعن بهما بعد من افقدت مفتقد
لا عاش بعد معجل احدلا والد ولا ولد
فاليوم ليس لحادث جزععندي ولا للمفرحات يد
اخبرنا عبد الرحمن عن عمه، قالَ: اخبرني رجل من قريش قالَ: قالَ بعض الحكماء: اطلب الرزق من حيث كفل لك به، ولا تطلبه من طالب مثلك، لا ضمان عليه لك، ان وعدك اخلفك، وان ضمن لك خاس بك.
عن أبي حاتم، عن الأَصمعي، عن يونس، عن أبي عمرو بن العلاء، قالَ: قدم اعرأبي المدينة فصلى الجمعة، فسمع الخطبة فأعجبه ما سمع، فلمّا صلى نظر إلى قوم يدخلون إلى دار عامل المدينة، فدخل معهم، فأتى بالطعام، فرأى الوانا لم تشبه ما تكلم به الخطيب، فقال:
لقد رابني من اهل يثرب انهميهمهم تقويمنا وهم عصل
العصل: اعوجاج الباب، ويقال للرجل المعوج الساق اعصل.
وذموا لنا الدنيا وهم يرضعونهاافاويق حتى ما يدر لها ثعل
الثعل: حلمة الثدي
اذا ركبوا الاعواد قالوا فأحسنواولكن حسن القول يفسده الفعل
قالَ الأَصمعي: قدم اعرأبي البصرة ومعه بنات له حسان، فذكر اهل البصرة حسنهن، فجاء شاب فجلس فنظر إلى بعضهن ونظرت اليه، ففطن ابوها، فقام اليها بعمود - وكان في يده - يضربها، فدخلت البيت، وانشأت تقول:
أيعذر صأبيهم واضرب في الصباوما نحن والفتيان الا شقائق
أَنشَدَنا ابو حاتم، ولم يذكر قائلا:
لعمرك ما المعروف في غير اهلهوفي اهله الا كبعض الودائع
فمستودع ضاع الذي كان عندهومستودع ما عنده غير ضائع
وما الناس في شكر الصنائع بينهموفي كفرها الا بعض المزارع
فمزرعة طابت فأضعفها نبتهاومزرعة اكدت على كل زارع
قالَ ابو حاتم: وزادني فيها رجل من اهل الكوفة:
اعاتب اقوامي وابقى عليهمولست لهم عند العتاب بقاطع
واغفر من قومي لمن زل زلةاذا ما اتاها مكرها غير طائع
أَنشَدَنا ابو حاتم، قالَ: أَنشَدَني ابو عُبَيْدة لعمران بن حطان، قالَ ابو عُبَيْدة: وكان صفريا وكان يكتم ذلك:
انكرت بعدك من قد كنت اعرفهما الناس بعدك يا مرداس بالناس
اما تكن ذقت كأسا دار اولهاعلى القرون فذاقوا نهلة الكاس
وكل من لم يذقها شارب عجلمنها بأنفاس ورد بعد انفاس
قد كنت ابكيك حينا ثم قد يئستنفسي فما رد عني عبرتي ياسي
الأَصمعي عن أبي عمرو بن العلاء، قالَ: كان عمر بن عبد العزيز كثيرا ما يتمثل:
اذا انت حاولت البراءة فاجتنبحرى كل امر تعتريه المعاذر
قالَ ابو مسلم لبعض اصحابه: اذا عرض لك امر، فنازعك فيه من نفسك منازعان، فبعثك احدهما على الاقدام، والاخر على الكف، فأقدم، فأنه أنفى للعار وان قتلك.
