تجاوز إلى المحتوى

من «موائد الحيس في فوائد القيس» لنجم الدين الطوفي (ت ٧١٦هـ)

البَابُ الرَّابِعُ محاسِنُ تشبيهاتِهِ واستعاراتِهِ وأمثالِهِ ونَحْوِهِ

ولا يَلْزَمُ اسْتِقْصَاءُ ذلكَ، بل ما نَسْتَحْسِنُه، ويَسْهُلُ ذِكْرُهُ بَعْدَ ذِكْرِ التَّشْبِيهِ والاسْتِعَارَةِ والمَثَلِ.

أمَّا التَّشْبِيهُ: فهُو إلحاقُ شَيْءٍ بِشَيْءٍ في الحُكْمِ؛ لاتِّفاقِهِما في بَعْضِ الأوصَافِ، وكذلكَ الاستِعَارةُ، غَيْرَ أَنَّ التَّشْبِيهَ يَكُونُ بأداتِهِ وهي الكافُ، والاسْتِعارَةُ بدونِها على جِهَةِ الإِسْنَادِ، فَتَقولُ في التَّشْبِيهِ زَيْدٌ كالأسَدِ، وفي الاستعارَةِ زَيْدٌ أَسَدٌ، فهذا فَرْقُ ما بَيْنَهُما.

والمَثَلُ: قَوْلٌ يَصْدُر عَنْ سَببٍ، ثُمَّ يَتَداوَلُهُ النَّاسُ بِلَفْظِهِ في نَحْوِ ذلكَ السَّبَبِ، هذا هو المَثَلُ، ويَلْحَقُ بهِ ما في مَعْنَاهُ، وقد استقَصَيْتُ حُكْمَ هذهِ الأَشْيَاءِ وغَيْرِهَا هُنَا.

فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:

تَرَى بَعَرَ الصِّيْرانِ في عَرَصَاتِهَاوقِيْعَانِها كَأَنَّهُ حَبُّ فُلْفُلِ

شبه بَعَر الغُزْلانِ بالفُلْفُلِ في سَوَادِهِ وصِغَرِهِ، وإِنْ كانَ الفُلْفُلُ مُسْتَطِيْلاً، فَقَد وَقَعَ التَّشْبِيْهُ في ثَلَاثِة أَشْيَاءَ: اللَّوْنُ والكَمِّيَّةُ والكَيْفِيَّةُ، وهما المِقْدارُ والشَّكْلُ.

وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:

كَأَنِّي غَداةَ البَيْنِ يَوْمَ تَحَمَّلوالَدَى سَمُرَاتِ الحَيِّ ناقِفُ حَنْظَلِ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزِل»

يَعْنِي: كاسِرَ الحَنْظَلِ بِيَدِهِ، فَتَدْمَعُ عَيْنَاهُ، ومُرَادُهُ: أنَّهُ يَبْكي لِفِراقِهِمْ، وكَذَلِكَ البَصَلُ والخَرْدَلُ، مَنْ قرَّبَهُ مِنْ عَيْنِه دَمَعَتْ، ويُقَالُ: إِنَّ مُخَادِعي الوُعَّاظِ يَنْقَعونَ مَنَادِيْلَهُم في الخَرْدَلِ،

فإذا صَارَوا على المِنْبَرِ مَسَحوا بها وجُوهَهُمْ فَتَدْمَعُ أَعْيُنُهم، فَيَظُنُّ الحاضِرونَ أَنَّهم يَبْكونَ فَيَبْكونَ هُمْ أَيْضاً، ويَحْمَى المْجْلِسُ ويَطِيبُ بِهَذِهِ الذِّكْرُ.

مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:

إذا قامتا تَضَوَّعَ المِسْكُ منهمانَسِيْمَ الصَّبَا جَاءَتْ بِرَيَّا القَرَنْفُلِ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذِكرى حبيب ومنزل ( معلقة )»

تَقْدِيْرُهُ عَلَى الحَقِيْقَةِ: تَضَوَّعَ المِسْكُ مِنْهُما تَضَوُّعاً مِثْلَ تَضَوُّعِ نَسِيْمِ الصَّبَاـ ففي هذا أحْسنَ التَّشْبِيهَ والاخْتِصارَ بِكَثْرَةِ الحَذْفِ.

وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:

وشَحْمٍ كهُدَّابِ الدِّمَقْسِ المُفَتَّلِ

وهُوَ القَزُّ، وهو مِنْ جَيِّدِ التَشْبِيْهِ؛ لِأَنَّ الشَّحْمَ أَبْيَضُ كالقَزِّ في البَيَاضِ، وجَعَلَهُ مُفَتَّلاً، إِشَارَةً إلى أَنَّه كانَ مُضَرَّبَا؛ أَعْنِي: ضَرَائِبَ ضَرَائِبَ.

وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:

ولا تُبْعِدِينِي مِنْ جَنَاكِ المُعَلَّلِ

الجَنَا: الثَّمَرُ، اسْتَعارَهُ لِمَا يَنَالُهُ مِنْها مِنْ رَشْفٍ وتَقْبِيْلٍ، واستِعارَتُهُ ذَلِكَ لِجَرْي الفَرَس في قَوْلِهِ:

إذا ما اجْتَنَيْنَاهُ تَأَوَّدَ مَتْنُهُ

مِنْ أَبْدَعِ الاستِعاراتِ، يَعْنِي: استَخْرَجْنَا جَرْيَهُ.

وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:

وإنْ تَكُ قَدْ سَاءَتْكِ مِنِّي خَلِيْقَةٌفَسُلِّي ثِيَابِي مِنْ ثيابِكِ تَنْسُلِ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذِكرى حبيب ومنزل ( معلقة )»

أَيْ: قَلْبِي مِنْ قَلْبِكِ، والقَلْبُ يُكْنَى عَنْهُ بِالثِّيابِ، كَما قَالَ عَنْتَرَةُ:

فَشَكَكْتُ بالرُّمْحِ الأصَّمِّ ثِيَابَهُ

أي: قَلْبَهُ، وفي التَّنْزِيْلِ: ﴿وثيابك فطهر﴾؛ أَيْ: قَلْبَكَ مِنْ الشَّكِّ والشِّرْكِ، ويَجُوزُ أَنْ يَكُونَ المَعْنَى فَسُلِّي نَفْسِي مِنْ

نَفْسِكِ، وكَنَى بالثِّيَابِ عَنْهَا؛ لِأَنَّ كلّاً مِنْهُما كاللَّابِسِ للآخَرِ. وفي التَّنْزِيلِ: ﴿هن لباس لكم وأنتم لباس لهن﴾. وقَالَ النَّابِغَةُ الجَعْدِيُّ:

إذَا ما الضَّجِيْعُ ثَنَى جِيْدَهاتَدَاعَتْ فَكَانَتْ عَلَيْهِ لِبَاسَا

وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:

ومَا ذَرَفَتْ عَيْنَاكِ إلَّا لَتَضْرِبيبِسَهْمَيْكِ في أَعْشَارِ قَلْبٍ مُقَتَّلِ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزِل»

أيْ: في نَوَاحِي قَلْبٍ مُعَذَّبٍ هَالِكٍ، كأَنَّهُ قَتِيلٌ، وفي سَهْمَيْها قَوْلَانِ؛ أَحَدُهُما: أنَّهُما عَيْنَاهَا، لَمَّا بَكَتْ لَحَظَتْهُ بِهِمَا، فَكَأَنَّها رَمَتْهُ بِسَهْمَيْنِ، والثَّانِي: أَنَّه كِنَايَةٌ واستِعَارَةٌ، مَقْصُودُها أَنَّها مَلَكَتْ قَلْبَهُ، واستَوْلَتْ عَلَيْهِ، كما يَسْتَوْلي اليَاسِرُ على الجَزورِ بِسَهْمَيْهِ؛ الرَّقِيْبُ والمُعَلَّى على ما ذُكِرَ في صِفَةِ المَيْسِرِ.

وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:

وبَيْضَةِ خِدْرٍ لا يُرَامُ خِبَاؤُها

كِنَايَةً عِنِ المَرْأةِ بالبَيْضَةِ، مِنْ جَيِّدِ الاستِعَارَةِ، لاشْتِرَاكِهِما في البَيَاضَ والصَّفَاءِ والمَلَاسَةِ والنُّعومَةِ، وفي التَّنْزِيلِ: ﴿كأنهن بيض مكنون﴾؛ يعني: بَيْضَ النَّعَامِ، وهو أَبْيَضُ مُشْرَباً صُفْرَةً، وَإِلَيْهِم الإشارَةُ بِقَوْلِهِ:

كَبِكْرِ المُقَانَاةِ البَيَاضِ بِصُفْرَةٍ

أَيْ: المُخَالَطُ بَيَاضُهُ بِصُفْرَةٍ.

وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:

تَرَائِبُها مَصْقُولَةٌ كالسَّجَنْجَلِ

يَعْنِي: المَرأَةَ، وإلى صِقَالِها المُنْتَهِي [يُشيرُ]، فهُو مِنْ جَيِّدِ التَّشْبِيهِ.

وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:

وتَتَّقِيبِنَاظِرَةٍ مِنْ وَحْشِ وَجْرَةَ مُطْفِلِ

أَيْ: ذَاتُ طِفْلٍ، كَمَا قَالَ:

نَظَرَتْ إليكَ بِعَيْنِ جازئَةٍحَوْرَاءَ حانِيَةٍ على طِفْلِ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «حي الحمول بجانب العزل»

وَهِيَ أَحْسَنُ ما تَكُونُ نَاظِرَةً.

وَيُقَالُ: إنَّ امْرَأَ القَيْسِ أَوَّلُ مَنْ نَهَجَ لِلنَّاسِ تشَبِيْهٌ عُيُونِ النِّسَاءِ ونُحُورِهِنَّ بِعُيونِ الظِّبَاءِ والبَقَرِ، وهذا إنَّما يَصِحُّ ما لَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ في شِعْرِ مَنْ قَبْلَهُ.

وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:

وَجِيْدٍ كَجِيْدِ الرِّئْمِ

[وقَوْلُهُ]:

وفَرْعٍ يزينُ المَتْنَ أسودَ فاحِمٍأَثِيْثٍ كَقِنْوِ النَّخْلَةِ المُتَعَثْكِلِ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزِل»

شَبَّهَ الشَّعْرَ بِعِذْقِ النَّخْلَةِ المُتَداخِلِ بَعْضُهُ في بَعْضٍ، وأَشارَ إلى طُولِهِ بِقَوْلِهِ: «يَزِينُ المَتْنَ»، فَذَكَر سَوَادَهُ وطُوْلَهُ وكَثَافَتَهُ، ولَيْسَ بَعْدَ ذَلكَ في الشَّعْرِ حُسْنٌ يُطْلَبُ.

وقَوْلُهُ:

وكَشْحٍ لَطِيْفٍ كالجَدِيْلِ مُخَصَّرٍ

الجَدِيْلُ مُخَصَّرٌ: يَعْنِي: الزِّمامَ المُتَّخَذِ مِنَ السُّيُورِ، فهو لَيِّنٌ دَقِيقٌ رَشِيقٌ.

وسَاقٍ كأُنْبُوبِ السَّقِيِّ المُذَلِّلِ

يَعْنِي: الشَّجَرَ المُتَعَاهَدَ بالسَّقْي، فهو مُمْتَلِئٌ رَيَّاهٌ، فَيَرْجِعُ إلى قَوْلِهِ: «رَيَّا المُخَلْخَلِ».

وقَوْلُهُ:

تُضِيْءُ الظَّلامَ بالعِشَاءِ كَأَنَّهامَنَارَةُ مُمْسَى راهِبٍ مُتَبَتِّلِ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزِل»

وإنَّما قالَ بالعِشَاءِ؛ لأنَّ الظُّلْمَةُ تَكُونُ أَشَدَّ، لِغُيوبَةِ الشَّمْسِ، ووَصَفَ الرَّاهِبَ بالتَّبَتُّل؛ لِدوامِ النُّورِ عنِدْهَ؛ ُ يَعْنِي: أَنَّ نُوْرَ هذِهِ المَرْأَةِ لازِمٌ دائِمٌ لَيْسَ عَارِضاً فَيُفَارِقُ.

وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:

وَلَيْلٍ كَمَوْجِ البَحْرِ أَرْخَى سُدُولَهالبيت

لأنَّ مَوْجَ البَحْرِ كثيرٌ مُوحِشٌ، مُتَتَابِعٌ لا يَفْرُغُ، ومِنْ ذلكَ المَثَلُ السَّائِرُ، أَنَّ بَعْضَهُم عَدَّ مَوْجَ البَحْر فَغَلِطَ فَقَالَ: «بِنْعُود مِنَ الأَوَّل». فَشَبَّهَ اللَّيْلَ بهِ في هذهِ الأَوْصَافِ، ثُمَّ استَعارَ لَهُ الصُّلْبَ

ورَشَّحَهُ بالتَّمَامِ، والأَعْجَازَ ورَشَّحَها بالإِردافِ، والكَلْكَلَ وهو الصَّدْرُ، ورَشَّحَهُ بالنَّوْءِ، وهو النُّهَوضُ مُتَثَاقِلاً في قَوْلِهِ:

فَقُلْتُ لَهُ لَمَّا تَمَطَّى بِصُلْبِهِوأَرْدفَ أَعجازاً، ونَاءَ بَكَلْكَلِ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزِل»

مَعَ أنَّ العَجُزَ والصَّدْرَ مُتَقابِلانِ، ولا نَعْلَمُ أَحْسَنَ مِنْ هذا التَّصَرُّفِ في الاستِعارَةِ، وإنْ أُلحِقَ بهِ شَيْءٌ مِنَ الاستِعاراتِ الشِّعْرِيَّة، فَقَوْلُ أَبي ذُؤَيبٍ:

وإذا المَنِيَّةُ أَنْشَبَتْ أَظْفَارَهاأَلْفَيْتَ كُلَّ تَمِيْمَةٍ لا تَنْفَعُ
للشاعر أبو ذؤيب الهذلي، من قصيدة «أمن المنون وريبها تتوجع»

وما كانَ مِنْ نَحْوِ ذلِكَ قَوْلُهُ:

فيَا لَكَ مِنْ لَيْلٍ كأَنَّ نُجومَهُبِكُلِّ مُغَارِ الفَتْلِ شُدَّتْ بِيَذْبُلِ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزِل»

شَبَّهَ رُكَودَ النُّجومِ بِرَبْطِها بالحِبَالِ القَويَّةِ إلى الجَبَلِ العَظِيمِ، وهو مبالَغَةٌ في المَقْصُودِ.

وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:

وَقَدْ أَغْتَدِي والطَّيْرُ في وُكُناتِهابِمُنْجَرِدٍ قَيْدِ الأَوَابِدِ هَيْكَلِ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزِل»

فِيْهِ اسْتِعارَتَانِ، إحداهُمَا قَوْلُهُ: «قَيْدِ الأَوابِدِ»؛ أيْ: يَمْنَعُها مِنَ الهَرَبِ بِلُحُوقِهِ بها، فكأنَّهُ قَيْدٌ لَهَا، وهو مِنْ إِبْداعاتِهِ.

والثانية: قَوْلُهُ: «هَيْكَلِ»، شَبَّهَ الفَرَسَ بالهَيْكَلِ، وهو البِنَاءُ العَظِيمُ مِنْ مَعَابِدِ أَهْلِ الكِتَابِ وغَيْرِهِمْ، وتَبِعَهُ النَّاسُ في ذَلِكَ، فَقَالَ البُحْتُرِيُّ:

وأَغَرَّ في الزَّمنِ البَهِيمِ مُحَجَّلاًقَدْ جِئْتُ مِنْهُ عَلَى أَغَرَّ مُحَجَّلِ
كالهَيْكَلِ المَبْنِيِّ إلَّا أَنَّهُفي الحُسْنِ جاءَ كَصُورَةٍ في الهَيْكَلِ
للشاعر البحتري، من قصيدة «أهلا بذالكم الخيال المقبل»

وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:

كَجُلْمُودِ صَخْرٍ حَطَّهُ السَّيْلُ مِنْ عَلِ

يَعْنِي: الفَرَسَ في جَرْيهِ، وهوَ مِنْ أَبْلَغِ التَّشْبِيْهِ؛ لِأَنَّ في ذَلِكَ شَيْئَيْنِ يَقْتَضِيَانِ السُّرْعَةَ، أحدُهُمَا: انحِطَاطٌ مِنْ عُلوٍّ، والثَّانِي: كَوْنُ السَّيْلِ يَدْفَعُهُ فَيَصِيرُ لَهُ دَافِعٌ طَبِيعِيٌّ وقَسْرِيٌّ. ويُرْوَى لِامْرِئِ القَيْسِ بَيْتَانِ في هذا المَعْنَى في غايَةِ المُبَالَغَةِ، وهُوَ قَوْلُهُ:

قد أَشْهَدُ الغَارَةَ الشَّعْواءَ تَحْمِلُنيجَرْدَاءُ مَعْرُوقَةُ اللَّحْيَينِ سُرْحُوبُ
للشاعر حمدون بن الحاج السلمي، اقرأ القصيدة
كالدَّلْوِ بُتَّتْ عُرَاهَا وهي مُثْقَلَةٌوخَانَها وَذَمٌ مِنْها وتَكْرِيْبُ

شَبَّه سُرْعَةَ فَرَسِهِ بِدَلْوٍ انقَطَعَتْ مِنْ رَأْسِ البِئْرِ مُثْقَلَةً.

وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:

على الذَّيْل جَيَّاشٍالبيت

شَبَّهَ هَفِيْفَ الفَرَسِ في جَرْيِهِ بِغَلْي المْرْجَلِ، وهو جَيِّدٌ جِدّاً.

وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:

دَرِيْرٍ كَخُذْرُوفِ الوَلِيْدالبيت

دَرِيْرٌ: مِنْ دَرَّ اللَّبَنُ، إذا سَالَ بِسُرْعَةٍ وكَثْرَةٍ. وخُذْرُوفُ الوَلِيْدِ: خَشَبَةٌ عَرْضُ إصْبَعَيْنِ في طُولِ شِبْرٍ، يُثْقَبُ رَأْسُهَا، ويُجْعَلُ فيهِ خَيْطٌ

طَوِيْلٌ ثُمَّ يُدِيْرُها ويُصِيْبُ بها الأَرْضَ، فَيَجيءُ لها صَوْتٌ بِسُرْعَةٍ، وحِكَايَةُ صَوْتِها خَرْخَرْ؛ ولِذلكَ تُسَمَّى الخَرَّارَةُ، وهذه صُورَتُها:

وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:

لَهُ أَيْطلا ظَبْيٍالبيت

استَعَارَ لِفَرَسِهِ هذِهِ الأَعْضَاءَ والأَفْعالَ مِنْ هذِه الحيواناتِ، وهي أَحْسَنُ ما تَكُونُ فيها، والسِّرْحاُن: الذِّئْبُ، وإرخاؤُهُ: مَدُّ عُنُقِهِ مُسْتَرسِلاً، والتَّنْفُلُ: وَلَدُ الثَّعْلَبِ، وتَقْرِيْبُهُ: جَمْعُ يَدَيْهِ ووَثْبُهُ.

وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:

كأن سَرَاتَهُ لدى البَيْتِ قائماًمَدَاكُ عَرُوسٍ ... البيت

أَيْ: كَأَنَّ ظَهْرَهُ لانْجِرارِهِ، مَداكُ عَروسٍ؛ وهي الحَجَرُ الذي يُدَقُّ بهِ العِطْرُ، فهو أمْلَسُ مُنْجَرِدٌ، وجَعَلَهُ لِلْعَروسِ؛ لِأَنَّه أكْثرُ استِعمالاً؛ لاحْتِيَاجِها إلى التَّعطُّرِ كَثِيْراً، فهو شَبِيْهٌ بِقَولِ ذِي الرُّمَّةِ:

ووَجْهٌ كمرآةِ الغَريْبَةِ أَسْجَحُ

لِأَنَّ الغَرِيْبَةَ لَيْسَ لهَا مَنْ يُصْلِحُ شَأْنَها، فَتحتَاجُ إلى أنْ تكونَ مِرْآتُها [أَكْثَرَ] استِصْقالاً.

وهذا البَيْتُ مُقَرِّرٌ لِقَوْلِهِ: «بِمُنْجَرِدٍ، في أَوَّلِ وَصْفِهِ، فَهُنَاكَ وَصَفَهُ بِمُطْلَقِ الانجِرادِ، وهَاهُنا بالَغَ فيهِ، و «صَلَايةُ الحَنْظلِ» شَبِيْهٌ

بـ «مَدَاكِ العَرُوسِ» وَهِيَ حَجَرٌ يُفْلَقُ بهِ الحَنْظَلُ، فَيْنَجَرِدُ ويَمْلُسُ، وقِيلَ صَلايَةُ الحَنْظَلِ: لَهَبَتُهُ في اشْتِعالِهِ حِيْنَ تُوْقَدُ بهِ النَّارُ، وَهِيَ تَخْرُجُ مُرْتَفِعةً مُنْتَظِمةً، شَبَّهَ سَراةَ الفَرَسِ بها في ذلكَ.

وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:

كأنَّ دِمَاءَ الهادِياتِ بِنَحُرِهِعُصَارَةُ حِنَّاءٍ بِشَيْبٍ مُرَجَّلِ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزِل»

الهَادِيَاتُ: مُتَقَدِّماتُ الوَحْشِ وسَوَابِقُهُ، شَبَّهَ دِماءَهَا في نَحْرِهِ بالحِنَّاءِ في الشَّيْبِ، وهو مُشْعِرٌ بِأَنَّ الفَرَسَ أَبْيَضُ، لَكِنْ يَرُدُّهُ التَّصْرِيحُ بِأَنَّهُ كُمَيْتٌ، وَهُوُ الأَحْمَرُ الذي عُرْفُهُ وذَنَبُهُ أَسْودانِ،

ثُمَّ في ذلكَ وَجْهَانِ، أَحَدُهُما، وهو المَشْهورُ: أَنَّهم كانوا يُلَطِّخونَ نَحْرَ الفَرَسِ بِدَمِ صَيْدِهِ، علامَةً عَلَيْهِ، والثَّانِي، وهو أَحْسَنُ تَخَيُّلاً: أنَّ هذا الفَرَسَ لِشِدَّة جَرْيهِ، وارتِفاعِ وَثْبِهِ، يَقْتَحِمُ الوَحْشَ فَيَرْكَبُهُ، فإذا طَعَنَهُ الفارِسُ، نَضَحَ دَمُهُ على نَحْرِ الفَرَسِ وصَدْرِهِ.

وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:

فَعَنَّ لنا سِرْبٌ كأنَّ نِعَاجَهُعَذَارَى دَوارٍ في مُلاءٍ مَذَيَّلِ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزِل»

شَبَّهَ النَّعاجَ مِنَ الظِّباءِ والبَقَرِ بالعَذَارى في المَلاحِفِ؛ كَأَنَّهُ شَبَّهَ جُلُودَها الحاوِيَةَ لِلُحومِهَا بالمُلاءِ، واستِرْسَالَها عَلى أَكارِعِها بالأَذْيَالِ.

ثُمَّ قَالَ:

فأَدْبَرْنَ كالجَزْعِ المُفَصَّلِ بَيْنَهُبِجِيْدٍ مُعَمٍّ في العَشِيْرةِ مُخْوَلِ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزِل»

شَبَّهَهُنَّ بذلكَ إشارةً إلى أنَّ فِيهِنَّ سُودَاً وبِيْضاً، فَهُنَّ كالجَزْعِ الجامِعِ بَيْنَ السَّوادِ والبَيَاضِ، وجَعَلَهُ بِجِيْدِ الصَّبِيِّ المُعَمِّ المُخوَلِ؛ أَيْ: الشَّرِيفِ العَمِّ والخَالِ؛ لِأَنَّ قِلادَتَهُ تكونُ أَحْشَمَ، وتَفْصِيلُها أَحْسَنَ.

وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:

فَأَلحقنا بالهادياتِالبيت

هذا مِنْ جَيِّدِ الاستِعاراتِ، شَبَّه سَوَابِقَ الوَحْشِ بِهادِي القَوْمِ في الطَّرِيْقِ، لِأَنَّه يَتَقَدَّمُهُمْ، ولِذَلِكَ سُمِّيَتْ أَعْنَاُق الخَيْلِ هَوَادِيْهَا؛ لأَنَّها أَسْبَقُ أَعْضَائِها إلى قُدَّامِها فَكأنَّها تَهْدِي سَائِرَ بَدَنِها.

وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:

وَلَمْ يُنْضَحْ بِمَاءٍ فَيُغْسَلِ

أَيْ: لم يَعْرَقْ، استَعَارَ لِلْعَرَقِ نَضْحَ الماءِ والغَسْلَ بِهِ، كَمَا صَرَّحَ بهِ في مَوْضعٍ آخرَ حَيْثُ قالَ:

ولم يُنْضَحْ بِمَاءٍ فَيَعْرَقِ

وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:

مَتَى ما تَرَقَّ العَيْنُ فِيْهِ تَسَهَّلِ

إشَارَةً عَجِيْبَةً إلى كَمالِ مَحَاسِنِه؛ أَيْ: لا يُدْرَى لِحُسْنِهِ إلى أَيِّ شَيءٍ تَنْظُرُ مِنْهُ.

وهو كَقَوْلِهِ:

تَصَوَّبُ فيهِ العَيْنُ طَوْرَاً وتَرْتَقِي

وأَظُنُّهُ سَبَقَ في البَاِب الأَوَّلِ.

وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:

وباتَ بِعَيْنِي قَائِماً غَيْرَ مُرْسَلِ

أَيْ: في عَيْنِي، بِنَاءً عَلَى أَنَّ إدْراكَ المَرْئِي بالانطِباعِ، لا بِاتِّصالِ الشُّعَاعِ، فَاسْتَعارَ نَفْسَ الفَرَسِ لِمثَالِهِ المُنْطَبعِ في العَيْنِ، وهذا المَذْهَبُ هو الصَّحِيحُ الأَكْثَرُ، والعَرَبُ لا يَتَنَبَّهونُ لِتَحْقِيقهِ، غَيْرَ أَنَّ لُغَتَهُمْ وَرَدَتْ مُوافِقَةً لَهُ، وذَلِكَ دَلِيْلُ شَرَفِها وصِحَّتِها، إذْ كانَتْ مُوافِقَةً لِلْفَلْسَفَةِ الصَّحِيْحَةِ، فَتَأَمَّلْ هذِهِ النُّكْتَةَ.

وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:

أَصَاحِ تَرَى بَرْقاً أُرِيْكَ وَمِيضَهُكَلَمْعِ اليَدَيْنِ في حَبِيٍّ مُكَلَّلِ

شَبَّهَ وَمِيْضَ البَرْقِ في السَّحابِ بِلَمْعِ يَدَي المَرْأَةِ إذا أَشارَتْ بِهِما ثُمَّ أَخْفَتْهُمَا، وهو تَشْبِيهٌ جَيِّدٌ جِدّاً، وقَوْلُهُ: «في حَبِيٍّ» وهو بحَاءٍ مُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَةٍ، ثُمَّ باءٍ مُوَحَّدَةٍ مَكْسُورَةٍ ثُمَّ يَاءٍ آخِرَ الحُروفِ مُشَدَّدَةٍ، فَعِيْل، مِنْ حَبَا يَحْبُو، ومَرُّ السَّحَاب: شَبَّهَ سَيْرَهُ في الهواءِ

على فُؤادِهِ بِحَبْوِ الصَّبيِّ، فَعَلى هذا قَوْلُهُ: «في حَبِيٍّ» مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: «أُرِيْكَ وَمِيْضَهُ» لا بِلَمْعِ اليَدَيْنِ، وإِنَّمَا ذَكَرْتُ هذا؛ لِأَنَّ بَعَضُهُم يَقُوْلُ: «في خِبَاءٍ مُكَلَّلِ» بِخَاءٍ مُعْجَمَةٍ مَمْدُودَةٍ، وهو الخِبَاءُ الَّذي يُسْتَكَنُّ فيهِ، وتَعَلُّقُهُ بِلَمْعِ اليَدَيْنِ، وهو خَطَأٌ، والصَّوابُ ما ذَكَرْنَاهُ، فَإِذَن، تَقْدِيرُهُ: أُرِيْكَ وَمِيضَهُ في حَبِيٍّ مُكَلَّلٍ كَلَمْعِ اليَدَيْنِ.

وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:

يُضِيءُ سَنَاهُ أو مَصَابِيحُ رَاهِبٍ

شَبَّه وَمِيْضَ البَرْقِ في السَّحابِ بِشيَئْينِ، أَحَدُهُما: لَمْعُ اليَدَيْنِ، وقَدْ سَبَقَ. الثَّانِي: مَصَابِيحُ الرَّاهِبِ، شَبَّهَ كُلَّ وَمْضَةٍ مِنْ وَمَضَاتِ البَرْقِ بِمصْبَاحٍ مِنْ مَصَابِيْحِهِ.

ومِنْ ذلكَ قَوْلُهُ في صِفَةِ السَّيْلِ:

يَكُبُّ على الأَذْقَان دَوْحُ الكَنَهْبُلِ

لَمَّا اسْتَعارَ الكَبَّ، رَشَّحَه بالأَذْقَانِ، أوْ بِالعَكْسِ، لمَّا استَعَارَ الأَذْقَانَ رَشَّحَهُ بالكَبِّ، وهو في الحُسْنِ شَبِيْهٌ بِقَوْلِهِ:

فقُلْتُ لَهُ لَمَّا تَمَطَّى بِصُلْبِهِالبيت

وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:

كَأَنَّ ثَبِيْراً في عرانِيْنِ وَبْلِهِكَبِيْرُ أُنَاسٍ في بِجَادٍ مُزَمَّل

شَبَّهَ الجَبَلَ في شُمُولِ السَّيْلِ لَهُ بِرَئِيْسِ قَوْمٍ اشتَمَلَ بِكِساءٍ، ويُشْعِرُ قَوْلُهُ، بأنَّ ثَبِيْراً أَعْظَمُ الجِبالِ الَّتِي حَوْلَهُ، حَتَّى يُطابَقُ تَشْبِيهَهُ بِكَبِيرِ أُنَاسٍ.

وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:

كأَنَّ ذُرى رَأْسِ المُجَيْمِرِ غُدْوَةًمِنَ السَّيْلِ والغُثَّاءَ فَلْكَةُ مِغْزَلِ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزِل»

المُجَيْمِر: قِيْلَ: جَبَلٌ، وقيلَ: أَرْضٌ، وفي وجْهِ التَّشْبِيهِ قَولَانِ؛ أحدُهما: أَنَّ السَّيْلَ غَشِيَ هذا المكانَ حَتَّى لم يَبْقَ مِنْ أَعَالِيْهِ إلا مِثْلَ فَلْكَةِ الِمْغزلِ، والثَّانِي: أنَّ الماءَ غَمَرَهُ جَمِيعَهُ حَتَّى صَارَ الغُثَّاءُ على وَجْهِ الماءِ في قُلَّةِ الجَبَلِ، يَدُورُ كَدَوَرانِ فَلْكَةِ المِغْزَلِ، وهو أَقْرَبُ وأَحْسَنُ مِنْ ظاهِرِ قَوْلِهِ.

وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:

وأَلْقَى بِصَحراءِ الغَبِيْطِ بَعَاعَهُنُزولَ اليَمَانِيِّ ذي العِيابِ المُحَمَّلِ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزِل»

شَبَّه إِلْقَاءَ السَّحَابِ ثِقَلَهُ مِنَ الماءِ، بإلقاءِ التَّاجِرِ ثِقَلَهُ مِنَ المَتَاعِ عِنْدَ نُزولِهِ لِلرَّاحَةِ، فلم يَتْرُكْ مِنْهُ شَيْئاً.

وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:

كَأَنَّ مَكَاكِيَّ الجِواءِ غُدَيَّةًصُبِحْنَ سُلافَاً مِنْ رَحِيقٍ مُفَلْفَلِ

شَبَّهَ الطَّيرَ بالسُّكارَى، إمَّا لِخَوْفِها مِنَ السَّيْلِ أَنْ يُهْلِكَها، أو لِفَرحِها بِهِ، ونَشَاطِهَا لَهُ، فهي تَصَوَّتُ وتَطْرَبُ، وهذا أَشْبَهُ، والمَكاكِيُّ: جَمْعُ مُكَّاءٍ، وهو نَوْعٌ من الطَّيْرِ يَصْفُرُ.

وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:

كأَنَّ السِّبَاعَ فيه غَرْقَى عَشِيَّةًبِأَرْجائِهِ القُصْوَى أَنَابِيشُ عُنْصُلِ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذِكرى حبيب ومنزل ( معلقة )»

شَبَّهَ السِّباعَ والوَحْشَ الغَرْقَى في السَّيْلِ بأَنَابِيشِ العُنْصُلِ، وهو البَصَلُ البَرِّي ُّالذي تُسَمِّيهِ النَّاسُ بَصَلَ الخِنْزِيرِ؛ لأَنَّه ضاربٌ في الأَرضِ كَثِيْراً، فلا يُقْلَعُ إلا بِحَفرٍ كَثِيْرٍ، يَبِقَى لَهُ على وَجهِ الأرْضِ

تُرابٌ مُجْتَمِعٌ عالٍ، كَجُثَّةِ السَّبُعِ المّيِّتِ، وقَوْلُهُ: «بأَرْجَائِهِ القُصْوَى»؛ أَيْ: بِجَوانِبهِ البَعِيدَةِ؛ لِأَنَّهُ ضَرَبَها بِمَوْجِهِ حَتَّى انحازَتْ إلى هُنَاكَ.

وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:

ألا انعَمْ صَبَاحاً أَيُّها الطَّللُ البَالِي

أَيْ: الخَالِي مِنْ أهْلِهِ، اسْتَعارَ لَهُ البِلَى، وهو فَسادُ الذَّاتِ بِتَلاشِي أجزائِها؛ لأنَّ خُلوَّ المكَانِ مِنْ أهْلِهِ فَسَادٌ، وهذا ضَرْبٌ مِنَ الُمَناقَضَةِ المُسْتَعْمَلةِ في البَيَانِ، وهو أنْ يُقَدِّمَ الشَّاعِرُ كَلاماً ثُمَّ يَنْقُضْهُ، كَمَا قَالَ زُهيرٌ:

قِفْ بِالدِّيارِ الَّتي لَمْ يَعْفُها القِدَمُ

ثُمَّ قالَ:

بَلَى وغَيَّرَها الأَرْواحُ والدِّيَمُ

وكَذَلِكَ هذا قالَ: «ألا انعَمْ صباحاً» ثُمَّ قَالَ: «وهَلْ يَنعَمَنْ مَنْ كانَ في العُصُرِ الخَالِي»، دَعَا لَهُ بالنَّعيمِ، ثُمَّ اسْتَبْعَدَهُ وأَنْكَرَهُ لَهُ.

وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:

وجِيْداً كَجِيْد الرِّئْمِ لَيْسَ بمِعْطَالِ

وفي الأُولَى: «ولا بِمُعَطَّلِ»، وأصْلُ العُطْلَةُ والعَطَلُ: ذَهَابُ مَنْفَعةِ العُضْوِ وبُطْلانُ فِعْلِهِ، ثُمَّ نَزَّلوا الحَلِيَّ لِلْجِيْدِ مَنْزِلَةَ المَنْفَعَةِ لِلْعُضْوِ إثْبَاتَاً، وبَقيا على طَرِيقِ الاسْتِعارَةِ، ولِذَلِكَ الفَضِيلَةُ للذَّاتِ.

وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:

بَلَى رُبَّ يَوْمٍ قَدْ لَهُوتُ وَلَيْلَةٍبآنِسَةٍ كأَنَّها خَطُّ تِمْثَالِ

يَعْنِي: الصُّورَةَ المُصَوَّرَةَ والهِيَاكِلَ والبِيْعَ وغَيْرَها، وهو مِنْ أحْسَنِ التَّشْبِيهِ؛ لِأَنَّ الصُّوَرَ المَذْكُورَةَ على اخْتيارِ المُصَوِّرينَ، فَيَأْتُونَ فيها بِكُلِّ حُسْنٍ وافِرٍ، وَكَمَالٍ باهِرٍ، وإنْ شِئْتَ تَحْقِيقَ هذا، فَانْظُرْ كَنائِسَ النَّصارى، وَلِذَلِكَ قالَ الشَّاعِرُ:

وهَلْ أنتِ إلَّا دُمْيَةٌ في كَنِيْسَةٍ

وقولُهُ:

يُضِيءُ الفِراشَ وَجْهُها لِضَجِيعهاكمِصْباحِ زَيْتٍ في قَنادِيْلِ ذُبَّالِ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «ألا عم صباحاً أيها الطلل البالي»
سَبَقَ شَبِيْهُهُ في قَوْلِهِ: «يضيء الظلام بالعِشَاءِالبيت»

وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:

كأنَّ على لَبَّاتِها جَمْرَ مُصْطَلٍأَصابَ غَضىً جَزْلاً، وكُفَّ بأجْذالِ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «ألا عم صباحاً أيها الطلل البالي»
وَهَبَّتْ لَهُ رِيْحٌ بِمُخْتَلِفِ الصُّوىصَباً وشَمَالاً في مَنَازِلِ قُفَّالِ

شَبَّهَ حُلِيَّها في حِلَقِها بِجَمْرِ مُصْطَلٍ: وهو المُسْتَدْفِي ونحوُهُ، أَوْقَدَ فيه غَضىً جَزْلاً: وهو الحَطَبُ الغَلِيْظُ؛ لِأَنَّ جَمْرَهُ أْكْبَرُ، وأْكْثَرُ دِفئاً واستِنَارَةً، وجَعَلَ حَوْلَهُ أُصولَ الشَّجَرِ، فهو أحْسَنُ لِمَنْظَرِهِ، وهَبَّتْ لهُ رِيْحَانِ مُخْتَلِفتانِ، تُذْكِيْهِ هذِهِ مِنْ جِهَةٍ، وهذهِ مِنْ جِهَةٍ، فَمِنْ حيثُ نُظِرَ إليهِ وُجِدَ تَمامُ الاستِنَارَةِ. وهذا مِنْ جَيِّدِ التَّشْبِيْهِ.

ومِنْ [ذلكَ] قَوْلُهُ:

لَعُوبٍ تُنَسِّيني إذا قُمْتُ سِرْبالي

كَنَى عَنْ طِيْبِ مُعاشَرَتِها بما هو مُسَبَّبٌ عَنْهُ، وهو نِسْيَانُهُ السِّرْبَالَ؛ لِأَنَّ الإِنْسَانَ يَشْتَغِلُ عَنِ الشَّيْءِ بما هو أَهَمُّ وآثَرُ عِنْدَهُ، وَضْعاً لِلْمُسَبَّبِ مَوْضِعَ السَّبَبِ.

وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:

كَدِعْصِ النَّقا يَمْشِي الوَلِيْدانِ فَوْقَهُ

شَبَّهَ جِسْمَها بالكَثِيْبِ الصَّغيرِ مِنَ الرَّمْلِ بِتَلَبُّدِهِ ولِيْنِهِ وسُهُولَتِهِ وحُسْنِ مَنْظَرِهِ، وقد اشْتَهَرَ تَشْبِيْهُ الأَرْدافِ بالكُثْبانِ لذلِكَ، وأمَّا قوْلُهُ: «يَمْشِي الوليدانِ فَوْقَهُ» فأَحْسَنُ ما عِنْدِي فِيْهِ، أنَّ جِسْمَ هَذِهِ المَرْأَةِ كانَ فيه خالٌ وشامٌ مُتفَرِّقٌ، وهو مِمِّا يُسْتَحْسَنُ في الأَجْسَامِ، فشَبَّههُ بآثارِ الوَلِيْدَيْنِ في الكَثِيْبِ؛ لِلَطَافَةِ آثارِهِ، بخِلافِ آثارِ الكَبِيرَيْنِ، وأما تَثْنِيَةُ الوَلِيْدَيْنِ، فَلأَنَّهُ أَخَفُّ مِنَ الجَمْعِ، ولَعَلَّه رَأَى وَلِيدَيْنِ يَلْعَبَانِ على كَثِيْبٍ فَشَبَّهَ بهما تَشبِيهَ عَيانٍ وتأَمُّلٍ.

وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:

إذا ما اسْتَحَمَّت كانَ فَضْلُ حَمِيْمِهاعلى مَتْنَيْها كالجُمانِ لَدى الجَالِي

شَبَّهَ القَطَراتَ البَاقِيَةَ على جِسْمِها مِنَ الغُسْلِ بالجُمانِ المَجْلُوِّ، وهو قِطَعٌ تُتَّخَذُ مِنَ الفِضَّة ِكاللؤُلُؤِ، وقِيلَ: الحَمِيمُ هو عَرَقُها، وعلى التَّقْدِيرَيْنِ فالتَّشَبيهُ جَيِّدٌ، والأَوَّلُ أجْودُ؛ لأنَّهُ قال: «كانَ فَضْلُ حَمِيمِها»، فَظَاهرٌ أَنَّهُ أرَاد ما ذَكَرْنَا، إذ لا يُقَالُ كانَ فاضِلُ عَرَقِها.

وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:

نَظَرْتُ إليها والنُّجُومُ كَأَنَّهامَصَابِيحُ رهبانٍ تُشَبُّ لِقُفَّالِ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «ألا عم صباحاً أيها الطلل البالي»

كانَ المَسِيحيُّونَ في الجَاهِلِيَّةِ أَكْثَرَ مِنْهُمُ الآنَ، إذ لم يَكُنْ مَعَهُم دِيْنٌ آخرُ يَغْلِبُ عَلَيْهِمْ، فَكَانَتِ الدِّياراتُ في البَرِّ وعلى الطُّرُقاتِ كَثِيرَةٌ تَهْتَدِي القُفُولُ بِمَصابِيحِهِم إلى الأَقْطَارِ والجِهاتِ، وتَشْبِيهُ النُّجومِ بها في إنارَتِها ورُكُودِها، وقُرْبِها مِنَ الأَرْضِ في رَأْي العَيْنِ جَيْدٌ جِدّاً.

وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:

سَمَوتُ إليها بَعْدَ ما نَامَ أهْلُهاسُمُوَّ حَبَابِ المَاءِ حَالاً على حَالِ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «ألا عم صباحاً أيها الطلل البالي»

قِيلَ: مَعْنَاهُ: شَيْءٌ بَعْدَ شَيءٍ، وحَبَابُ الماءِ: الطّرائِقُ المُتَكَسِّرةُ فيه كالوَاشْي، والتَّحقيقُ في هذا أنَّ قَوْلَهُ: «سَمَوتُ إليها» يُحْتَمَلُ أنَّهُ بالهِمَّةِ؛ أيْ: سَمَتْ هِمَّتِي إلى زِيَارَتِها والاجْتِمَاعِ بها، فَسَعَيْتُ إليها، فَيكُونُ الَمْعَنى ما سَبَقَ؛ لِأَنَّ الشَّخصَ يَقْطَعُ الطَّريقَ إلى مَنْ يَزُورُهُ شَيْئاً بَعْدَ شَيْء؛ كَطرائِق المَاءِ تَسْري شَيْئاً بَعْدَ شَيْءٍ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ بالبَدَنِ، بِأَنَّ تَسَوَّرَ إليها مَكاناً عَالِياً كَما قَالَ الآخَرُ:

رَبَّهُ مِحْرابٍ إذا جِئْتُهالم أَلْقَها أو ارْتَقِي سُلَّما
للشاعر وضاح اليمن، من قصيدة «أيا بنة الواحد جودي فما»

وَكَمَا فَعَلَ الفَرَزْدَقُ، حَتَّى قِيلَ لَهُ:

تَدَلَّيْتَ تَزْني مِنْ ثَمانِيْنَ قامةًونَكَّبْتَ عَنْ طُرْقِ العُلَى والمكارمِ

فَوَجْهُ التَّشْبِيهِ أنَّ الماءَ إذا جَرَى على الأَرْضِ ارتَفَعَ بَعْضُهُ على بَعْضٍ، طَبَقَةً على طَبَقَةٍ، حَتَّى يَصيرَ لهُ عُمْقٌ، كما أنَّ مُتَسوِّرَ الجِدارِ ونَحْوِهِ يَرْتَفِعُ عَنْ بَسِيْطِ الأَرْضِ طَبَقَةً بَعْدَ طَبَقَةٍ.

وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:

فَلَمَّا تَنَازَعْنَا الحَدِيثَ واسْمَحَتْهَصَرْتُ بِغُضْنٍ ذي شَمَارِيخَ مَيَّالِ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «ألا عم صباحاً أيها الطلل البالي»

تَنَازَعْنَا الحَدِيثَ: تَرَاجَعْنَاهُ، وهُوَ مِنْ جَيِّدِ الاسْتِعَارَةِ، واسْتَعَارَ الغُصْنَ لِلْقَدِّ، والشَّمَارِيخَ لَمَا فِيْهِ مِنَ الشَّعْرِ ونَحْوِهِ، كما سَبَقِ مِنْ قَوْلِهِ:

أَثِيْث ٍكَقِنْوِ النَّخْلَةِ المُتَعَثْكِلِ

وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:

فَصِرْنَا إلى الحُسْنَى وَرَقَّ كلامُنَاورُضْتُ فَذَلَّتْ صَعْبَوً أيَّ إذْلالِ

قَوْلُهُ: «فَصِرْنَا إلى الحُسْنَى» كِنَايَةً عَنْ سَمَاحِها وتَسَهُّلِها بَعْدَ التَّوَعُّر، «ورَقَّ كَلامُنا»: كنايَةً عَنِ المُغَازَلَةِ وما يَتْبَعُها مِنَ الكَلامِ، «ورُضْتُ»: كِنايةً عَنِ المُداراةِ والمَلَامَةٍ.

[وَمِنْ ذَلِكَ] قَوْلُهُ:

يَغِطُّ غَطِيْطَ البَكْرِ شُدَّ خِنَاقُهُلِيَقْتُلَنِي ... البيت

يَعْنِي: مِنَ الغَيْظِ والغَيْرَةِ، يَظْهَرُ لَهُ عَلَيَّ غَلَيَانٌ وزَمْجَرَةٌ.

وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:

ومَسْنُونَةٌ زُرْقٌ كَأَنْيَابِ أَغْوالِ

يَعْنِي: نُصولَ السِّهَامِ، شَبَّهَها بِأَنْيَابِ الغُولِ في رِقَّتِها وحِدَّتِها ونُفُوذِها، والغُولُ: زواني الجِنِّ، يُنَفِّرونَهُنَّ من بَينِهم، فَيَتَخَطَّفْنَ

النَّاسَ في البَرِّ، وقد ذَكَرَ تَأَبَّطَ شَرّاً في شِعْرِهِ أنَّه رَأَى الغُولَ وَقَتَلَها، حَيْثُ قالَ:

بأني قد رَأَيْتُ الغُولَ تَهْويبِسَهْبٍ كالصَّحيفةِ صَحْصَحانِ
فَأَضْرِبُها بلا دَهَشٍ فَخَرَّتْصَرِيْعاً لِلْيَدَيْن وللجِرانِ
للشاعر عمرو بن معد يكرب، من قصيدة «بأني قد لقيت الغول تهوي»

وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:

طِوالِ المُتونِ والعَرانِيْنِ والقَنَالِطافِ الخُصورِ في تَمامٍ وإكمالِ

كَنَى بالقَنَا عن القُدودِ والقَاماتِ، وهذا البَيْتُ قَلَّ أَنْ يُوجَدَ لَهُ نَظِيْرٌ في حُسْنِهِ وكمالِهِ، وعُذوبَةِ زِحافِهِ.

وَقَوْلُهُ في صِفَةِ الفَرَسِ:

كَأَنَّ مكانَ الرِّدفِ مِنْهُ على رالِ

[والرَّأْلُ] هو فَرْخُ النَّعَامِ، وهو مِنْ جَيِّدِ التَّشْبِيهِ، لِأَنَّ رِدْفَ النَّعامِ مُمْتَلِئٌ مُعْتَدِلٌ مَحْبوكٌ صُلْبٌ أَجْرَدُ، وكُلُّ ذلكَ مَحْمودٌ.

قَوْلُهُ في صِفَتِها أيضاً:

كُمَيْتٍ كأنَّها هِراوةُ مِنْوالِ

وهي الخَشَبَةُ الَّتي يَطْوي عليها الحائِكُ الثَّوبَ، والظَّاهِرُ أَنَّها التي تُسَمَّى النَّوْلَ، شَبَّههَا بها في صَلابَتِها ورَشَاقَتِها.

وقَوْلُهُ في سِرْبِ الوَحْشِ:

وأَكرُعُهُ وَشْيُ البُرودِ مِنَ الخَالِ

أي: ذاتُ خُطوطٍ كالوَشْي، وهو ظَاهرٌ لِمَن يتأمَّلُه في حُمُرِ الوَحْشِ ونَحْوِها، في أَرْجُلِها خُطوطٌ بِيْضٌ وغُبْرٌ، ولَعَلَّ رُؤْبَةَ أَشَارَ إليها بِقَوْلِهِ:

فيها خُطوطٌ مِنْ سَوادٍ وبَلَقْكأنَّهُ في الجِلْدِ تَوْلِيْعُ البَهَقْ
للشاعر رؤبة بن العجاج، اقرأ القصيدة

قَوْلُهُ:

كأَنَّ الصُّوارَ إذ تَجَاهَدْنَ غُدْوَةًعلى جُمُدٍ خَيْلٌ تَجُولُ بِأَجْلَالِ

شَبَّه بَقَرَ الوَحْشِ في حالِ هُروبها بِخَيْلٍ جائِلَةٍ مُجَلَّلَةٍ؛ لأَنَّ الغُبَارَ الَّذي أَثارَتْهُ البَقَرُ عليها كالأجلالِ لِلْخَيْلِ.

قَوْلُهُ:

كأني بِفَتْخَاءِ الجَنَاحَيْنِ لِقْوَةٍصَيُودٍ من العِقبانِ طَأْطَأْتُ شِيْمَالِ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «ألا عم صباحاً أيها الطلل البالي»

شَبَّهَ فَرَسَهُ بالعُقابِ وانقضاضِهَا علَى الصَّيْدِ، وشِيْمالي: أيْ:

شِمالي إليه، أَشْبَعَ الكَسرَةَ ضَرورَة، فَنَشأتِ اليَاءُـ ونَظَائِرُهُ كَثيٌر، نحو: الدَّراهيْمِ والصَّيارِيْفِ ونِيضَال، وَنَحْوِهِ، واللِّجامُ يَكُونُ في الشّمالِ، فالأرجاءُ لِلْفَرَسِ وأَعْنَانُ رَأْسِها يَكُونُ بِهَا.

قَوْلُهُ:

كَأَنَّ قُلُوبَ الطَّيْرِ رَطْباً ويَابِساًلَدَى وَكْرِها العُنَّابُ والحَشَفُ البَالي
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «ألا عم صباحاً أيها الطلل البالي»

استَعْمَلَ هاهنا اللَّفَّ والنَّشْرَ مُرَتَّباً، وتَقْدِيرُهُ: كَأَنَّ قُلُوبَ الطَّيْرِ رَطْباً العُنَّابُ، ويابسَاً الحَشَفُ؛ يَعْنِي: عِنْدَ وَكْرِ اللِّقوةِ التي شَبَّهَ بها الفَرَسَ.

قَوْلُهُ:

ونِسْوانٌ قِصارٌ كَهَيْئَةِ الحَجَلِ

الحَجَلُ: طائِرٌ قَصِيرُ الرِّجْلِ والجُثَّةِ، وشَبَّهَ بِهِ النِّسَاءَ في ذِمَالِهِنَّ؛ لِأَنَّ المَحمودَ مِنَ المَرْأَةِ طُولُ القامَةِ في تَمَامٍ وإكمالٍ كما سَبَقَ مِنْ قَوْلِهِ.

قَوْلُهُ:

كأَنَّ دِثاراً حَلَّقَتْ بِلَبُونِهِعُقابُ تَنوفٍ أو عُقَابُ القواعِلِ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «فدع عنك نهباً صيح في حجراته»

[يَعْني] دِثَارَ رَاعِيْهِ، وكانَ قد أُغِيْرَ على إبلِهِ، فَشَبَّه ذَهَابَ المُغِيْرينَ بها باخَتِطافَ العُقْبانِ لَهَا، والقَوَاعِلُ: جِبَالٌ صِغَارٌ بالقَافِ، وتَنَوفٌ: الجَبلُ المُشْرِفُ.

قولُهُ:

عَيْنَاكَ دَمْعُهما سِجالُكأَنَّ شَأْنَيْهِما أَوْشالُ

هذهِ قَصِيْدَةٌ عِدَّتُها سَبْعَةَ عَشرَ بَيْتاً، وفيها تَشْبِيهَاتٌ

عَدِيْدَةٌ ومنها قَوْلُهُ:

مِنْ ذِكْرِ لَيْلَى وأينَ لَيْلَىوخَيْرُ ما رُمْتَ ما يُنالُ

وهو مِنْ جَيِّدِ المَثلِ والحِكْمةِ، لكِنَّها لا تُشْبِهُ شِعْرَ امرئِ القَيْس؛ لاضْطِرَابِ وَزْنِها، فَهِيَ شَبِيْهَةٌ بِقَصِيدَةِ عَبيْدِ بْنِ الأَبْرَصِ:

أَقْفَرَ مِنْ أَهْلِهِ مَلْحُوبُ

وَأَيْضاً لم يَعْرِفْها الأَصمَعِيُّ لِامرِئِ القَيْسِ، فَتَرَكْنَاها، وإن كُنَّا ذَكَرْنَا بَعْضَها فيما تَقَدَّمَ.

قَوْلُهُ:

أتَنَكَّرَتْ لَيْلى عَنِ الوَصْلِونَأَتْ وَرَثَّ معاقِدُ الحَبْلِ

كِنايةً عَنْ نَقْضِ العَهْدِ، وخَلْفِ الوَعْدِ.

قَوْلُهُ في صِفَةِ السَّيْفِ:

في مَتْنِهِ كَمَدَبَّةِ النَّمْلِ

شبَّهَ فِرِنْدَهُ في تَجْعِيْدِهِ بِمَدَّبِ النَّمْلِ؛ أَيْ: مَوْضِعِ دَبِيْبِهِ، وهو جَيِّدٌ.

وقَوْلِهِ:

نَظَرَتْ إليكَ بِعَيْنِ جازِئَةٍحَوْرَاءَ حانيةٍ على طِفْلِ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «حي الحمول بجانب العزل»
فَلَها مُقَلَّدُها ومُقْلَتُهاولَهَا عَلَيْهِ سَراوَةُ الفَضْلِ
للشاعر امرؤ القيس، اقرأ القصيدة

أَي: لها جِيْدُ الظَّبيةِ ومُقْلَتُها، وهي أَسْرَى مِنها في ذَلِكَ؛ أيْ: أَفضلُ وأَحْسَنُ، وهذا كلامٌ بالِغٌ في الحُسْنِ والجَزَالَةِ.

قَوْلُهُ:

فالله أَنْجَحُ ما طَلَبْتُ بِهِوالبِرُّ خَيْرُ حَقِيبَةِ الرَّحْلِ

هذا مما يَجْرَى مَجْرَى الأَمثالِ، وهو مِنْ أَصْدَقِها وأَحْسَنِها.

قَوْلُهُ:

نَازَعْتُهُ كَأْسَ الصَّبُوحِ

أي: تَناوَلْتُها مِنْهُ، وتَنَاوَلَها مِنِّي، فَأَشْبَهَ التَّنَازعُ، َ فاسْتَعارَهُ لَهُ.

قَوْلُهُ:

إنِّي بِحَبْلِكَ واصِلٌ حَبْلي

هو كنايَةٌ عَنِ المَحَبَّةِ، وتَقَارُبِ القُلُوبِ.

وقَوْلُهُ:

وَبِرِيْشِ نَبْلِكَ رَائِشٌ نَبْلِي

هو كنايةٌ عنِ التَّقَوِّي به والاعتِمادِ عَلَيْهِ، ونَحْوِ ذَلِكَ.

وقَوْلُهُ:

ومانَبَحَتْ كِلابُكِ طارقاً مِثْلي

كِنَايَةً عَنْ وُرُودِهِ عَلَيْها؛ لِأَنَّ الكِلَابَ تَنْبَحُ الوارِدَ على أَهْلِهَا، مَعَ أَنَّه قد صرَّحَ بالمَقْصودِ حَيْثُ قالَ: «طارقاً».

قولُهُ في صِفَةِ الخَيْلِ:

مُسْتَفْرِماتٍ بالحَصَى جَوافِلا

أَيْ: يُطَيِّرَّن الحَصَى إلى فُروجِهِنَّ مِنْ شدَّةِ جَرْيِهَا، تَشْبِيهاً باستِفْرَامِ المَرْأَةِ، وهو جَعْلُ شَيْءٍ ما في فَرْجِها تَضْييقاً لَهُ، جَوَافِلا: مُسْتَجمِعاتٌ في الجَرْي، وفي بَعْضِ كُتُبِ عَبْدِ المَلِكِ بنِ مَرْوانَ إلى الحَجَّاجِ يَتَوَعَّدُهُ، يَقُوُل: «يا ابنَ المُسْتَفْرِمَةِ بِعَجَمِ الزَّبِيْبِ».

قَوْلُهُ في صِفَةِ الدَّارِ:

صُمَّ صَدَاها ...........

كِنَايَةً عَنْ خُلُوِّها مِنَ السَّاكِنِ فَمَا عَادَ يُسْمَعُ فِيْهَا صَوْتٌ.

قَوْلُهُ في صِفَةِ القَتْلَى:

أَرْجُلُهُم كالخَشَبِ الشَّائِلِ

كنايةً عن ارْتفاعِها؛ لانْتِفَاخِها وتَشَنُّجِها وفَسَادِ مِزَاجِها بالقَتْلِ.

قَوْلُهُ:

الحَرْبُ أوَّلُ ما تكونُ فَتِيَّةًتَسْعَى بِزِيْنتها لِكُلِّ جَهُولِ
للشاعر عمرو بن معد يكرب، من قصيدة «الحرب أول ما تكون فتية»

أي: يَغْتَرُّ بها مَنْ لا يَعرِفُها، فَكَنَى عَنْ إقدامِ الجَاهِلِ عليها بِتَزَيُّنِها لَهُ.

قَوْلُهُ:

حَتَّى إذا اسْتَعَرَتْ وشَبَّ ضِرامُهاصَارَتْ عَجوزاً غَيْرَ ذاتِ خَلِيْلِ
للشاعر عمرو بن معد يكرب، من قصيدة «الحرب أول ما تكون فتية»

هو كنايَةٌ عَنْ بُغْضِ النَّاسِ لها، كَبُغْضِهِمْ العَجوزَ فلا يتزوَّجُها أَحَدٌ.

قَوْلُهُ:

شَمْطاءَ حَزَّتْ رَأْسَها وتَنَكَّرَتْمَكْروهَةً لِلشَّمِّ والتَّقْبيلِ

هذا تَرْشِيْحٌ لقَوْلُهُ: «صَارَتْ عَجُوزاً».

قَوْلُهُ:

ويَعْدو على المَرْءِ ما يَأْتَمِرْ

هذا جَارٍ مَجْرى المَثَلِ، ومَعْنَاهُ: أَنَّ المَرْءَ قَدْ يَعودُ عَلَيْهِ رَأْيُهُ أو فِعْلُهُ بالهَلَاكِ، كَمَنْ يَعُودُ عَلَيْهِ سِلاحُهُ فَيَقْتُلُهُ ونَحْوُهُ.

قَوْلُهُ:

إذا رَكِبُوا الخَيْلَ واسْتَلْأَمواتَحَرَّقتِ الأَرْضُ واليَوْمَ قَرّ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «أحار بن عمرو كأني خمر»

هو كِنَايةٌ عَنْ شِدَّةِ بَأْسِهِمْ وبَطْشِهِمْ، حَتَّى كَأَنَّ الأَرْضَ تَحْتَرِقُ مِنْهُمْ احتِراقاً، لا يَمْنَعُهُ بَرْدُ الرِّمالِ.

قَوْلُهُ:

وهِرٌّ تَصِيْدُ قلوبَ الرِّجالِوأَفْلَتَ منها ابنُ عمرٍو وحُجُرْ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «أحار بن عمرو كأني خمر»

كَنَى بِصَيْدِها القُلوبَ عَنْ تَعَلُّقِها بِها، ومَيْلِها إليها، وتَبِعَهُ في ذلكَ جَرِيْرٌ حَيْثُ قَالَ:

طَرَقَتْكَ صائِدَةُ القُلُوبِ وَلَيْسَ ذاوَقْتُ الزِّيارةِ فاذْهَبِي بِسَلامِ
للشاعر جرير، من قصيدة «سرت الهموم فبتن غير نيام»

قَوْلُهُ:

رَمَتْنِي بِسَهْمٍ أصابَ الفؤادَغداةَ الرَّحِيْلِ فَلَمْ أَنْتَصِرْ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «أحار بن عمرو كأني خمر»

هذا كقَوْلِهِ:

وما ذَرَفَتْ عَيْنَاكِ إلَّا لِتَضْرِبِيبِسَهْمَيْكِ ... البيت

على القَوْلِ الأَوَّلِ فيه، وحاصِلُهُ أنَّها قَنَصَتْهُ بِأَسْرِها لِقَلْبِهِ، وتَعَذَّرَ وَصْلُها عَلَيْهِ.

قَوْلُهُ:

فَأَسْبَلَ دَمْعِي كَفَضِّ الجُمانِأو الدُّرِّ رَقْرَاقِهِ المُنْحَدِرْ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «أحار بن عمرو كأني خمر»

هذا نَحْوٌ مِنْ تَشْبِيهِهِ فَضْلِ حَمِيْمِها بالجُمانِ، والدَّمْعُ يَتَشَكَّلُ بِشَكْلِ الجُمانِ في استدارَتِهِ وصفَائِهِ.

قَوْلُهُ:

وإذْ هِي تَمْشِي كَمَشْي النَّزِيْفِ.......... البيت

يَعْنِي: سَكْرَى مِنَ الصِّبَا والجَمَالِ والدَّلَالِ، كالسَّكْرَى مِنَ الخَمْرِ.

قَوْلُهُ:

بَرَهْرَهَةٌ رَخْصةٌ رُؤْدَةٌكَخُرْعوبَةِ البانَةِ المُنْفَطِرْ

شَبَّهها بِعُصْنِ البَانِ في اللِّيْنِ والتَّثَنِّي، وأَكْثَرَ النَّاسُ مِنْ ذَلِكَ بَعْدَهُ.

قَوْلُهُ:

كَأَنَّ المُدامَ وصَوْبَ الغَمامِوريحَ الخُزامَى ونَشْرَ القُطُرْ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «أحار بن عمرو كأني خمر»
يُعَلُّ به بَرْدُ أَنْيَابِهاإذا طرَّبَ الطَّائِرُ المُسْتَحِرّْ
للشاعر امرؤ القيس، اقرأ القصيدة

شَبَّهَ فَمَها في طِيْبِ طَعْمِهِ ورائِحَتِهِ بهذهِ الأَشْيَاءِ، غَيْرَ أَنَّ في ذِكْرِهِ الأَنْيَابَ إغْراقاً، إذ لَيْسَتْ مَحَلَّ الرَّشْفِ، وأَكْثَرُ ما يُذْكَرُ في ذلكَ الثَّغْرُ والثَّنَايا، ولو قَالَ أَسْنَانَها لكَان أَعَمَّ من ذلِكَ كُلِّهِ.

قَوْلُهُ:

فَكَرَّ إِلَيْهِ بِمِبْراتِهِكما خَلَّ ظَهْرَ اللِّسانِ المُجِرّْ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «أحار بن عمرو كأني خمر»

يَصِفُ الثَّوْرَ الوَحْشِيَّ حِيْنَ ضايَقَهُ الكَلْبُ، فَعَطَفَ إليهِ، فَنَطَحُهُ بِقَرْنِهِ فَشَكَّهُ، والمُجِرُّ: هو الذي يَثْقُبُ لِسَانَ الفَصِيْل بِعُودٍ ليُمْنَعَ مِنْ شُرْبِ اللَّبِنِ ونَحْوِهِ، يَقُوُل: أَنْفَذَهُ بِقَرْنِهِ كما يَنْفُذُ ذَلِكَ العُودُ لِسَانَ الفَصِيْلِ.

قَوْلُهُ:

فَظَلَّ يُرَنِّحُ في غَيْطلٍكما يَسْتَدِيْرُ الحِمارُ النَّعِرْ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «أحار بن عمرو كأني خمر»

يَعْنِي: الكَلْبَ لما نَطَحَهُ الثَّوْرُ وَلَّى مُنْهَزِماً يَتَمايَل، كالحِمَارِ الذي أَصَابَهُ الذُّبَابُ في أنْفِهِ، فهو يَحِنُّ مِنْهُ مُنْهَزِماً، والغَيْطَلُ: الشَّجَرُ المُلْتَفُّ.

