تجاوز إلى المحتوى

من «عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات» لزكريا القزويني (ت ٦٨٢هـ)

فصل: في شهور العرب

الشهر عندهم عبارة عن الزمان الذي بين الهلالين، ويتفق ذلك في كل سنة من سنينهم اثنتي عشرة مرة؛ لأن سنينهم ثلاثمائة وأربعة وخمسون يوما وكسر من يوم، فإذا جعلنا شهرا ثلاثين، وشهرا تسعة وعشرين صارت الشهور منطبقة على أيام السنة، وإذا صارت الكسور يوما زادوه في آخر ذي الحجة، وقد نطق بذلك الكتاب المجيد: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التوبة: ٣٦]، والأشهر الحرم: رجب، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم. واحد فرد وثلاثة سرد للمحرم زيادة وقع عند الله تعالى، فالطاعات فيها أكثر ثوابا والمعاصي أعظم عقابا، وهذه الأشهر كانت محرمة في الجاهلية، وكانت العرب في هذه الأشهر تنزع الأسنة عن رماحها، وتقعد عن شن الغارات، وكان الخائف فيها يأمن من أعدائه حتى إن الرجل إذا لقي قاتل أبيه، أو أخيه لم يتعرض له، فلنذكر الآن الشهور.

(المحرم) سمي محرما لحرمة القتال فيه، فاليوم الأول منه معظم عند ملوك العرب يقعدون للهناء كما أن اليوم الأول من سنة الفرس كان عندهم معظما وهو النيروز والسابع منه هو الذي خرج فيه يونس من بطن الحوت، وقيل: إنه كان في رابع عشر ذي القعدة، والعاشر منه يوم عاشوراء يوم معظّم في جميع الملل؛ لأنه فيه تاب الله تعالى على آدم ﵇، واستوت

السفينة على الجودي، وولد الخليل وموسى عيسى ﵈، وبردت النار على إبراهيم ﵇، ورفع العذاب عن قوم يونس، وكشف ضر أيوب، ورد على يعقوب بصره، وأخرج يوسف من الجب، وأعطي سليمان ملكه، وأجيب زكريا حين استوهب يحيى، وهو يوم الزينة الذي غلب فيه موسى السحرة، ولما قدم النبي ﷺ المدينة وجد يهودها يصومون عاشوراء فسألهم عن ذلك فقالوا: إنه اليوم الذي غرق فيه فرعون وقومه، ونجا موسى ومن معه، فقال ﵊: «أنا أحق بموسى منهم فأمر بصوم عاشوراء».

وكان الإسلاميون يعظمون هذا الشهر بأجمعهم، حتى اتفق في هذا اليوم الحسين ﵁ مع كثير من أهل البيت، فزعم بنو أمية أنهم اتخذوه عيدا فتزينوا فيه، وأقاموا فيه الضيافات، والشيعة اتخذوه يوم عزاء ينوحون فيه، ويجتنبون الزينة وأهل السنة يزعمون أن الاكتحال في هذا اليوم مانع من الرمد في تلك السنة، والسادس عشرة منه جعلت القبلة لبيت المقدس، والسابع عشر منه فيه قدوم أصحاب الفيل فأرسل الله عليهم طيرا أبابيل.

(صفر) سمي صفرا؛ لأن الرباع كلها تصفر من أهلها؛ لأنهم خرجوا للقتال لانقضاء الأشهر الحرم، وذهب الجمهور إلى أن القعود في هذا الشهر أولى من الحركة، وروي عن النبي ﷺ أنه قال: «من بشرني بخروج صفر أبشره بالجنة»، اليوم الأول منه عيد بني أمية، أدخلت فيه رأس الحسين ﵁ بدمشق، والعشرون منه ردّت رأس الحسين إلى جثته، وترك المأمون لبس الخضرة وعاد إلى السواد بعدما لبسها خمسة أشهر ونصف، والثالث والعشرون منه عاد الأمر إلى بني هاشم، وجلس السفاح للخلافة، والرابع والعشرون منه دخل النبي ﷺ الغار مع أبي بكر ﵁.

(ربيع الأول) سمي ربيعا؛ لارتباع الناس والمقام فيه، هو شهر مبارك فتح الله فيه أبواب السعادات على العالمين بوجود سيد المرسلين ﷺ، الثامن منه قدم رسول الله ﷺ المدينة، والعاشر منه تزوج رسول الله ﷺ خديجة ﵂، والثاني عشر منه مولد رسول الله ﷺ.

(ربيع الآخر) في اليوم الثالث منه رمى الحجاج الكعبة بالنار في حصار ابن الزبير فاحترقت، والرابع عشر منه فيه تقرر فرض الصلاة، وفي الحادي والعشرين غزوة رسول الله ﷺ.

(جمادى الأولى) إنما سميا بذلك والأخرى؛ لأنهما صادفا أيام الشتاء حين اشتد البرد وجمد الماء، في الثامن منه مولد علي بن أبي طالب ﵁، وفي الخامس عشر وقعة الجمل.

(جمادى الأخرى) زعموا أن الحوادث العجيبة كثيرا ما تقع في هذا الشهر حتى قالوا:

العجب كل العجب بين جمادى ورجب، في اليوم الأول منه نزل الملك على رسول الله ﷺ، وفي السادس ولاية عمر بن الخطاب ﵁، وفي التاسع مولد جعفر الصادق، وفي الرابع عشر مولد موسى بن جعفر، وفي الخامس عشر هدم ابن الزبير الكعبة بيده؛ لحديث سمعه من عائشة ﵂، وردّها على هيئة ما كانت عليه في زمن الخليل ﵇، وفي العشرين مولد فاطمة ﵂.