قالَ ابو عُبَيْدة: كتب عبد الملك إلى الحجاج ان ابغني رجلا جامعا للعلم والفقه، عاقلا لبيبا، فاضلا في اخلاقه ومرؤته، يكون مع ولدي. فلمّا اتاه الكتاب بعث اليه بعامر الشعبي، فقدم عليه رجل الغالب عليه الفقه والورع، فكأن عبد الملك لم ينشط له، فكان يختلف اليه فيسلم ثم يجلس لا يسأل عن شئ، ولا يخبر به، حتى دخل الوليد يوما على أبيه، فجلس اليه، ودخل عامر، فلمّا نظر اليه قالَ: من هذا يا امير المؤمنين؟ قالَ: هذا الوليد بن عبد الملك. قالَ الشعبي: يا امير المؤمنين، هذا كما قالَ النابغة يوم ملك النعمان بن الحارث. قالَ: وما قالَ؟ فأَنشَدَه:
هذا غلام حسن وجههمستقبل الخير سريع التمام
للحارث الاكبر والحارث الأصغر والاعرج خير الانام
ثم لهند ولهند وقداسرع في الخيرات منه امام
ستة املاك هم ما همهم خير من يشرب صوب الغمام
فانبسط عبد الملك بعد ذلك اليه، وامره بحضور اولاده.
قالَ: لمّا مات النبي ﷺ ودفن رجعت فاطمة رضوان الله عليها إلى بيتها، واجتمع اليها نساؤها فقالت: انا لله وانا اليه راجعون انقطع خبر السماء، ثم قالت:
اغبر افاق السماء وكورتشمس النهار واظلم العصران
فالارض من بعد النبي حزينةاسفا عليه كثيرة الرجفان
فليبكه شرق البلاد وغربهاولتبكه مضر وكل يمان
وليبكه الطور المبارك جوهوالبيت ذو الاستار والاركان
نفسي فداؤك ما لرأسك مائلاما وسدوك وسادة الوسنان
وعن العباس بن هشام، قالَ: عزى رجل المنذر ابن المنذر، ابا النعمان بن المنذر، فقال: اعلم ان خيرا من الخير معطيه، وشرا من الشر فاعله، ونحن اعوان الحتوف على انفسنا، وانفسنا تسوقنا إلى الفناء. ثم قالَ: اني نرجو البقاء وهذا الليل والنهار لم يرفعا من شئ شرفا الا اسرعا الكرة في هدم ما رفعنا، وتفريق ما جعما، فاطلب الخير تكن من اهله، واعتصم بالصبر من عوارض الجزع، فلو ان جزعا على رزية وقى حلول نائبة، اورد فئتا، لتنافس فيه العاقل، واعتصم به الخائف، ولكنه الصبر طوعا او كرها.
عن أبي عُبَيْدة، قالَ: دخل حماد عجرد على أبي عمرو بن العلاء، وعلى رأس أبي عمرو جارية، يقال لها: منيعة في يوم صائف، وهي رسحاء فتخاء وكان لها ظرف، فأقبلت تعجرد فنهاها ابو عمرو، فعاودت، فأَنشَدَت فأنشأ حماد يقول:
لو تأتي لك التحول حتىتجعلي خلفك اللطيف اماما
في كون الذي تقدم في الخلقة خلقا مؤخرا لاستقاما
لاذا كنت يا منيعة خير الناس خلفا وخيرهم قداما
فقال لها عمرو: نهيتك عن العبث به.
عن أبي عُبَيْدة، قالَ: قالَ الحجاج لوازع بن ذؤالة الكلبي، كيف قتلت همام بن قبيصة النميري؟ قالَ: مر بي والناس منهزمون، لو شاء ان يذهب لذهب، فلمّا رآني قصدني، فضربته وضربني وسقط فحاول القيام فلم يقدر، فقال وهو في الموت:
تعست ابن ذات النوف اجهز على امرئيرى الموت خيرا من فرار وأكراما
ولا تتركني كالحشاشة اننيصبورا اذا ما النكس مثلك احجما
فدنوت منه فقال: اجهز عليّ قبحك الله، فقد كنت احب ان يلي هذا مني من هو اربط جأشا منك، فاحتززت رأسه فأتيت به مروان بن الحكم.
وعن أبي عُبَيْدة، عن رجل من بني تميم، قالَ: جاء رجل من كلب يوم المرج برأس زياد بن عمرو العقيلي إلى مروان بن الحكم، فقال له مروان: من قتل هذا؟ فقال: انا. فقال مروان: كذبت. قالَ: المكذب اكذب، قالَ: انا والله قتلته، مر بي وهو تعدو به فرسه، وهو يقول:
قد طاب ورد الموت مروان فرد
لا تحسبن العيش ادنى للرشد
لا خير في طول الحياة في كمد
فطعنته فسقط، فنزلت اليه وهو مثبت، وهو يقول:
بعد سحقا لامرئ عاش فيذل وفي كفيه عضب صقيل
قالَ: دخل ابو الاسود الدؤلي على معاوية، فقال له: اصبحت جميلا يا ابا الاسود، لو علقت تميمة تدفع عنك العين.
