من «موائد الحيس في فوائد القيس» لنجم الدين الطوفي (ت ٧١٦هـ)
البَابُ الثَّالِثُ في سَبَبِ اشْتِباهِ كلامِهِ بَعْضِهِ بِبعضٍ
وَلَهُ سَبَبَانِ:
أَحَدُهُما: اتِّحادُ مَوْضوعِ كلَامِهِ، أَعْنِي مَقْصودَهُ في شِعْرِهِ
والثَّانِي: تَفَنُّنهُ في البَيَانِ، وقُدْرَتُهُ على الكَلَامِ أَمَّا الأَوَّلُ: فَلِأَنَّ مَوْضُوعَ شِعْرِهِ الَّذي يَتَكَلَّمُ فيهِ هو رُكُوبُ الخَيْلِ لِلصَّيْدِ والحَرْبِ، ومُغازَلَةُ النِّساءِ ومُعَاشَرَتُهُنَّ، والافتِخارُ بِشَرَفِهِ ومُلْكِهِ، وجِدِّهِ واجْتِهادِهِ في تَحْصِيْلِهِ وحِفْظِهِ، وَيَتْبَعُ ذلكَ ما يَعْرِضُ لِلْمُنَافِرِ في أَغْرَاضِهِ مِنْ رُكُوبِ المَهَارِي، وقَطْعِ البَرَارِي، ومُعَانَاةِ الأَخْطَارِ، وخَوْضِ السُّيولِ والأَمْطارِ.
وأَما الثَّاني: فلِأَنَّ الرَّجُلَ كان فَصِيْحاً بَلِيْغَاً، تَأْبَى لَهُ بَلَاغَتُهُ أَنْ تكون ألفَاظُهُ بِعَيْنِها في كُلِّ قَصِيْدَةِ، بَلْ تَفَنَّنَ في بَلَاغَتِهِ، وتَجَلَّى عَرْضُهُ الواحِدُ في عِدَّةِ قَصَائِدَ، بِأَلْفَاظٍ مُتَغَايِرَةٍ مُتَشَابِهَةٍ، فَبِالوَاجِبِ وَقْعُ المُتَشَابِهِ في كَلَامِهِ، وهذا هو السَّبَبُ في تَشَابُهِ القرآنِ المُشَارِ إليه بقَوْلِهِ ﷿: ﴿الله نزل أحسن الحديث كتباً متشابهاً﴾؛ لِأَنَّ مَقَاصِدَ القُرآنِ عَلَى تَقْرِيرِ أُمورِ المَعَاشِ والمَعَادِ والإِيمانِ، والزَّجْرِ والتَّرْهِيْبِ بِقَصَصِ الأُمَمِ الخَالِيَةِ، وذِكْرِ الجَنَّةِ والنَّار وأَهْلِها،
فَلا جَرَمَ وَقْعُ التَّشَابُهِ فِيهِ عَلَى مَا لا يَخْفَى، وإِنْ شِئْتَ فاسْتَدِلَّ على صِحَّةِ طَرْدِ ما ذَكَرْنَاهُ بِعَكْسِهِ، وهو أَنَّ من لَا يَنْحَصِرُ مَقْصودُهُ مِنَ الشَّعَراءِ، بَلْ هُو مَدَّاحٌ هَجَّاءٌ، يَنْخَرِطُ في سِلْكِ الاتِّفاقِ، وتَحَدِّ الوِفاقِ، وصلَة لِلنِّفاقِ، كَيْفَ قَلَّ مُتَشَابهُ كَلَامِهِ، واللهُ ﷿ أَعْلَمُ بِالصَّوابِ.
النص من طبعة وزارة الأوقاف بالكويت (١٤٣٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع