من «موائد الحيس في فوائد القيس» لنجم الدين الطوفي (ت ٧١٦هـ)
البَابُ الثَّانِي في مُتَشابِهِ شِعْرِهِ بِشِعْرِ غَيْرِهِ مِنْ قَدِيمٍ وَمُحْدَثٍ، وَعَرَبِيٍّ وَمُولّدٍ، في الّفْظِ وَالْمَعْنَى، عَلى حَسَبِ طَاقَتِي فِي الإِملاءِ، وَقَد أُخِلُّ مِنْ ذلِكَ بِشَيْءٍ كَثِيرٍ
فَمِنْ ذلكَ قَوْلُهُ:
وقُوفاً بها صَحْبِي عَلَيَّ مَطِيَّهُمْيَقولونَ: لا تَهْلِكْ أَسًى وتَجَمَّلِ
هو كَقَولِ طَرَفَةَ:
وقُوفاً بها صَحْبِي عَلَيَّ مَطِيَّهُمْيَقولونَ: لا تَهْلِكْ أسًى وَتَجَلَّدِ
لَيْسَ بَيْنَهُما إِلَّا حَرْفانِ.
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
وإِنَّ شِفَائي عَبْرَةٌ مُهْراقَةٌفَهَلْ عِنْدَ رَسْمٍ دارِسٍ مِنْ مُعَوَّلِ؟ !
أَمَّا الشَّطْرُ الأَوَّلُ فَمْعَناهُ الاسْتِشْفَاءُ بالبُكاءِ مِنَ الحُزْنِ، وهو كَثِيْرٌ في كَلامِ النَّاسِ، وشَبِيْهٌ بهِ قَوْلُ أبي تَمَّامٍ:
فَلَعَلَ عَيْنَكَ أَنْ تَجُودَ بمائِهاوالدَّمْعُ مِنْهُ حاذِرٌ ومُوَاسِ
أَيْ: يُواسِيْكَ بِنَفْسِهِ حَتَّى تَسْتَشْفِيَ به.
وأَمَّا الشَّطْرُ الثاني، ففي مَعْنَاهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ:
وقَفْنَا فَقُلْنَا: إِيِهِ عَنْ أُمِّ سالِموما بَالُ تَكْلِيْمِ الدِّيارِ البَلاقِعِ
وهو أَيْضاً كَثِيْرٌ.
ومن ذلكَ قَوْلُهُ:
إذا قامَتَا تَضَوَّعَ المِسْكُ منهماالبيت
في مَعْنَاهُ قول الأَعْشَى:
إذا تَقومُ يَضوعُ المِسْكُ آوِنَةًوالمَنْدَلُ الرَّطبُ مِنْ أَرْدانِها شَمِلُ
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
أصاحِ ترَىَ برَقْاً أُريكَ وَمِيْضَهُكَلَمْعِ اليَدَيْنِ في حَبِيٍّ مُكَلَّلِ
هو شَبِيْهٌ بِقَوْلِ الأَعْشَى:
أَمْ هَلْ تَرَى عارِضاً قَدْ بِتُّ أَرْمُقُهُكَأَنَّما البَرْقُ في حافاتِهِ الشُّعَلُ
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
كَأَنَّ قُلُوبَ الطَّيْرِ رَطْباً ويابِسَاًلَدَى وَكْرِها العُنَّابُ والحَشَفُ البَالِي
هو في تَشْبِيهِ شَيْئَيْنِ بِشَيْئَيْنِ مَعَ اللَّفِ والنَّشْرِ والتَّرْتِيْبِ. شَبِيْهٌ بِهِ قَوْلُ بَشَّارٍ:
كَأَنَّ مُثَارَ النَّقعِ فَوْقَ رُؤُوسِناوأَسيَافَنَا لَيْلٌ تَهَاوَى كَوَاكِبُه
يُحْكى عَنْ بَشَّارٍ أَنَّه قَالَ: ما زِلْتُ اسْتَعْظِمُ بَيْتَ امرِئِ القَيْسِ، يَعْني هذا، حَتَّى قُلْتُ مِثْلَهُ، يَعْنِي بَيْتَهُ هذا.
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
وما المَرْءُ ما دامَتْ حُشَاشَةُ نَفْسِهِبِمُدْرِكِ أَطرافِ الخُطُوبِ ولا آلِ
هو كَقَوْلِ الآخَرِ:
تَموتُ مَعَ المرءِ حاجاتُهُوتَبْقى لَهُ حَاجَةٌ ما بَقِي
وقَوْلِهِ:
وحاجةُ مَنْ عاشَ لا تَنْقَضِي
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
مُتَوَسِّداً عَضْبَاً مضارِبُهُفي مَتْنِهِ كَمَدَبَّةِ النَّمْلِ
شَبِيْهٌ بهِ قَوْلُ ابنُ دُرَيْدٍ:
وصاحِبايَ صَارِمٌ في مَتْنِهِمِثْلَ مَدَبِّ النَّمْلِ يَعْلُو في الرُّبى
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
اللهُ أَنْجَحُ ما طَلَبْتُ بِهِوالبِرُّ خَيْرُ حَقِيْبَةِ الرَّحْلِ
شَطْرُهُ الأَوَّلُ شَبِيْهٌ بِقَوْلِهِ ﷿: ﴿فالله خير حافظاً﴾، وشَطْرُهُ الآخَرُ شَبِيْهٌ بهِ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
الخَيْرُ أَبْقَى وإنْ طَالَ الزَّمانُ بهِوالشَّرُّ أَخْبَثُ ما أَوْعَيْتَ مِنْ زادِ
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
ومِنَ الطَّرِيْقَةِ جائِرٌ وهدًىقَصْدُ السَّبِيْلِ وَمِنْهُ ذو دَخْلِ
هو شَبِيْهٌ بقولِهِ ﷿: ﴿وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر﴾، وهذا وَإِن لَمْ يَكُنْ مما عُقِدَ له البَابُ، لكن لا بَأْسَ مِنَ التَّنْبِيْهِ عَلَيْهِ.
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
إِنِّي لأَصْرِمُ مَنْ يُصارِمُنِيوأُجِدُّ وَصْلَ مَنِ ابْتَغَى وَصْلي
شَبِيْهٌ بِقَوْلِ البَحْرانِيِّ:
لا أَشربُ الماءَ ما لم يَصْفُ مورِدُهُولا أقولُ لِمُعْوَجِّ الوِصَالِ صِلِ
وقَوْلِ لَبِيْدٍ:
تَرَّاكُ أَمْكِنَةٍ إذا لم أَرْضَهاأو يَرْتَبِطْ بَعْضَ النُّفوسِ حِمامُها
وقَوْلِ ابنِ دُرَيْدٍ:
طَعْمِيَ شَرِيٌّ للْعَدوِّ تارةًوالأَرْيُ بالرَّاحِ لِمَن وُدِّي ابْتَغَى
وهو مُقْتَضَبٌ مِنْ قَوْلِ ابنِ أُخْتِ تَأَبَّطَ شراً يَرْثي خَالَهُ:
ولَهُ طَعْمانِ: أَرْيٌ وشَرْيٌوكلا الطَّعْمَيْنِ قَدْ ذاقَ كُلُّ
وهذا المَعْنَى كَثيرٌ مُسْتَطْرَفٌ.
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
وخَلَائِقِي ما قَدْ عَلِمْتِ ومانَبَحْتُ كِلابُكِ طارقاً مِثْلي
هو شَبِيْهٌ بِقَوْلِ عَنْتَرَةَ:
وإذا صَحَوْتُ فما أُقَصِّر عَنْ نَدىًوكَمَا عَلِمْتِ شَمَائِلِي وتَكَرُّمي
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
حَتَّى تَرَكْنَاهُم لَدَى مَعْرَكٍأَرْجُلُهُمْ كالخَشَبِ الشَّائِلِ
هو شَبِيْهٌ بِقَوْلِ المُرَقِّشْ يَصِفُ القَتْلَى:
وآخَرَ شَاصٍ تَرَى رِجْلَهُكَجِلْدِ القَتَادةِ غِبِّ المَطَرْ
أي: مرتفعاً مُتَجافِياً:
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
خَلَّتْ لِيَ الخَمْرُ وكُنْتُ امرءَاًعَنْ شُرْبِها في شُغُلٍ شاغِلِ
هو شَبِيْهٌ بِقَوْلِ ابنِ أُخْتِ تأَبَّط شَرّاً:
حَلَّتِ الخَمْرُ وكانَتْ حَرَاماوبِلْأيٍ ما أَلَمَّتْ تَحِلُّ
فاسْقِنِيْها يا سَوادَةَ بنَ عَمْرٍوإِنَّ جِسْمي بَعْدَ خالِي لَخَلُّ
ومَعْنَى ذلكَ أَنَّهم كانوا إذا كانَ لهم ثَأْرٌ، حَرَّموا الخَمْرَ على أَنْفُسِهم حَتَّى يُدْرِكُوه، وإِلى ذلكَ أَشَارَ الفَرَزدقُ بِقَوْلِهِ:
غَداةَ أَحَلَّتْ لابنِ أَصْرَمَ طَعْنَةٌعُمَيْرٍ عَبِيْطَاتِ السَّدائِفِ والخَمْرُ
وهو مِنَ المَقْلُوبِ إِعْراباً؛ لِأَنَّ الطَّعْنَةَ يَجِبُ رَفْعُها، ونَصْبُ العَبِيْطاتِ والخَمْرِ؛ لِأَنَّهما مَحَلَّانِ مَفْعولانِ، ولكِنَّ المَعْنَى مَفْهومٌ، فَقَلَبَ لِأَجْلِ القَافِيَةِ، ومِنَ المَقْلُوبِ قَوْلُ ........
الرَّاجِزِ:
ومَهْمَهٍ مُغْبَرَّةٍ أَرْجَاؤُهُكَأَنَّ لَوْنَ أَرضِهِ سَماؤُهُ
أيْ: كَأَنَّ لَونَ سَمَائِهِ أَرْضُهُ، وقَوْلِهِمْ: أَدْخَلْتُ الخَاتَمَ في
إِصْبَعِي، وإِصْبَعي في الخَاتَمِ، وعَرَضْتُ الحَوْضَ على النَّاقَةِ، والنَّاقَةَ على الحَوْضِ، وزَعَمَ بَعْضُهُم أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ ﷿: ﴿خلق الإنسان من عجل﴾ خُلِقَ العَجَلُ من الإِنْسانِ.
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
بَرَهْرَهَةٌ رَخْصَةٌ رُؤْدةٌكَخُرعُوبَة البَانَةِ المُنْفَطرْ
أَمَّا لَفْظُ «بَرَهْرَهة» ففي قَوْلِ الشَّاعِرِ:
بَرَهْرَهَةٌ يَصِرُّ الأَيْرُ فيهاصَرِيْرَ الخُفِّ ضَاقَ بِهَ الرِّكابا
أَمَّا لَفْظُ «خُرْعُوبَة» ففي قَوْلِ أَبِي الطَّيِّبِ:
بانوا بِخُرْعوبَةٍ لها كَفَلٌيَكادُ عِنْدَ القيامِ يُقْعِدُها
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
فَتورُ القِيامِ، قَطِيْعُ الكَلَامِ، تَفْتَرُّ عَنْ ذي غُروبٍ خَصِرْ
شَبِيْهٌ تَشْطِيْرُهُ الأَخِيْرُ بقَوْلِ الشَّاعِرِ:
يَفْتَرُّ عَنْ لُؤْلُؤٍ رَطْبٍ وعَنْ بَرَدِوعَنْ أَقَاحٍ وعَنْ طَلْعٍ وعَنْ حَبَبِ
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
مِنَ القاصِراتِ الطَّرْفِ لو دَبَّ مُحْوِلٌمِنَ الذَّرِّ فوقَ الإِتْبِ مِنْها لأَثَّرا
شَبِيْهٌ بِقَوْلِ حَسَّانِ بنِ ثَابِتٍ:
لَوْ يَدُبُّ الحَوْلِيُّ مِنْ وَلَدِ الذَذرِّ عَلَيْها لأَندَبَتْها الكُلُومُ
والمَعْنَى وَاحِدٌ. وَلَعَلَّ حَسَّانَ تَنَاوَلَهُ مِنِ امْرِئِ القَيْسِ.
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
تُطَايِرُ شُذَّانَ الحَصَى عَنْ مَنَاسِمٍصِلابِ العُجَى، مَلْثُومُها غَيْرُ أَمْعَرا
هو شَبِيْهٌ بِقَوْلِ الشَّتْفَرى:
إذا الأمعزُ الصُّوَّان لاقَى مَناسِميتَطَايَرَ مِنْهُ قادِحٌ ومُفَلَّلُ
غَيْرَ أَنَّ هذِهِ صِفَةُ إِنسَانٍ، والأَوَّلُ صِفَةُ نَاقَةٍ.
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
عليها فَتًى لم تَحْمِلِ الأَرْضُ مِثْلَهُأَبَرَّ بِمِيْثَاقٍ وَأَوْفَى وأَصْبَرا
يَعْنِي: ثِقَةً، هو شَبِيْهٌ بِقَوْلِ حَسَّانَ:
وما حَمَلَتْ من ناقَةٍ فَوْقَ ظَهْرِهاأَبَرَّ وأَوْفَى ذِمَّةً من مُحَمَّدِ
وهو أَصْدَقُ مِنِ امْرِئِ القَيْسِ في هذا.
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
ألا إنما ذا الدَّهْرُ يَوْمٌ ولَيْلَةٌوَلَيْسَ على شَيْءٍ قَوِيْمٍ بِمُسْتَمِرّ
شَطْرُهُ الأَوُّلُ شَبِيْهٌ بِقَوْلِ الهُذَلِيِّ:
هَلِ الدَّهْرُ إلَّا ليلةٌ ونَهَارُهاوإِلَّا طُلُوعُ الشَّمْسِ ثُمَّ غِيارُها
وشَطْرُهُ الثَّانِي شَبِيْهٌ بِقَوْلِ الشَّاعِرِ:
والدَّهْرُ بالنَّاسِ قُلَّبُ
وقَوْلِ الآخَرِ:
وما شَيْءٌ على الحَدَثانِ باقي
وشَبِيْهٌ به أَيْضاً قَوْلُ ابنِ الهَبَّارِيَّةِ:
لا غَرْوَ إِنْ مَلَكَ ابنُ إسحاقٍ وساعَدَهُ القَدَرْ
فالدَّهْرُ كالدُّولابِ لَيْسَ يَدُورُ إلا بالبَقَرْ
إذ دَوَرَانُه انتِقالٌ مِنْ حَالٍ إلى حَالٍ، وعَدَمُ استِقْرارِهِ واستِمْرارِهِ.
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
إذا ذُقْتُ فَاهَا قُلْتُ: طَعْمَ مُدَامَةٍمُعَتَّقَةٍ مما يجيءُ بِهِ التُّجُرْ
هو شَبِيْهٌ بِقَوْلِ عَنْتَرَةَ:
وكَأَنَّ فَأَرَةَ تاجِرٍ بِقَسِيْمَةٍسَبَقَتْ عَوَارِضَها إليكَ مِنَ الفَمِ
ومِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
لَكِنْ عُوَيْرٌ وَفَى بِذِمَّتِهِلا عَوَرٌ عَابَهُ ولا قِصَرْ
هو شَبِيْهٌ بِقَوْلِ الشَّاعِرِ:
أمَّا ابنُ طَوْقٍ فقد أَوْفَى بِذِمَّتِهِكَمَا وَفَى بِقِلاصِ النَّجْمِ حادِيْهَا
ومن ذلك قَوْلُهُ:
لَنِعْمَ الفَتى تَعْشُو إلى ضَوْءِ نارِهِطَرِيْفُ بنُ مَلٍّ لَيْلَةَ القَرّ والخَصَرْ
هو شَبِيْهٌ بِقَوْلِ الحُطَيْئَةِ:
مَتَى تأتِهِ تَعْشو إلى ضَوْءِ نارِهِتَجِدْ خَيْرَ نارٍ عِنْدَها خَيْرُ مُوقِدِ
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
ألم تَرَ أَنِّي كُلَّما جِئْتُ طارِقاًوَجَدْتُ بها طِيْباً وإِنْ لم تَطَيَّبِ
وشَبِيْهٌ بِهِ، وأَبْلَغُ مِنْهُ، قَوْلُ الشَّاعِرِ:
وتَزِيْدِيَن أَطْيَبَ الطِّبيْبِ طِيْباًإذ تَمَسِّيهُ، أينَ مِثْلُكِ أَيْنَا؟ !
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
أَدَامَتْ على ما بَيْنَنا مِنْ نَصِيْحَةٍأُمَيْمَةُ أم صارَتْ لِقَوْلِ المُخَبِّبِ
وشَبِيْهٌ بِهِ قَوْلُ الآخَرِ:
أَبِيْني أفي يُمْنَى يَدَيْكِ ترَكْتِنِيفَأَفْرَحَ أَمْ صَيَّرتني في شِمالِكِ؟ !
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
فإِنكَ لم يَفْخَرْ عَلَيْكَ كَفَاخِرٍضَعِيْفٍ، ولم يَغْلِبْكَ مِثْلُ مُغَلَّبِ
شَبِيْهٌ بِقَوْلِ الشَّاعِرِ:
وَهُنَّ شَرُّ غالِبٍ لِمَن غَلَبْ
وبِقَوْلِ الآخَر:
هِيَ الضِّلَعُ العَوْجَاءُ لَسْتَ تُقِيْمُهاأَلا إِنَّ تَقْوِيمَ الضُّلُوعِ انْكِسَارُها
أَتَجْمَعُ ضَعْفاً واقَتْداراً عَلَى الفَتَىأَليسَ عجيباً ضَعْفُها واقْتِدارُها
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
تلاقَيْتُها والبُومُ يَدْعوُ بها الصَّدَىوقد أُلْبِسَتْ أَفْرَاطُها ثِنْيَ غَيْهَبِ
شَبِيْهٌ بِقَوْلِ ذي الرُّمَّةِ:
قَدْ أَعْسِفُ النَّازحَ المجهولَ مَعْسِفَةًفي ظِلِّ أَغْضَفَ يدعو هامَةَ البُومِ
مَعْنَاهُما جَمِيْعَاً، أَنَّهُ خَاضَ الفَلَاةَ لَيْلاً، والبُومُ فيها يتَجاوَبُ.
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
إذا ما رَكِبْنا قال ولِدْانُ أَهْلِنا:تَعَالوا إِلى أن يأتيَ الصَّيْدُ نَحْطبِ
معناهُ: أَنَّهُمْ قَدْ وَثِقوا مِنْهُ بِعَادَةٍ لا يُخْلِفُها، فهو كَقَوْلِ
النَّابِغَةِ:
إذا ما سَرَى بالجَيْشِ حَلَّقَ فَوْقَهُعَصائِبُ طَيْرٍ تَهْتَدي بِعَصائِبِ
جوانِحَ قَدْ أَيْقَنَّ أَنَّ رَعِلْيَهُإذا ما التَقَى الجَمْعَانِ أَوَّلُ غالِبِ
وقَولِ مُسلِمٍ:
قَدْ عَوَّد الطَّيْرَ عاداتٍ وَثِقْنَ بهافهي تَتْبَعُه في كُلِّ مُرْتَحَلِ
وقَوْلِ الشَّاعِرِ:
وتَرَى الطَّيْرَ على آثارِنَارَأْيَ عَيْنٍ ثِقَةً أَنْ ستُمَارُ
وقَوْلِ أبي نواسٍ:
تَتَأَيَّا الطَّيْرُ عن وَعْدٍثِقَةً بالوَعْدِ من جُزرهُ
ومِنْ ذلكَ قَوْلُهُ:
نَمُشُّ بِأَعْرَافِ الجِيَادِ أكُفَّناإذا نَحْنُ قُمْنَا عَنْ شواءٍ مُضَهَّب
هو كَقَوْلِ عَلْقَمَ:
ثُمَّتَ قَمْنَا إلى جُرْدٍ مُسَوَّمَةٍأعرافُهُنَّ بِأَيْدِيْنا مَنَادِيْلُ
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
أَلا يا لَهْفَ هِنْدٍ بَعْدَ قَوْمٍهُمُ كانوا الشِّفاءَ فَلَمْ يُصابوا
وَقَاهُمْ جَدُّهم بِبَني أَبِيْهِمْوبالأَشْقَيْنَ ما كانَ العِقابُ
شَبِيْهٌ بِهِ قَوْلُ المُتَنَبِّي:
وجُرْمٍ جَرَّهُ سُفهاءُ قَوْمٍفَحَلَّ بِغَيْرِ جَانِيْهِ العِقَابُ
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
أَرانا مُوْضِعِيْنَ لِحَتْمِ غَيْبٍونُسْحَرُ بالطَّعامِ وبِالشَّرابِ
شَبِيْهٌ بقولِ لَبِيْدٍ:
فإن تَسْأَلِيْنَا فيم نَحْنُ فإِنناعَصَافِيُر مِنْ هذا الأَنامِ المُسَحَّرِ
ومَعْنَاهُما: أَنَّنا مَسْحورونَ بالطَّعامِ والشَّرَابِ، غافِلُونَ عَمَّا يُرادُ بِنَا، [وما] نَحْنُ مُسرِعُونَ إليه من المَوْتِ.
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
وقد طَوَّفْتُ في الآفَاقِ حَتَّىرَضِيْتُ مِنَ الغَنِيمَةِ بالإيَابِ
وشَبِيْهٌ به قَوْلُ الطُّغْرَائي:
والدَّهرُ يَعْكِسُ آمالي ويُقْنِعُنِيمِنَ الغَنِيْمَةِ بَعْدَ الكَدِّ بالقَفَلِ
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
وعَنْسٍ كَأَلْواحِ الإرانِ نَسأْتُهاعلى لاحِبٍ كالبُرْدِ ذي الحِبَراتِ
هو كَقولِ طَرَفَة:
وعَنْسِ كَأَلْواحِ الإِرانِ، نَسَأْتُهاعلى لاحِبٍ، كَأَنَّهُ ظَهْرُ بُرْجُدِ
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
فلا تُنْكِرونِي إِنَّنِي أَنَا جَارُكُمْلَيَالِيَ حَلَّ الحَيُّ غَوْلاً فَأَلْعَسَا
فيه شَبِيْهٌ بِقَوْلِ المُتَأَخِّرِ:
لي حُرْمَةُ الضَّيْفِ القديمِ ومَنْأَتَاكُمُ وَكُهُولُ الحَيِّ أطفالُ
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
أَرَاهُنَّ لا يُحْبِبْنَ مَنْ قَلَّ مَالُهُولا مَنْ رَأَيْنَ الشَّيْبَ فِيْهِ وقَوَّسا
هو شَبِيْهٌ بِقَوْلِ الأَعْشَى:
وأرى الغَوَانِيَ لا يُواصِلْنَ امْرَءاًفَقَدَ الشَّبَابَ، وقد يَصِلْنَ الأَمْرَدَا
وقَوْلِ [ابنِ] التَّعَاوِيْذِي:
أَنْكَرَ الغَانِيَاتُ قُرْبِي وَمَاأَنْكَرْنَ مِنِّي إلا بَيَاضَ القَتِيْرِ
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
وأُنازِلُ البَطَلَ الكَرِيْهَ نِزَالُهُوإِذا أُناضِلُ لا تَطِيْشُ سِهامِي
شَبِيْهُ بِقَوْلِ عَنْتَرَةَ:
ومُدَجَّحٍ كَرِهَ الكُماةُ نِزَالُهُلا مُمْعِنٍ هَرَباً ولا مُسْتَسْلِمِ
جَادَتْ يَدَاي لَهُ بفاصِلِ طَعْنَةٍوَرَشَاشِ نَافِذَةٍ كَلَوْنِ العَنْدَمِ
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
وَإِذا أُذِيْتُ بِبَلْدَةٍ وَدَّعْتُهاولا أُقِيْمُ بِغَيْرِ دارِ مُقَامِ
فيه زِحَافٌ صَعْبٌ، وشَبِيْهٌ به قَوْلُ الشَّاعِرِ:
إِنِّي كذاكَ إِذا ما ساءَني بَلَدٌيَمَّمْتُ صَدْرَ بَعِيْري غَيْرَهُ بَلَدا
