تجاوز إلى المحتوى

من «عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات» لزكريا القزويني (ت ٦٨٢هـ)

فصل: في منازل القمر

وهي ثمانية وعشرون منزلا ينزل القمر كل ليلة بواحدة منها من مستهله إلى ثمان وعشرين ليلة من الشهر، ثم يستسر، واستسراره محاقه حتى لا يرى منه شيء، فإن كان الشهر تسعا وعشرين استسر ليلة ثمان وعشرين، وإن كان ثلاثين استسر ليلة تسع وعشرين، وهو في السرار يقطع منزله، فهذه المنازل الثمانية والعشرون يبدو منها أبدا أربعة عشر بالليل فوق الأرض وأربعة عشر تحت الأرض وكلما غاب منها واحد طلع رقيبه، والعرب تسمي أربعة عشر من هذه بالنازل شامية، وأربعة عشر يمانية، فأول الشامية الشرطين، وآخرهما السماك الأعزل، وأول اليمانية الغفر، وآخرها الرشا، والعرب تسمي سقوط النجم في الغرب وطلوع مقابله مع الفجر نوءا، وسقوط كل نجم منها على ثلاثة عشر يوما خلا الجبهة فإن لها أربعة شعر يوما فيكون انقضاء سقوط الثمانية والعشرين مع انقضاء السنة، ثم يرجع الأمر إلى الأول في ابتداء السنة

المستقبلة، وما كان في هذه الثلاثة عشر يوما من مطر أو ريح أو حر أو برد فهو من نتوء ذلك النجم الساقط عند الحكماء، ولهم أقوال طويلة في أحكام نزول النيرين. فأول هذه المنازل:

(الشرطين) يقال لهما: قرنا الحمل، ويسميان الناطح وبينهما في رأي العين قاب قوسين، وإذا حلت الشمس بها اعتدل الزمان واستوى الليل والنهار، وطلوعهما لست عشرة ليلة تخلو من نسيان، وسقوطهما لثماني عشرة ليلة تخلو من تشرين الأول، وحلول الشمس بهما لعشرين ليلة تخلو من أدار، وكلما نزلت الشمس الشرطين فقد مضت سنة، وإنما سميا شرطين؛ لأنهما علامة دخول أول السنة وفي نوء الشرطين يطيب الرمان وتكثر المياه وتنعقد الثمار ويحصد الشعير ورقيب الشرطين الغفر.

(البطين) يقال له: بطن الحمل وهي ثلاثة كواكب خفية كأنها أثافي، وهذه صورتها، وهو بين الشرطين والثرياء وطلوعه لليلة تبقى من نيسان، وسقوطه لليلة تبقى من تشرين الأول، وعند سقوطه يرتج البحر فلا تجري فيه جارية، ويذهب الحداء والرخم والخطاطيف إلى الغور، ويستكن النمل، وتقول العرب: إذا طلع البطين فقد اقتضى الدين، وحكى ابن الأعرابي أنهم يقولون: ما أوتي البطين والدبران أو أحدهما، وكان لنوئه مطر إلا كاد أن يكون ذلك العام جديبا، وقالوا: إنه أشر الأنواء وأقلها مطرا وفي نوئه يجف العشب، ويتم حصاد الشعير، ويأتي أول حصاد الحنطة، ورقيب البطين الزبانا.

(الثريا) ويقال له: النجم وهو أشهر هذه المنازل وهي ستة أنجم وهي هذه:

وفي خلالها نجوم كثيرة خفية، والعرب تقول: إن طلع النجم غدية ابتغى الراعي كسية، وطلوعها لثلاث عشرة ليلة تخلو من أيار، وسقوطها لثلاث عشرة ليلة تخلو من تشرين الآخر، والثريا تظهر في المشرق عند ابتداء البرد ثم ترتفع في كل ليلة حتى تتوسط مع غروب الشمس، وفي ذلك الوقت أشد ما يكون البرد، ثم تنحدر عن وسط السماء؛ فتكون في كل ليلة أقرب من أفق المغرب إلى أن يهل الهلال معها، ثم تمكث يسيرا وتغيب نيفا وخمسين ليلة، وهذا المغيب هو استسرارها ثم تبدو بالغداة من المشرق في قوة بالحر، وقال النبي ﷺ: «إذا طلع النجم لم يبق من العاهة شيء» أراد عاهات الثمار؛ لأنها تطلع بها بالحجاز وقد أزهر البسر.