فقال ابو الاسود:
افنى الشباب الذي فارقت جدتهمر الجديدين من آت ومنطلق
لم يتركا لي في طول اختلافهماشيئا تخاف عليه لدغة الحدق
قالَ الأَصمعي: مر اعرأبي بامرأَة كان يهواها، وهي تسكت صبيا، وتقبله، فأنشأ يقول:
يا ليتني كنت غلاما مرضعاتحملني الذلفاء حولا اجمعا
اذا بكيت قبلتني اربعااذا بكيت الدهر كلا اكتعا
وعن الأَصمعي، قالَ: ذكر ابو البيداء ان عبد الملك بن مروان وقف جارية للشعراء - وعنده جماعة منهم - فقال: من اجاز هذا البيت فهي له، ثم أَنشَدَتهم:
بكى كل ذي شوق شآم وتبعهيمان، فأنى يلتقي الشجنان؟
فقال جرير: ادني يا جارية، فقال:
يغور الذي بنجد، او ينجد الذيبغور تهامات فيلتقيان
فقال عبد الملك: خذ بيدها، ثم اقبل عبد الملك على جرير فقال: اتعرف هذا؟ يعني الاخطل.
فقال الاخطل: الا تعرفني وانا الذي اطلت شتمك، وارقت نومك، واهتضمت قومك؟ فقال جرير: ذاك وأبيك اشقى لك، اما قولك: اطلت شتمك، فقد فعلت، فما كففت ولا انتصرت، واما قولك: ارقت نومك، فلو كنت نمت عن عشيرتك وعن عيبك كان خيرا. واما قولك: اهتضمت قومك، فكيف يهتضم قومي من ضربت عليه الذلة والمسكنة وباء بغضب من الله؟
وعن يونس، قالَ: عاتب رجل من بكر بن وائل مسمع بن مالك فقال:
ان لنا سيدا ترجى فواضلهيعطي الغني ولا يعطي من افتقرا
كذى الفصال يولي الدر اسمنهاويترك الاخر المهزول قد اضمرا
وعن الأَصمعي، قالَ: كان ابو عميس بخيلا، وكان اذا وقع بيده درهم نظره، ثم قالَ: كم من يد وقعت فيها، وبلد دخلته، فأسكن وقر عينا، فقد اطمأن بك المنزل، واستقرت بك الدار، ثم يصره في خرقة، ويلقيه في حرزه.
وعن الأَصمعي، قالَ: كان ابو عميس بخيلا، وكان اذا وقع بيده درهم نظره، ثم قالَ: كم من يد وقعت فيها، وبلد دخلته، فاسكن وقر عينا، فقد اطمأن بك المنزل، واستقرت بك الدار، ثم يصره في خرقة، ويلقيه في حرزه.
وعن الأَصمعي، قالَ: بلغني ان اعرأبيا جاء إلى الحسن، فقال: يا ابا سعيد علمني دينا وسوطا، لا ذاهبا فروطا، ولا ساقطا سقوطا: فقال. احسنت، لله ابوك عليك من الامور بأوساطها.
قالَ: ضرب بعض عمال المدينة ابن أبي عتيق في الخمر، فلقيه ابو قتادة بن ربعي، فقال له: يابن اخي، افي خليلة ضربوك؟ فقال: كلا يا عمي، بل:
صرف من الداروم او من بابلاو من بلاس يشمها المزكوم
راح ترد الروح بعد نفورهاوبها ينال شفاءه المحموم
قالَ: فما اراهم ظلموك.
ابو عُبَيْدة قالَ: قالَ ارطاة بن سهية المري:
رأيت المرء تأكله اللياليكأكل الارض ساقطة الحديد
وما تجد المنية حين تأتيعلى نفس ابن آدم من مزيد
واعلم انها ستكر حتىتوفي نذرها بأبي الوليد
النص من طبعة المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بالكويت (١٤٠١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع