تجاوز إلى المحتوى

من «عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات» لزكريا القزويني (ت ٦٨٢هـ)

فصل: في السحاب والمطر وما يتعلق بهما

زعموا أن الشمس إذا أشرقت على الماء والأرض حللت من الماء أجزاء لطيفة مائية تسمى بخارا، ومن الأرض أجزاء لطيفة أرضية تسمى دخانا، فإذا ارتفع البخار والدخان في الهواء وتدافعهما الهواء إلى الجهات ومن فوقهما برد الزمهرير ومن أسلفهما مادة البخار غلظا في الهواء وتداخلت أجزاء بعضها في بعض، فيكون منهما سحاب مؤلف متراكم، ثم إن السحاب كلما ارتفع انضمت أجزاء البخار بعضها إلى بعض حتى يصير ما كان منهما دخانا ركاما وما كان بخارا ماء، ثم تلتئم تلك الأجزاء المائية بعضه إلى بعض فتصير قطرا ثم تأخذ راجعة إلى أسفل فإن كان صعود ذلك البخار بالليل والهواء شديد البرد منعه من الصعود وأجمده أولا فصار

سحابا رقيقا وإن كان البرد مفرطا أجمده البخار في الغيم وكان ذلك ثلجا؛ لأن البرد يجمد الأجزاء المائية ويختلط بالأجزاء الهوائية، وينزل برفق فلذلك لا يكون له في الأرض وقع شديد كما للمطر والبرد، فإن كان الهواء دفيئا وارتفع البخار في الغيوم وتراكمت منه السحب طبقات بعضها فوق بعض كما ترى في أيام الربيع والخريف كأنها جبال من قطن مندوف فإذا عرض لها برد الزمهرير من فوق غلظ البخار وصارت ماء وانضمت أجزاؤها فصارت قطرا عرض لها الثقل فأخذت تهوى من أعلى السحب وتلتئم القطرات الصغار بعضها إلى بعض، حتى إذا خرجت من أسلفها صارت قطرا كبارا فإن عرض لها برد مفرط في طريقها جمدت وصارت بردا قبل أن تبلغ الأرض، وإن لم تبلغ الأبخرة إلى الهواء البارد فإن كانت كثيرة صارت ضبابا، وإن كانت قليلة وتكاثفت ببرد الليل ولم تجمد نزلت طلا وإن انجمدت نزلت صقيعا، والله أعلم.

واعلم أن من لطف الباري ﷿ أن أنزل المطر في كل سنة مقدارا معلوما عنده إلى مستقر الحيوان لا إلى القفار البلاقع التي لا حيوان بها فإن أهل التجربة زعموا أن كل بقعة بينها وبين البحر لا يكون أكثر من مسيرة أربعين يوما فإنها لا تصلح لمسكن الحيوان؛ لأن المطر لا ينزل بها، ثم من تمام لطفه ﷿ أن أنزل القدر الذي يكون كافيا لا قاصرا، فلا ينبت شيئا ولا زائدا على الحاجة فيعفن النبات ويفسده ويضر بالحيوان، كما فعل بقوم نوح ﵇ وإلى هذا المعنى أشار جلت قدرته بقوله: ﴿وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ﴾ [المؤمنون: ١٨]، ثم إنزاله قطرات صغيرة فلو صبه صبّا خدش الأرض وأتلف الزرع، فسبحانه ما أعظم شأنه وأعز سلطانه وأوضح برهانه، والله الموفق.

النص من طبعة مكتبة الثقافة الدينية بالقاهرة (٢٠٠٦م) كما في المكتبة الشاملة، بلا حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.