(رجب) سمي رجب؛ لأنه رجب، أي: عظم، ويقال له أيضا: الأصم؛ لأنه لا يسمع فيه صوت مستغيث، وقيل: لأنه لا يسمع فيه قعقعة السلاح، ويقال له أيضا: الأصب؛ لأن الله تعالى يصب فيه الرحمة والمغفرة على عباده، وقد وردت فيه أحاديث كثيرة دلت على عظم شأنه، وعلى أن الطاعات فيه مقبولة، والدعاء فيه مستجاب، وكان في الجاهلية إذا أراد المظلوم أن يدعو على الظالم أخّره إلى دخول رجب ودعا عليه فيستجاب له، وفي اليوم الأول منه ركب نوح السفينة، وفي الرابع وقعة صفين، وفي الثاني عشر مولد جعفر الصادق، وفي الخامس عشر يوم أم داود وصلواتها التي تستجاب، وفي السابع والعشرين ليلة المعراج، وفي الثامن والعشرين البعثة النبوية.

(شعبان) سمى شعبان؛ لتشعب القبائل فيه، اليوم الثالث منه مولد الحسين، وفي الرابع مولد الحسن ﵄، وفي الخامس عشر ليلة الصك وهي ليلة يغفر الله تعالى فيها أكثر من شعر غنم بني كلب، وفي السادس عشر صرفت القبلة إلى الكعبة، والعشرون منه النيروز المعتضدي.

(رمضان) سمي رمضان؛ لمصادفته شدة الرمضاء في أول الوقت، وفي أوله فتحت أبواب الجنة، وأغلقت أبواب النيران، وصفدت الشياطين، وفي الثالث أنزلت صحف إبراهيم ﵇، وفي الرابع أنزل القرآن على رسول الله ﷺ، وفي السابع أنزلت التوراة على موسى ﵇، وفي الثامن أنزل الإنجيل على عيسى ﵇، وفي التاسع عشر فتحت مكة، وفي الحادي والعشرين ليلة القدر على رأي وهي الليلة المباركة التي يفرق فيها كل أمر حكيم، والثالث والعشرون قيل: ليلة القدر على رأي آخر، وفي الخامس والعشرين ظهور الدولة العباسية بخراسان بدعوة أبي مسلم، وفي السابع والعشرين وقعة بدر ونزول الملائكة لنصرة النبي ﷺ وليلته هي ليلة القدر على رأي حسن، وفي اليوم الأخير أعتق الله فيه بعدد ما أعتق من أول الشهر إلى آخره وله عند الفطر كل ليلة سبعون ألف ألف عتيق من النار.

(شوال) سمي شوالا؛ لإشالة الإبل أذنابها عند اللقاح في ذلك الوقت؛ لأنه أول أشهر الحج، في اليوم الأول منه عيد الفطر، ويقال له: يوم الرحمن؛ لأن الله تعالى يرحم فيه عباده، وفيه أوحى الله تعالى إلى النحل صنعة العسل، وفي الرابع منه خرج رسول الله ﷺ؛

لمباهلة نصارى نجران، وفي السابع عشر منه غزوة أحد، ومقتل حمزة ﵁، وفي الخامس والعشرين إلى آخر الشهر هي الأيام النحسات أهلك الله تعالى فيها عادا، وقيل: إنها أيام العجوز التي كانت تنوح عليهم كل سنة.

(ذو القعدة) سمي ذا القعدة؛ لأنهم كانوا يقعدون فيه عن القتال؛ لكونه أول الأشهر الحرم، في الأول منه واعد الله تعالى موسى ثلاثين ليلة، وفي الخامس رفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ﵉، وفي السابع منه فلق البحر لموسى ﵇، وفي الرابع عشر خرج يونس ﵇ من بطن الحوت، وفي التاسع عشر أنبت الله تعالى عليه شجرة من يقطين، ونزل جبريل بالوحي على رسول الله ﷺ.

(ذو الحجة) سمي الحجة؛ لأنهم كانوا يحجون فيه، العشر منه: الأيام المعلومات وهي أحب الأيام إلى الله تعالى، في اليوم الأول تزوج علي بفاطمة ﵄، الثامن منه يوم التروية، وسقاية الحاج بالمسجد الحرام تملأ، ويسقى الحجيج في الجاهلية والإسلام حتى تروى، والتاسع منه يوم عرفة، والعاشر يوم النحر، وفيه فدي الذبيح بالكبش، وثلاثة أيام بعده أيام التشريق، الثاني عشر منه عيد الغدير وهو اليوم الذي واخى النبي ﷺ عليّا رضي الله تعالى عنه فيه، وفي الرابع عشر تصدق علي ﵁ بخاتمة في الصلاة، وفي السادس والعشرين نزل الاستغفار على داود ﵇، وفي السابع والعشرين منه واقعة الحرة، وفي الثامن والعشرين منه خلافة علي ﵁.

النص من طبعة مكتبة الثقافة الدينية بالقاهرة (٢٠٠٦م) كما في المكتبة الشاملة، بلا حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.