وقَوْلُ الآخرِ:
وإِذا سَاءَكَ مَنْزِلٌ فَتَحَوّلِ
وقَوْلُ البَحْرَانِي:
إذا الدِّيَارُ تَغَشَّاكَ الهَوَانُ بِهافَخَلِّها لضعِيفِ العَزْمِ واغْتَرِبِ
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
أَقَرّ حَشَا امرئِ القَيْسِ بنِ حُجْرٍبنو تَيْمٍ مَصَابِيْحُ الظلامِ
يَعْنِي بِأَخْذِهِمْ لَهُ بِثَأْرِ أَبِيْهِ. وهو كَقَوْلِ عَنْتَرَةَ:
ولَقَدْ شَفَا نَفْسِي وأَبْرَأَ سُقْمَهَاقَوْلُ الفَوارِسِ وَيْكَ عَنْتَرَ أَقْدمِ
على بُعْدٍ تَأْتِي المُشَابَهَةُ.
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
لِمَن طَلَلٌ أَبْصَرْتُهُ فَشَجانِيالبيت
هو شَبِيْهٌ بِقَوْلِ زُهَيْرٍ:
لِمَنِ الدِّيارُ بِقُنَّةِ الحِجْرِ؟ !أَقْوَيْنَ مِنْ حِجَجٍ وَمِنْ دَهْرِ
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
لَيَالِيَ يَدْعُونِي الهَوَى فَأُجِيْبُهُوأَعْيُنُ مَنْ أَهْوَى إِليَّ روانِي
هو شَبِيْهٌ بِقَوْل ذي الرُّمَّةِ:
لَيَالِيَ اللَّهْوِ تَدْعوني وأَتْبَعُهُكَأنَّنِي ضَارِبٌ في غَمْرَةٍ لَعِبُ
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
فَسَحَّتْ دموعي في الرِّداءِ كَأَنَّهاكُلًى من شُعَيْبٍ ذَاتِ سَحٍّ وتَهْتَانِ
هو شَبِيْهٌ بِقَوْلِ ذي الرُّمَّةِ:
ما بالُ عَيْنِكَ منها الماءُ يَنْسَكِبُكَأَنَّه مِنْ كُلَى مَفْرِيَّةٍ سَرِبُ
وفراءَ غَرْفِيَّةٍ أَثْأَى خَوَارِزُهامُشَلْشِلٌ ضَيَّعَتْهُ بَيْنَها الكُتُبُ
ومَعْنَاهما جَمِيْعاً تَشْبِيْهُ الدَّمْعِ بِمَاءِ القِرْبَةِ، إِذا سَالَ مِنْ خَرْقٍ فيها.
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
إِذا المَرْءُ لم يَخْزُنْ عَلَيْهِ لِسانَهُفَلَيْسَ على شَيْءٍ سِواُه بِخَزَّانِ
هو كَقَوْلِ طَرَفَةَ:
وإِنَّ لِسانَ المرءِ ما لم يَكُنْ لَهُحَصَاةٌ، عَلَى عَوْرَاتِهِ لَدَليلُ
بَلْ كَقَوْلِ الآخَرِ:
إِذا ضَاقَ صَدْرُ المَرْءِ عَنْ كَتْمِ سِرِّهِفَصَدْرُ الَّذي يُسْتَوْدَعُ السِّرَّ أَضْيَقُ
هذا أَشْبَهُ بِبَيْتِ امْرِئِ القَيْسِ مِنْ بَيْتِ طَرَفَةَ، وفي كلاهما نَظَرٌ سَبَقَ بِهِ القَلَمُ.
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
فَإِمَّا تَرَيْنِي في رِحالَةِ جابِرٍعلى حَرَجٍ كالقَرِّ تَخْفِقُ أَكْفَانِي
شَبِيْهٌ بِقَوْلِ الآخَرِ:
فإمَّا تَرَيْنِي كابْنَةِ الرَّمْلِ ضَاحِياًعلى رِقَّةٍ أَحْفَى ولا أتَنَعَّلُ
وَلْيَكُنْ هذا آخِرُ البَابَ.
