من «عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات» لزكريا القزويني (ت ٦٨٢هـ)
فصل: في شهور الروم
وهي مختلفة العدد؛ لأنهم أرادوا أن تكون شهورهم مساوية لمسير الشمس وحركات الشمس، مختلفة في أرباع السنة فبعضها أكثر أياما من البعض على ما نطقت به الأرصاد القديمة والحديثة، فلهذا جعلوا بعض الشهور ثلاثين، وبعض الشهور أحدا وثلاثين، وبعضها ثمانية وعشرين، فأعطوا كل شهر ما يستحقه حتى صار المجموع ثلاثمائة وستين يوما، وجعلوا يوما في آخر السنة وهذا مجموع أيام سنتهم، وقد وضعوها على هذا الوجه:
تشرين الأول تشرين الثاني كانون لأول كانون الثاني لال لالا
شباط آذار نيسان أيار حزيران تموز آب أيلول كح لا ل لا ل لا لا ل
وقد جمعها الشاعر في هذين البيتين فقال:
فتشرينكم الثاني كأيلول ونيسان ثلاثون ثلاثون أتوا بعد حزيران شباط خص بالنقص وذاك النقص يومان وباقيها ثلاثون ويوم واحد كاني
(تشرين الأول) أحد وثلاثون يوما، في اليوم الأول تهيج الصّبا، وفي الثالث عيد دير
الثعالب، وفي الخامس عيد كنيسة القيامة ببيت المقدس، يزعمون أن نارا من السماء تنزل وتسرج الشمع هنالك، وفي السابع عيد التباريك، وفي الثلاث عشر تفور المياه ويقوم سوق أذرعات ويضطرب البحر، وفي الخامس عشر يبرد الزمان وتكثر الرياح ويصرم النخل، وإذا قطع خشب لم ينخر خشبه ولم يسوس، وفي الثامن وعشر ينقص النيل، وفي الحادي والعشرين يزرع على نيل مصر، وفي الثاني والعشرين يبتدئ الهواء بالبرد، وفي الثلاثين تذهب احدأ والرخم والخطاطيف إلى الغور، ويسكن النمل جوف الأرض.
(تشرين الآخر) ثلاثون يوما، في اليوم الأول تهب الجنوب، وفي الثاني في أوقات المطر، وفي الخمس تخفى الهوام، وفي السابع لقط الزيتون بالشام وكثرة الغيوم واضطراب البحر فلا تجري فهي جارية، وفي الثامن غليان البحر، وفي التاسع أول المرور في بحر فارس، وفي الثالث عشر ابتداء اضطرابه وإن قطع فيه خشب لا تقع فيه الأرضة والسوس، وفي السابع عشر ابتداء صوم الميلاد وهو أربعون يوما، وفي العشرين تموت كل دابة لا عظم لها، وفي الثاني والعشرين ينهى عن شرب الماء البارد بالليل، وفي الثالث والعشرين لقط الزيتون عند القبط، وفي الثامن والعشرين امتداد أمواج البحر.
(كانون الأول) أحد وثلاثون يوما، في اليوم الأول منه يقوم سوق ثوما بدمشق ويغرس قضيب البان، وفي الحادي عشر قيام سوق الأردن، والرابع عشر أول الأربعينيات، والسابع عشر ينهى عن تناول لحم البقر والأترنج وشرب الماء بعد النوم وعن الحجامة وطلي النورة ويسمون هذا اليوم الميلاد الأكبر يعنون به الانقلاب الشتوي، ويقولون: إن فيه مخرج النور من حد النقصان إلى حد الزيادة، وتأخذ الإنس في النشوء والنماء والجن في الذبول والفناء، وفي التاسع عشر غاية طول الليل وقصر النهار، وفي الثالث والعشرين تنتهي زيادة النيل وتكثر الأنداء
ويسقط ورق الأشجار، وفي الخامس والعشرين ميلاد المسيح ﵇، وفي التاسع والعشرين ينهى عن شرب الماء عند النوم، ويقولون: إن الجن تتقيأ في الماء، ومن شربه يغلب عليه البله.
(كانون الثاني) أحد وثلاثون يوما، في اليوم الأول منه يرجى المطر وفقه القلفداس بالشام يوقدون نارا عظيمة، وفي السادس عيد الذبح زعموا أن فيه ساعة تصير فيها المياه المالحة عذبة، وفي العاشر صوم العذارى، وفي السابع عشر يذهب البرد ببلاد فارس، وفي الثاني والعشرين تنتهي الأربعينيات، وفي الرابع والعشرين يدور العشب في الأرض وتتزاوج الطيور، وفي الخامس والعشرين يزرع القطن والبطيخ وتغرس الأشجار بأرض الروم، وتكسح الكروم بأرض مصر، وتغتلم فحول الإبل.
(شباط) ثمانية وعشرون يوما، وفي السابع منه تسقط الجمرة الأولى، وفي الثالث عشر يجري الماء في العود من أسفله إلى أعلاه، وتنق الضفادع، وفي الرابع عشر صوم النصارى وتسقط الجمرة الثانية، وفي العشرين يخرج الذئب وتتحرك البراغيث، وفي الخامس والعشرين تزرع القثاء والبطيخ وتلد الوحوش ويصوت الطير وتطير الخطاطيف ويلد الماعز ويغرس شجر الورد ويزرع الياسمين والنرجس، ويورق الكروم ويكثر العنب، وفي الحادي والعشرين سقوط الجمرة الثالثة، معنى سقوط الجمرات: أن الناس كانوا يتخذون في قديم الزمان أخبية ثلاثة في الشتاء محيطا بعضها البعض، وكانت دوابهم الكبار كالإبل والبقر في البيت الأول، ودوابهم الصغار كالغنم في البيت الثاني، وهم كانوا في البيت الثالث وكانوا يشعلون النار في كل بيت ويتخذون الجمر؛ للاصطلاء، فلما كان السابع من شباط أخرجوا دوابهم الكبار إلى الصحراء، وجعلوا الصغار مكانها وهم سكنوا مكان الصغار فحينئذ سقطت من الجمرات الثلاث جمرة، فإذا مضى أسبوع آخر أخرجوا إلى الصحراء، وتركوا إشعال النار لقلة البرد وطيب الهواء فسقطت الجمرات الثلاث، وفي الخامس والعشرين يظهر الدفء وتهب الرياح اللواقح وتكسح الكروم، وفي السادس والعشرين أول أيام العجوز وأيام العجوز سبعة أيام ثلاثة من شباط وأربعة من آذار، قيل: إنها سميت أيام العجوز؛ لأن الله تعالى أهلك قوم عاد في هذه الأيام فتخلفت منهم عجوز كانت تنوح عليهم كل سنة في هذه الأيام، فهذه الأيام لا تخلو من برد أو رياح أو كدورة، فذهب بعضهم إلى أنها من الأمور الطبيعية وأن البرد يشتد في آخر الشتاء كما أن الحر يشتد في آخر الصيف، وذلك يجري مجرى السراج الذي فنيت رطوبته فإنه عند انطفائه يشتد ضوؤه دفعات.
(آذار) أحد وثلاثون يوما، في اليوم الأول يخرج الجراد والدبيب، وفي الرابع منه آخر أيام العجوز، وذهب بعضهم إلى أنها سميت أيام العجوز؛ لأن عجوزا كاهنة من العرب أخبرت قومها ببرد شديد في آخر الشتاء يسوء أثره على المواشي، فلم يكترثوا بقولها وجزوا أغنامهم واثقين بإقبال الربيع، فإذا هم ببرد شديد أهلك الزرع والضرع فنسبوا تلك الأيام إليها، وفي السابع اختلاف الرياح العواصف، وفي الثاني عشر يؤمر بالحجامة، وفي الثالث عشر تظهر الخطاطيف والحدأ، وفي السادس عشر تفتح الحيات أعينها في الأيام البرد؛ لأنها تجتمع في باطن الأرض فيظلم بصرها، وفي الثامن عشر يعتدل الليل والنهار وهو أول ربيع العجم وخريف الصين ويغلظ ماء البحر؛ لأن الشمس تبخر لطيف أجزائه، قالوا: إن العقيم من الرجال إذا نظر في ليلة هذا اليوم إلى الشهر، ثم جامع أهله ولدت، وفي هذا اليوم تهب الرياح اللواقح وتسنبل الحنطة، ويدرك النبق والباقلاء ويعقد اللوز والمشمش ويورق الشجر ويغرس الكرم ويخاف التمساح بمصر، وفي الخامس والعشرين غليان البحر.
(نيسان) ثلاثون يوما، في اليوم الأول منه يرجى المطر، وفي الرابع الشعانين، وفي الحادي عشر منه عيد النصارى، وفي العشرين منه تهيج الرياح الشرقية ويفرخ الطير، وفي الحادي والعشرين قيام سوق فلسطين، وفي الثاني والعشرين هبوب الجنوب وامتداد الأودية، وفي الثالث والعشرين موسم دير أيوب بالشام، وفي التاسع والعشرين يمتلئ الفرات، وفي الثلاثين يهيج الدم وتنعقد الثمار ويدرك اللوز.
(أيار) أحد وثلاثون يوما، في ثاني يوم منه عيد دير الثعالب، وفي السابع عيد الصليب، وفي الحادي عشر أول البوارح، وفي الخامس عشر عيد الورد المستحدث، وفي السادس عشر تهيج الصبا ويطيب ركوب البحر، وفي الرابع والعشرين يرتفع الطاعون بإذن الله ويخضر الزرع ويركب البحر وتبدو السمائم وتهب الشمال ويسودّ العنب وتبين زيادة نيل مصر وتهب الدبور، وفي الخامس والعشرين منه يعد الورد وفريك السنبل، وفي التاسع والعشرين سبت القيامة.
(حزيران) ثلاثون يوما، في الحادي عشر منه نوروز الخليفة ببغداد، فيه اللعب ورش الماء وغيرهما مما هو مشهور، وفي السادس عشر يتنفس نيل مصر وتفور المياه، وفي الثامن عشر غاية طول النهار وقصر الليل وهو الامتلاء الأكبر يعظمه العرب والعجم وهو الانقلاب الصيفي، وفي الثاني والعشرين يوضع المنجل في الزرع وتدرك الفاكهة، والبطيخ والتين والعنب ويشتد
الحر، وفي الخامس والعشرين مولد يحيى بن زكريا ﵉ وابتداء السمائم بالهبوب وهي أحد وخمسون يوما ويمتد جيحون، وفي الثامن والعشرين آخر البوارح، وفي التاسع والعشرين ينظر أصحاب التجارب بمصر فإن كثر فيه الندى قالوا: يمتد النيل وإن لم يكثر قالوا: لا يمتد.
(تموز) أحد وثلاثون يوما، في الخامس تطلع الشعرى، وبطلوعها يعرفون صلاح الزرع وفساده؛ وذلك أن أصحابه الفلاحة من العجم أخذوا لوحا قبل طلوع الشعرى بأسبوع وزرعوا عليه أصناف الحبوب فلما كانت الليلة التي طلعت فيها الشعرى وضعوا ذلك اللوح على موضع عال لا يحول بينه وبين السماء شيء فما أصبح مخضرّا من ذلك النبات فهو الذي صلح في تلك السنة، وما أصبح مصفرا فهو الذي فسد، وفي السابع يموت الجراد، وفي العاشر يقوم سرق بصرى، وفي الثامن عشر أول أيام الباحور وهي سبعة أيام متوالية يستدلون بكل يوم منها على شهر من أشهر الخريف والشتاء من تغيرات وتلون، وزعموا أنها للسنة كأيام البحران للمريض وأن كل شهر من تلك الأشهر حاله كحال يوم من تلك الأيام أولها وآخرها كآخرها في التغيرات، وفي الرابع والعشرين يشتد صولة الحر ويرتفع الطاعون ويكثر الرمد ويزرع البطيخ الشتوي والجزر والذرة وفي الخامس والعشرين ينتهى عن الجماع؛ لشدة الحر، وفي السابع والعشرين يحمر البسر ويقطف العنب والقصب النبطي وتفور المياه وتنضج الفواكه كلها، وفي الثلاثين عيد كنيسة مريم ﵍.
(آب) أحد وثلاثون يوما، في الأول وفاة مريم ﵍، وفي السادس أول عيد التجلي، وفي التاسع تختلف الرياح، وفي العاشر يقوم سوق عمان، وفي الثاني عشر يبدو هواء العراق، وفي السابع عشر آخر عيد التجلي، وفي الثامن عشر تهيج الرياح البوارح ويكثر الرمان ويصفر الأترنج، وفي العشرين آخر السموم، وفي الثاني والعشرين فتور الحر، وفي السادس والعشرين يهيج الدم، وفي الثامن والعشرين يطيب الماء ويكثر الرطب والعنب، ويسقط الطل والمن والسلوى بالشام.
(أيلول) ثلاثون يوما، في الأول عيد رأس السنة وتمامها ويكون سوق منبج، وفي الثالث يبتدأ بإيقاد النار في البلاد الباردة، وفي الثاني عشر يفصد ويشرب الدواء، وفي الثالث عشر تنتهي زيادة النيل في مصر وعيد كنيسة القيامة، وفي الرابع عشر عيد الصليب، وفي السادس عشر فطام الأطفال، وفي الثامن عشر اعتدال الليل والنهار وهو أول الخريف عند العجم والربيع عند الصينيين، وزعموا أن المطر في السحاب الذي يرتفع فيه يصبى الروح ويبرئ الجسد، وفي العشرين يرجع الماء من أعالي الشجر إلى عروقه، وفي الرابع والعشرين زعم أصحاب التجارب أنها تهب الرياح وتأتي الغربان البقع في أكثر البلاد، وهذه أمور تتكرر في كل سنة على رأي أصحاب التجارب في الأوقات المذكورة.
النص من طبعة مكتبة الثقافة الدينية بالقاهرة (٢٠٠٦م) كما في المكتبة الشاملة، بلا حواشي المحقق. مصادر الموقع