وأما نوؤها فمحمود، وهو خير نجوم الوسمي؛ لأن مطره في الوقت الذي فقدت الأرض فيه الماء، فإذا طلعت الثريا ارتج البحر واختلفت الرياح وسلط الله الجن على المياه، وقال ﷺ: «من ركب البحر بعد طلوع الثريا فقد برئت منه الذمة»، وفي نوء الثريا تتحرك

الرياح ويشتد الحر ويدرك التفاح والمشمش ويجف العشب، وفي آخره يمتد النيل ويكثر اللبن، ورقيب الثريا الإكليل.

(الدبران) وهو كوكب أحمر منير يتلو الثريا، ويسمى تابع النجم، وسمي دبرانا لاستدباره الثريا، وهذه صورته:

ونوؤه غير محمود، والعرب تتشاءم به، وطلوعه لست وعشرين ليلة من أيار، وسقوطه لست وعشرين ليلة من تشرين الأول، قال الساجع: إذا طلع الدبران يبست الغدران، وفي نوئه يشتد الحر، وهو أول البوارح وتهب السمائم وسود العنب، ورقيب الدبران القلب.

(الهقعة) هي رأس بالجوزاء، وهي ثلاثة كواكب صغار تشبه الأثافي، وهذه صورتها وإنما سميت هقعة تشبيها بعرض الفرس الذي يقال له: الهقعة، وتطلع لتسع خلون من حزيران، وتسقط لتسع خلون من كانون الأول، ونوؤها لا يكادون يذكرونه إلا بنوء الجوزاء، والعرب تقول: إذا طلعت الهقعة رجع الناس عن النجعة، وفي نوئها يدرك البطيخ وسائر الفواكه ويشتد الحر ويكثر هبوب السمائم، ورقيب الهقعة الشولة.

(الهنعة) هي كوكبان أبيضان بينهما قيد سوط في المجرة، وهذه صورتها: ٥٥ يقال لأحد الكوكبين: الزر، والآخر: لنيسان وثلاثة تحيط بهما فمجموعهما خمسة؛ أربعة متتابعة إلى جانب، وواحد في جهة العرض على هيئة الألف الكوفي، وطلوع الهنعة لاثنتين وعشرين ليلة تخلو من حزيران، وسقوطها لاثنتين وعشرين ليلة تخلو من كانون الأول، ونوؤها من أنواء الجوزاء، وتقول العرب: إذا طلعت الجوزاء كسب الصبا، وفي نوئها انتهاء شدة الحر وإدراك الرطب والتين وتغير المياه، ورقيب الهنعة النعائم.

(الذراع) هو ذراع الأسد المقبوضة، وللأسد ذراعان: مقبوضة ومبسوطة، فالمبسوطة تلي اليمن، والمقبوضة تلي الشام، وطلوعها لأربع تخلو من تموز، وسقوطها لأربع تخلو من كانون الآخر، ونوؤها محمود قل ما يخلف، وزعمت العرب أنه إذا لم يكن في السنة مطر لم يخلف الذراع، والعرب قد تقول: إذا طلع الذراع ترقرق الشراب في كل قاع، وفي نوئها تشتد بوارح الصيف حرّا وسموما، وفيه يدرك الرمان ويحمر البسر ويقطع القصب النبطي، ورقيب الذراع البلدة.

(النثرة) هي ثلاثة كواكب متقاربة، وهي أنف الأسد، وطلوعها لسبع عشرة ليلة من تموز، وتسقط لسبع عشرة ليلة تخلو من كانون الآخر، وتقول العرب: إذا طلعت النثرة قنأت البسرة؛ أي: اشتدت حمرتها، وعند سقوط النثرة يجري الماء في العود ويصلح تحويل الفسيل، وفي نوئها غاية شدة الحر، وفيه سموم حارة حتى قيل: إن نوءها كل يوم تظهر آفة تفسد شيئا من الزرع والثمار، ورقيب النثرة سعد الذابح.

(الطرفة) هو طرف الأسد، وهما كوكبان صغيران مثل الفرقدين وطلوعه لليلة تخلو من آب، وسقوطه لليلة تبقى من كانون الثاني، وتقول العرب: إذا طلعت الطرفة كثرت الطرفة، وعند ذلك قطاف أهل مصر، وفي نوئه بوارح وسموم، وفيه يؤكل الرطب ويقطف العنب، ورقيب الطرف سعد بلع.

(الجبهة) هي جبهة الأسد، وهي أربعة كواكب فيها عوج بين كل كوكبين في رأي العين قيد سوط، وهي معترضة من الجنوب إلى الشمال، والجنوبي منها يسميه المنجمون قلب الأسد، وطلوعها لأربع عشرة ليلة تمضي من آب من مطلع سهيل، وسقوطه لاثنتي عشرة ليلة تخلو من شباط، عند سقوطها ينكسر حد الشتاء وتوجد الكمأة ويورق الشجر وتهب الرياح اللواقح، وتقول العرب: لولا طلوع الجبهة ما كان للعرب رفعة، ونوؤها محمود، يقال: ما امتلأ واد من نوء الجبهة ماء إلا امتلأ عشبا، وسهيل يطلع بالحجاز مع طلوع الجبهة، ومع طلوعها يصير البسر رطبا، وفي نوئها ينكسر البرد ويكثر الرطب ويسقط الطل، ورقيب الجبهة سعد السعود.

(الزبرة) هي زبرة الأسد؛ أي: كاهله، وهي كوكبان نيران بينهما قيد سوط، والزبرة شعر الأسد الذي ينزل عند الغضب، وأحدهما أنور من الآخر، وفيهما قليل عوج، وطلوعهما لأربع ليال تخلو من آب، وسقوطهما لخمس ليال تخلو من شباط، ويكون في نوئها مطر شديد، فإن أخلف قصر، وعند طلوع الزبرة يرى سهيل بالعراق، ويبرد الليل مع السموم بالنهار، ورقيب الزبرة سعد الأخبية.

(الصرفة) هي كوكب واحد على أثر الزبرة أزهر مضيء جدا، عنده كواكب صغار طمس، ويزعمون أنه قلب الأسد، وسميت صرفة لانصراف الحر والبرد عند طلوعها وسقوطها، وطلوعها لتسع ليال تخلو من أيلول، وسقوطها لتسع ليال تخلو من آذار، ومع طلوعها يزيد النيل

وأيام العجوز في نوئها، وزعموا أن الصبي إذا فطم بنوء الصرفة لم يكد يطلب اللبن، وفي نوئها مطر ورياح وبرد بالليل، ويأتي المطر الموسمي، ورقيب الصرفة فرع الدلو المقدم.

(العواء) هي أربعة أنجم على أثر الصرفة تشبه الهاء المردودة الأسفل بالخط الكوفي، والعرب شبهوها بكلاب تتبع الأسد، وقال قوم: هي وركا الأسد، وطلوعها لاثنتي عشرة ليلة تخلو من أيلول، وسقوطها لاثنتين وعشرين ليلة تخلو من آذار، ونوؤها يسير، والعرب تقول: إذا طلعت العوا طاب الهوا، وفي نوئها يستوي الليل والنهار، ويأخذ الليل في الزيادة والنهار في النقصان، وهو ابتداء الخريف، ورقيب العواء بفرع الدلو المؤخر.

(السماك) هو السماك الأعزل، وأما السماك الرامح فلا ينزله القمر، وهو كوكب أزهر، وإنما سمي أعزل؛ لأن الرامح عنده كوكب يقال له: راية السماك، وأما الأعزل فلا شيء عنده، والأعزل هو الذي لا سلاح معه، والعرب يجعلون السماكين ساقا الأسد، وطلوع السماك الأعزل لخمس ليال مضين من تشرين الأول، وسقوطه لأربع ليال تخلو من نيسان، ونوؤه غزير قلما يخلف مطره إلا أنه مذموم؛ لأنه ينبت البسر، وهو نبت إذا بلعته الإبل مرضت، والعرب تقول:

إذا طلعت السماك ذهبت العكاك، وفي نوئه صرام النخل وقطع العنب، ويأتي المطر الولي، ورقيب السماك بطن الحوت، وهذه آخر المنازل الشامية.

النص من طبعة مكتبة الثقافة الدينية بالقاهرة (٢٠٠٦م) كما في المكتبة الشاملة، بلا حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.