قَوْلُهُ في صِفَةِ فَرَسٍ:

لها حافِرٌ مِثْلُ قَعْبِ الوَلِيْــدِ رُكِّبَ فيه وَظِيْفٌ عَجِرْ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «أحار بن عمرو كأني خمر»

قَعْبُ الوَلِيْدِ: قَدَحٌ صَغِيرٌ، وهو يكونُ لَطِيفاً غَيْرَ مُضْطَرِبٍ، ويُسْتَحَبُّ ذلكَ في الفَرَسِ، والمَقْصُودُ: اسْتِدارَتُهُ وتَحْرِيْفُهُ.

قَوْلُهُ:

لها ذَنَبٌ مِثْلُ ذَيْلِ العَرُوسِتَسُدُّ بهِ فَرْجَها مِنْ دُبُرْ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «أحار بن عمرو كأني خمر»

هذا مِنْ أحْسَنِ التَّشْبيهِ، وفَرْجُها عَائِدٌ على الفَرَسِ.

قَوْلُهُ:

لها جَبْهَةٌ كسَرَاةِ المِجِنِّحَذَّقَهُ الصَّانِعُ المُقْتَدِرْ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «أحار بن عمرو كأني خمر»

شَبَّهَ جَبْهَتَها بِظَهْرِ التُّرْسِ، سَعَةً واعْتِدَالاً، وهو مَحْمودٌ لها.

قَوْلُهُ:

لها مَنْخِرٌ كَوِجارِ الضِّباعِفَمِنْهُ تُرِيْحُ إذا تَنْبَهِرْ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «أحار بن عمرو كأني خمر»

وِجَارُ الضَّبْعِ: مَسْكَنُها الذي تأْوي إليه، شَبَّهِ بِهِ مَنْخَرُ الفَرَسِ، وبيَّنَ فائِدَةَ سَعَتِهَ، وهو سُهولَةُ التَّنْفِيس عِنْدَ الانْبِهارِ وغَيْرِهِ.

قَوْلُهُ:

وتَعدو كَعَدْوِ نَجاةِ الظِّباءِالبيت

شَبَّهَ الفَرَسَ في عَدْوِها بالظَّبْيَةِ السَّرِيْعَةِ الطَّالِبَةِ للنَّجاةِ، وهُوَ أَشَدُّ ما يكونُ مِنْ عَدْوِها.

قَوْلُهُ:

لها وَثَباتٌ كَصَوْبِ الغَمَامِ فوادٍ خِطاءٌ ووادٍ مَطِرْ

شَبَّهَ وثَبَاتِ الفَرَسِ بِصَوْبِ الغَمامِ، وهو يَحِلُّ بِوَادٍ دُونَ وادٍ، فَكذا هذِه الفَرَسُ، وادٍ تَطْفُرُهُ، ووَادٍ تَجْري فيه، وهذا من أَخْصَرِ الكلام وأَكْثرِهِ مَعْنًى.

قَوْلُهُ:

فَشَبَّهْتُهُمْ في الآل حِيْنَ زهاهُمُعَصائِبَ دَوْمٍ أو سَفِيْناً مُقَيَّرا

شَبَّه الرَّكبَ الرَّاحلِيْنَ بِشَيْئَيْنِ؛ جَمَاعاتِ الشَّجَرِ الكِبارِ وهو الدَّوْمُ، والسُّفُنِ المُقَيَّرَةِ لِسَوادِها.

قَوْلُهُ في صفة الناقة:

تُقَطِّعُ غِيْطاناً كَأَنَّ مُتُونَهاإذا أَظْهَرَتْ تُكْسَى مُلاءً مُنَشَّرا
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «سما لك شوق بعدما كان أقصر»

[قَوْلُهُ: تُكْسَى مُلاءً مُنَشَّراً] يَعْنِي: السَّرابَ، هو أَبْيَضُ مُنْتَشِرٌ في البَرِّ كالمُلاءِ المُنَشَّرَةِ، وهو مِنْ أَحْسَنِ ما قِيْلَ في السَّرابِ.

قَوْلُهُ:

كَأَنَّ صَلِيْلَ المَرْوِ حِيْنَ تُطِيْرُهُصَلِيْلُ زُيوفٍ يُنْتَقَدْنَ بِعَبْقَرَا

شَبَّهَ صَوْتَ الحَصَى إذا أَطارَتْهُ بِخُفِّها، بِصَوتِ الدَّراهمِ المُنْتَقَدَةِ، وجَعَلَها زُيُوفاً؛ لِأَنَّ صَوْتَها لَيْسَ بِصَافٍ، فهو كصَوْتِ الحَصَى، فهو عَدْلٌ في التَّشْبِيهِ.

قَوْلُهُ في صِفَةِ فَرَسٍ:

أَقَبَّ كسِرْحانِ الغَضَى مُتَمَطِّرٍ

أيْ: ضامِرٌ سَريعُ العَدْوِ، وهذا مِنْ أَشْجَعِ الكلامِ وأَجْزَلِهِ.

وقَوْلُهُ:

ولا مِثْلَ يَوْمٍ في قُذارانَ ظِلْتُهُكَأَنِّي وأَصْحَابي على قَرْنِ أَغْفَرا

أيْ: على قَرْنِ ظَبْي، كِنَايةً عَنْ عَدَمِ استِقْرارِ قُلُوبِهِمْ، وعم قَلَقِهِمْ ونَحْو ذلك، كما أنَّ الذي على قَرْنِ الظَّبْي لا يَسْتَقِرُّ لِضِيْقِ مَكَانِهِ وَوُعُورَتِهِ.

وقَوْلُهُ:

وابنُ عَمٍّ قد فُجِعْتُ بِهِمِثْلُ ضَوْءِ البَدْرِ في غُرَرِهِ

أَكْثَرَ النَّاسُ مِنْ تَشْبِيْهِ الشَّخْصِ بالبَدْرِ، [لكنَّ قَوْلَهُ] في غُرَرِه، مِنَ الجَزالَةِ والفَخَامَةِ ما لَيْسَ بغَيْرهِ، وغُرَرُ البَدرِ: قِيْلَ بياضُهُ وضَوْءُهُ، وقِيْلَ الأَيَّامُ البِيْضُ؛ لأنَّها غُرَّةُ الشَّهْرِ، وأَتَمُّ ما يَكُونُ القَمَرُ فِيهِنَّ.

قَوْلُهُ:

ألا إنَّما ذا الدَّهرُ يَوْمٌ ولَيْلَةٌولَيْسَ على شَيْءٍ قَويمٍ مُسْتَمِرّْ

هذا الشَّطْرُ مما يَجْرِي مَجْرَى المَثَلِ في عَدَمِ اسْتِقْرارِ الدَّهْرِ على حَالٍ.

ودَخلَ معَ قَيْصَرَ الحَمَّامَ فَرآهُ أقْلَفَ، فقَالَ:

إني حَلَفْتُ يَمِيْناً غَيْرَ كاذِبَةٍأَنَّكَ أَقْلَفُ إلا ما جَنَى القَمَرُ
إذا طَعَنْتَ بهِ مالَتْ عِمَامَتُهُكما تُلَوَّى بِرَأْسِ الفَلْكَةِ الوَبَرُ

فاسْتَعارَ لِقُلْفَةِ الذَّكَرِ اسْمَ العِمَامَةِ، [وهي] مِنْ بَدِيْعِ

الاسْتِعارَةِ. وأَمَّا قَوْلُهُ: «إلَّا ما جَنَى القَمَرُ» فَيُرِيْدُ قَوْلَ العَرَبِ: إنَّ المَرْأَةَ إذا وَلَدَتْ في الشَّمْسِ أو القَمَرِ، لا حَائِلَ بَيْنَهما، اخْتَلَسَتْ قُلْفَتَهُ أو بَعْضَ أَسْنَانِهِ.

قَوْلُهُ:

فَعَيْناكَ غَرْبَا جَدْولٍ بِمَفاضَةٍكَمَرِّ خَلِيْجٍ في صَفِيْحٍ مُنَصَّبِ

شبَّه عَيْنَيْهِ بِدَلْوِيْ جَدْولٍ لِكَثْرَةِ الدَّمْعِ.

قَوْلُهُ في صِفَةِ حِمَارِ الوَحْشِ:

يَمُجُّ لُعاعَ البَقْلِ في كُلِّ مَشْرَبِ

يُرِيْدُ أنَّهُ قد أكل الرَّبِيْعَ فَخَبُثَ وِرْدُ الماءِ، بِمَجِّ خُضْرَةِ العُشْبِ فيه.

قَوْلُهُ:

وقد أغتَدِي قَبْلَ الشُّروقِ بِسَابِحٍأَقَبَّ كَيَعْفورِ الفَلَاةِ مُحَنَّبِ

شَبَّهَ الفَرَسَ باليَعْفورِ في خِفَّتِهِ وضُمورِهِ ورَشَاقَتِهِ. وانْظُرْ إلى لُغَتِهِ كَيْفَ يَقُولُ تارَةً كيَعْفورِ الفَلاةِ، وتَارَةً كَسِرْحَانِ الغَضَى، وتارَةً كالعُقابِ، وتارةً كَهَراوةِ المِنْوَالي، وَتَارَةً غَيْرَ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ:

لَهُ جُؤْجُؤٌ حَشْرٌ كَأَنَّ لِجَامَهُيُعَالِي بهِ في رَأْسِ جِذْعٍ مُشَذَّبِ

أَيْ: مَنْزوعُ السَّعَفِ، شَبَّهَ الفَرَسَ في عُلُوِّ صَهْوَتِهِ بالجِذْعِ العَالِي.

قَوْلُهُ:

لَهُ حارِكٌ كالدِّعْصِ لَبَّدَةُ النَّدىإلى كاهِلٍ مِثْلِ الرِّتاجِ المُضَبَّبِ

شَبَّهَهُ في صَلابَةِ مَقْدَمِهِ وعَجُزِهِ بالكَثِيْبِ المُلَبَّدِ، والبَابِ المُضَبَّبِ.

وقَوْلُهُ:

كُمَيْتٍ كَلَوْنِ الأُرْجُوانِ نَشَرْتُهُلِبَيْعِ التِّجارِ في الصِّوانِ المُكَعَّبِ
للشاعر علقمة الفحل، من قصيدة «ذهبت من الهجران في غير مذهب»

شَبَّهَهُ في حُمْرَتِهِ بِلَوْنِ الأُرْجوانِ؛ لِأَنَّه أَظْهَرُ لِلَوْنِهِ وأَحْسَنُ لِكَوْنِهِ.

قَوْلُهُ:

فَقَفَّى على آيارِهِنَّ بِحَاصِبٍوغَيْبةِ شُؤْبوبٍ مِنَ الشَّدِّ مُلْهِبِ

اسْتَعارَ لِجَرْيهِ اسْمَ الحاصِبِ: وهي الرِّيْحُ التي تَرْمي بالحَصْبَاءِ لِشِدَّتِها، والشُّؤْبُوبُ: وهو الدُّفْعَةُ الشَّدِيْدَةُ مِنَ المَطَرِ.

قَوْلُهُ:

يَمُرُّ كَمَرِّ الرَّائِحِ المُتَحَلِّبِ

يَعْني: [الرَّائِحُ المُتَحَلِّبُ] كَتَحَلُّبِ اللَّبن.

قَوْلُهُ:

كَأَنَّ عُيونَ الوَحْشِ حَوْلَ خِبائناوأَرْحُلِنَا الجَزْعُ الذي لم يُثَقَّبِ
للشاعر امرؤ القيس، اقرأ القصيدة

شَبَّه عُيونَ الوَحْشِ الذي صَادُوهُ وأَكَلوهُ بالجَزْعِ؛ لِجَمْعِهِما بَيْنَ السوادِ والبياضِ، وقَوْلُهُ: «الذي لم يُثَقَّب» تَحْقِيقٌ للتَّشْبِيهِ؛ فلو شَبَّهَ بالجِزْعِ ألمُثَقَّبِ أو بِمُطْلَقِ الجِزْعِ، لَكَانَ في التَّشْبِيهِ نَقْصٌ بالنِّسْبَةِ إلى الجَزْعِ المُثَقَّبِ.

وبَعْضُ الأُدَباءِ، بَلْ كُلُّ مَنْ عَلِمْنَا مِنْهُمْ، زَعَمَ أن قَوْلُهُ: «الذي لم يُثَقَّبِ» مِنْ بَابِ الإِيغَالِ، وزَعَمَ بأَنَّ التَّشْبِيهِ تَمَّ بِدُونِهِ، فإنْ أرادَ

مُطْلَقَ التَّشْبِيهِ فَنَعمْ، وإن أرادَ التَّشْبيهَ التَّامَ فلا نُسَلِّمُ، وعلى هذا فليسَ مِنْ بابِ الإِيغالِ.

قَوْلُهُ:

ورَاحَ كَتَيْسِ الرَّبْلِ يَنْفُضُ رَأْسَهُالبيت

يَعْنِي: مِنْ نَشَاطِهِ ومَرَحِهِ.

قَوْلُهُ:

وجُرْحُ اللِّسانِ كَجُرحِ اليَدِ

هذا مِنْ بابِ المَثَلِ، ولَقَد اقْتَصَرَ، وإلَّا فَجُرْحُ اللِّسانِ أَعْظَمُ مِنْ جُرْحِ اليَدِ، بما لا يُقَاسُ، ويَشْهَدُ لِذَلِكَ قَوْلَ الشَّاعِرِ:

يَموتُ الفَتَى مِنْ عَثْرَةٍ بِلِسَانِهِوَلَيْسَ يَمُوتُ المَرْءُ مِنْ عَثْرَةِ الرِّجْلِ
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «فلا تكثرن القول في غير وقته»
فَعَثْرَتُهُ بالقَوْلِ تَرْمي بِرَأْسِهِوعَثْرَتُهُ بالرِّجْلِ تَبْرا على مَهْلِ

ولِذلكَ مَنْ جَرَحَ غَيْرَهُ بِلِسَانِهِ كَهِجاءٍ وشَتْمٍ وقَذْفٍ، فهو أَشَدُّ مِنْ أَنْ يَجْرَحَهُ بِيَدِهِ.

قَوْلُهُ في صِفَةِ الفَرَسِ:

سَبُوحاً جَموحاً وإحضَارُهاكَمَعْمَعَةِ السَّعَفِ المُوْقَدِ
للشاعر عمرو بن معد يكرب، من قصيدة «تطاول ليلك بالأثمد»

شَبَّهَ حَفِيْفَ جَرْيها كَصَوْتِ السَّعَفِ في النَّارِ، وهو شَبِيْهٌ بِقَوْلِهِ:

إذا ما جَرَى شأوَيْنِ وابتَلَّ عِطْفُهُتَقُولُ هَزِيْزُ الرِّيْحِ مَرَّتْ بأَثْأَبِ
للشاعر الفروسية، من قصيدة «خليلّي مرّ بي على أم جندب»

قَوْلُهُ:

ومُطَّرِداً كَرِشَاءِ الجَرو رِ من خُلُبِ النَّخْلَةِ الأَجْرَدِ

يَعْني: الرُّمحَ، شَبَّهَهُ بِرِشاء البِئْرِ العَمِيْقةِ؛ وهي الجَرورُ، لِاعْتِدالِهِ وطُولِهِ.

قَوْلُهُ في صِفَةِ الدِّرْعِ:

ومَشْدودةَ السَّكِّ مَوْضُونَةًتضاءَلُ في الطَّيِّ كالمِبْرَدِ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «تطاول ليلك بالأثمد»

أَيْ: تَتَقارَبُ تكاسِيْرُها وغُصُونُها بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ؛ كَتَقارُبِ حُروفِ المِبْرَدِ. وهذا شَيْءٌ لا يُعرَفُ لِغَيْرِهِ، وهو بَدِيْعٌ جداً.

قَوْلُهُ:

تَفِيضُ على المَرْءِ أَرْدَانُهاكَفَيْضِ الأتِيِّ على الجَدْجَدِ
للشاعر أبو دؤاد الإيادي، اقرأ القصيدة

أَيْ: كَفَيْضِ الجَدْولِ عَلى المَكانِ الصُّلْبِ، وشُبِّهَتْ بِالماءِ لِبَرِيْقها وصَفَائِها وَلِينها.

قَوْلُهُ في صِفَةِ كِلابِ الصَّيْدِ:

مُغَرَّثَةً زُرْقاً كَأَنَّ عُيُونَهامِنَ الذَّمْرِ والإِيحاءِ نَوَّارُ عِضْرَسِ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «أماوِي هل لي عندكم مِن معرس»

شَبَّهَ عُيُونَها في حُمْرَتِها بِنُوَّارِ العِضْرِسِ، وهو شَجَرٌ أَحْمَرُ [النَّوْرِ].

قَوْلُهُ:

فَأَدْرَكْنَهُ يَأْخُذْنَ بالسَّاقِ والنَّسَاكما شَبْرَقَ الوِلدَانُ ثَوْبَ المُقَدَّسِ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «أماوِي هل لي عندكم مِن معرس»

شَبَّه تَمْزِيقَ الكلابِ للثَّوْرِ الوَحْشِيِّ، بِتَمْزِيقِ الصِّبْيانِ ثَوْبَ المُقَدَّسِ، وهو راهِبٌ كانَ يأْتي إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، فَيَتَلَمَّسُهُ الصِّبيَانُ تَبَرُّكاً بهِ حَتَّى يُمَزِّقوا ثَوْبَهُ.

قَوْلُهُ:

أَعِنِّي على بَرْقٍ أَرَاهُ وَمِيْضِيُضِيْءُ حَبِيَّاً في شَمَارِيْخَ بِيْضِ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «أعني على برق أراه وميضِ»

شَبَّهَ أَهْدَابَ السَّحَابِ بِشَمَارِيْخِ الجِبَالِ، وهي أَعَالِيْها.

قَوْلُهُ:

ويَهْدأُ تاراتٍ سَنَاهُ وتَارَةًيَنُوءُ كَتَعْتَابِ الكَسِيْرِ المَهِيْضِ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «أعني على برق أراه وميضِ»

شَبَّهَ نُهوضَ الوَمِيْضِ بِتَعْتَابِ الكَسِيْرِ المَهِيْضِ، وفيهِ وَجْهانِ،

أحَدُهُما: أنَّ المَرِيْضَ إذا عاتَبَ ففي عِتَابِهِ ضَعْفٌ جِدّاً، وهذا في غَايَةِ اللُّطفِ والغرابَةِ، والثَّانِي: أَنَّ الكَسِيْرَ: البَعِيْرَ الذي لا يَسْتَمِرُّ على قوائمِهِ، والمَهْيِضُ: [الذي] انْكَسَرَ بَعْدَ الجَبْرِ، وتَعْتَابُهُ: مَشْيُهُ على ثَلاثِ قوائِمَ، فهو يَقْزِلُ.

قَوْلُهُ في سُرْعَةِ سَيْرِ النَّاقَةِ:

تَروحُ إذا رَاحَتْ رَواحَ جَهامَةٍبإثْرِ جَهَامٍ رائِحٍ مُتَفَرِّقِ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «ألا انعم صباحا أيها الربع وانطق»

الجَهَامَةُ: السَّحَابَةُ قد رَاقَتْ مَاءَهَا، فَهي سَرِيْعَةُ السَّيْرِ، شَبَّهَ سَيْرَ النَّاقَةِ بِهَا.

قَوْلُهُ:

إذا المَرْءُ لم يَخْزُنْ عَلَيْهِ لِسَانَهُفَلَيْسَ على شَيْءٍ سِوَاهُ بِخَزَّانِ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب وعرفان»

هذا مما يَجْري مجرى الأَمْثَالِ والحِكَم.

قَوْلُهُ:

كَأَنَّ قُرونَ جِلَّتِهَا العِصِيُّ

شَبَّه قرونَ المِعْزَى بالعِصِيِّ.

قَوْلُهُ:

إذا ما قامَ حالِبُها أَرَنَّتْكَأَنَّ القَوْمَ صَبَّحَهُمْ نَعِيُّ

هذا مِنْ جَيِّدِ التَّشْبِيهِ وبَلِيْغِهِ.

قَوْلُهُ:

تَروحُ كَأَنَّها مِمَّا أصَابَتْمُعَلَّقَةٌ بِأَحْقِيها الدُّلِيُّ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «ألا إلا تكن إبل فمعزى»

وهذا أيضاً كالذي قَبْلَهُ، شَبَّهَ ضُروعَهَا بالدِّلاءِ لِكَثْرَةِ لَبَنِها.

قَوْلُهُ:

كَأَنَّ تجاوُبَ الحُلَّاب فيهاوَقَدْ حَشَكَتْ حوافِلُها دَوِيّ

شَبَّه أصْواتَ الحلَّابِيْنَ لها بالدَّوِيِّ، وهو الصَّوْتُ العَالِي المُسْتَدِيرُ الَّذي لا يُفْهَمُ مَعْنَاهُ.

وليَكُنْ هذا آخرَ البَابِ، وقد ذَكَرْتُ فيهِ جُلَّ تَشْبِيهاتِهِ واسْتِعاراتِهِ ومَحَاسِنها، ولم أُخِلَّ مِنْها إلا بالأَقَلِّ، إما رَغْبَةً عَنْهُ، أو ضَجَراً مِنْهُ، لاقتِضاءِ الحالِ ذلكَ، واللهُ ﷿ أعْلَمُ بالصوابِ.

النص من طبعة وزارة الأوقاف بالكويت (١٤٣٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «موائد الحيس في فوائد القيس»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.