من «عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات» لزكريا القزويني (ت ٦٨٢هـ)
فصل: في خسوفه
وسببه توسط الأرض بينه وبين الشمس فإذا كان القمر في إحدى نقطتي الرأس والذنب، أو قريبا منه عند الاستقبال تتوسط الأرض بينه وبين الشمس فيقع في ظل الأرض، ويبقى على سواده الأصلي فيرى منخسفا، والشمس أعظم من الأرض فيكون ظل الشمس مخروطا قاعدته دائرة صفحة الأرض؛ لأن الخطوط الشعاعية التي تخرج من الشمس إلى جرم الأرض لا تكون متوازية فإذا اتصلت بمحيط الأرض ونفذت في الجهة الأخرى تلاقيا عند نقطة فيحصل ظل الأرض على شكل المخروط، فإذا لم يكن للقمر عرض عن فلك البروج عند الاستقبال وقع كله في جرم المخروط فيخسف كله حينئذ، وإن كان له عرض يخسف بعضه، وربما يماس جرم القمر مخروط الظل ولا يقع فيه شيء وذلك إذا كان عرض القمر مساويا لنصف مجموع القطرين، أعني: قطر القمر، وقطر الظل، وإذا كان أقل من نصف القطرين يخسف بعضه.
خواص أجزائه
وزعموا أن تأثيراته بواسطة الرطوبة كما أن تأثيرات الشمس بواسطة الحرارة ويدل عليها اعتبار أهل التجارب، ومنها أمر البحار، فإن القمر إذا صار في أفق من آفاق البحر أخذ ماؤه في المد مقبلا مع القمر، ولا يزال كذلك إلى أن يصير القمر في وسط سماء ذلك الموضع فإذا صار هناك انتهى المد منتهاه فإذا انحط القمر من وسط سمائه جزر الماء ولا يزال كذلك راجعا إلى أن يبلغ القمر مغربه فعند ذلك ينتهي الجزر منتهاه، فإذا زال القمر من مغرب ذلك الموضع ابتدأ المد مرة ثانية إلا أنه أضعف من الأولى، ثم لا يزال كذلك إلى أن يصير القمر في وتد الأرض فحينئذ ينتهي المد منتهاه في المرة الثانية في ذلك الموضع، ثم يبتدئ بالجزر والرجوع، ولا يزال كذلك
حتى يبلغ القمر أفق مشرق ذلك الموضع فيعود المد إلى ما كان عليه أوّلا، فيكون في كل يوم وليلة مقدار مسير القمر فيهما في ذلك البحر مدان وجزران.
(ومنها) أمر أبدان الحيوانات فإنها في وقت زيادة القمر وضوئه تكون أقوى، والسخونة والرطوبة والنمو عليها أغلب وتكون الأخلاط في بدن الإنسان ظاهرة والعروق تكون ممتلئة وبعد الامتلاء تكون الأبدان أضعف، والبرد عليها أغلب والنمو أقل، والأخلاق في غور البدن، والعروق أقل امتلاء، وذلك أمر ظاهر عند علماء الطب.
(ومنها) أن الأطباء ذهبوا إلى أن أحوال البحر أنات وتقارب أيامها مبنية على زيادة ضوء القمر ونقصانه، وكتب الطب ناطقة بذلك، وزعموا أن الذين يمرضون في أول الشهر أبدانهم وقواهم على دفع المرض أقوى، والذي يمرضون في آخر الشهر بالضد.
(ومنها) أن شعور الحيوانات يسرع نباتها ما دام القمر زائد النور ويغلظ ويكبر، وإذا كان ناقص النور أبطأ نباته ولم يغلظ.
(ومنها) أن الحيوانات تكثر ألبانها من ابتداء زيادة نور القمر إلى الامتلاء وتزداد أدمغتها، وبياض البيض المنعقد في أول الشهر أكثر، وإذا نقص نور القمر نقصت غزارة الألبان ومادة الأدمغة وكثرة بياض البيض.
(ومنها) أن الإنسان إذا أكثر القعود أو النوم في ضوء القمر تولّد في بدنه الكسل والاستراخاء ويهيج عليه الزكام والصداع، وإذا كانت لحوم الحيوانات بادية لضوء القمر تغيرت رائحتها وطعمها.
(ومنها) أن السمك يوجد في البحار والأنهار من أول الشهر إلى الامتلاء أكثر مما يوجد من الامتلاء إلى آخر الشهر، ويكون أيضا في النصف الأول من الشهر أسمن منه في النصف الأخير.
(ومنها) أن حشرات الأرض خروجها من أجحرتها في النصف الأول من الشهر أكثر من خروجها منه في النصف الأخير، وكل حيوان يلسع أو يعض فإنه في النصف الأول من الشهر أقوى منه في النصف الأخير، وسمّه أشد تأثيرا.
(ومنها) أن السباع في النصف الأول أشد طلبا للصيد منها في النصف الأخير. (ومنها) أن الأشجار إذا غرست والقمر زائد النور علقت وأسرعت النشوء والحمل، وإن وقع اللقاح والحمل والقمر زائد النور كانا جيدين، وإن وقعا والقمر ناقص النور أو زائلا من وسط السماء لم
يسرع النبات، وأبطأت في الحمل وربما يبست.
(ومنها) أن الفواكه والرياحين والزرع والبقول والأعشاب زيادتها من وقت زيادة القمر إلى الامتلاء أكثر من زيادتها ونموها من الامتلاء إلى المحاق، وهذا أمر ظاهر عند أرباب الفلاحة حتى عند عامتهم فضلا عن علمائهم، فإنهم يجدون تأثير ذلك ولا سيما في البقول والخوخ والبطيخ والسمسم والقثاء والخيار والقرع من أول الشهر إلى نصفه يزيد أكثر مما يزيد من نصف الشهر إلى آخره.
(ومنها) أن الفواكه إذا وقع عليها ضوء القمر أعطاها لونا عجيبا من حمرة أو صفرة، فالتي يقع عليها الضوء في النصف الأول من الشهر أحسن لونا مما يقع عليها في النصف الأخير.
(ومنها) أن نبات القصب والكتان إذا وقع عليهما ضوء القمر في النصف الأول أشد تقطعا مما وقع عليهما آخر الشهر.
(ومنها) أن المعادن التي تتكون يكون جوهرها وصفاؤها أشد إذا كان تولدها من أول الشهر ولو كان في آخره لا يكون كذلك.
النص من طبعة مكتبة الثقافة الدينية بالقاهرة (٢٠٠٦م) كما في المكتبة الشاملة، بلا حواشي المحقق. مصادر الموقع