وقد بَلَغَنا أَنَّ أبا الحَسَنِ بنَ عُصْفورٍ النَّحْويَّ جَمَع كِتَابَاً في تَنَاولاتَ الشُّعَراِء بَعْضِهْم مِنْ بَعْضٍ، ولم أَقِفْ عَلَيْهِ، غَيْرَ أَنَّ بالواجِبِ أَنَّ فِيْهِ فوائِدَ كَثِيْرَةً، مِنْ مَعْرِفَةِ أَقاوِيْلِ الشُّعراءِ وتَنَاولِهِمْ، وتَوارُدِ خَواطِرِهِمْ، وتَمْرِيْنِ الذِّهْنِ في إِدْراكِ القَدْرِ المُشْتَرَكِ بَيْنَ كَلَامِهِمْ، كما سَبَقَ التَّنْبِيْهُ عَلَيْهِ.
وفائِدَةُ هذا البَابِ شَبِيْهَةٌ بِفَائِدَةِ ما قَبْلَهُ. ولَنْخَتِمْهُ بِضابِطٍ في تَحْقِيْقِ التَّلَقِّي والتَّناولِ ، فَنَقولُ:
اعْلَمْ أَنَّ الشَّاعِرَيْنِ إِذا اتَّفَقا على مَعْنًى واحِدٍ، أو لَفْظٍ واحِدٍ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَا في عَصْرٍ واحِدٍ أَوْ لا. فَإِنْ كانا في عَصْرٍ واحِدٍ، فإِنْ كانَ كُلٌّ مِنْهُما أَهلاً لِصُدورِ ذلكَ المَعْنَى عَنْهُ، فَهُما مُشْتَرِكانِ فِيْهِ، مَعَ احتِمال تَنَاوُلِ أَحَدِهِما إِيَّاهُ مِنَ الآخَرِ، وإِنْ كانَ أَحَدُهُما لَيْسَ أَهْلاً لَذلكَ، فالظَّاهِرُ أَنَّه للآخَرِ، مَعَ احتِمالِ اتِّفاقِ وقُوعِهِ للظَّاهِرِ.
وإِنْ كانا في عَصْرَيْنِ، فَإِنْ كانَ المَعْنَى مُشْتَهِراً في النَّاسِ لِتَطَاوُلِ الزَّمَنِ أو غَيْرِهِ، كاشْتِهارِ مَعاني أَبِي تَمَّام والبُحْتُرِيِّ بالنِّسْبَةِ إِلى المُتَنَبِّي ونَحْوِهِ، فالظَّاهِرُ أّنَّ المُتَأّخِّرَ تَنَاوَلَهُ مِنَ المُتَقَدِّمِ، مَعَ احتِمالِ عُثُورِهِ عَلَيْهِ بِدونِ تَنَاولٍ. وإن لَمْ يَكُنْ مُشْتَهِراً مُطْلَقاً، أو بِالنِّسْبَةِ للشَّاعِرِ المُتَأَخّرِ، فَإِنْ كانَ أَهْلاً لِمِثْلِهِ. فالظَّاهِرُ أَنَّه وارَدَ الأَولَ عَلَيْهِ مِنْ بِابِ تَوارُدِ الخَوَاطِرِ، وتَواقُعِ الحَوَافِرِ، وإِنْ لم يَكُنْ أَهْلاً لِمِثْلِهِ. فالظَّاهِرُ أَنَّهُ بَلَغَهُ فَتَنَاوَلَهُ عَنِ الأَوَّلِ، مَعَ احتِمال مُوارَدَتِهِ الأَوَّلَ عليهِ.
وقد حَرَّرْتُ هذا التَّقْسِيْمِ بِأِبْلَغَ مِنْ هذا في غَيْرِ التَّعْليقِ، والله ﷿ أَعْلَمُ بالصَّوابِ.
النص من طبعة وزارة الأوقاف بالكويت (١٤٣٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع