تجاوز إلى المحتوى

من «عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات» لزكريا القزويني (ت ٦٨٢هـ)

فصل: في شهور الفرس

وهي متساوية في العدد؛ لأن أيام سنتهم عددها ثلاثمائة وخمسة وستون يوما فجعلوا كل شهر ثلاثين يوما، ووضعوا في آخر السنة خمسة أيام، والشهر عندهم لا يكون على أسابيع كما هو عند العرب، بل هو عندهم من أول الشهر إلى آخره، ولكل يوم اسم يعرف به ذلك اليوم ويتميز به عن غيره من الأيام، وهذه صورها:

(ا) هرمز (ب) بهمز (ج) أردبهشت (د) شهرير (هـ) استداند (و) حوادار (ز) مرداد (ح) دي بادر (ط) إحدى (ي) دي (يا) حور (يب) ماء (يج) تبر (يد) كوش (يه) ذي بهمر (يو) مهر (يز) سروسن (يح) رشن (يط) قردوميز (ك) بهرام (كا) رام (كب) بادر (كج) دي بديز (كد) دي (كه) أرد (كو) اشتاد (كز) اسمان (كح) زاميار (كط) مارال (ل) أنير، وإنما وضعوا لكل يوم من الأيام اسما؛ لأن لهم في كل يوم مأكولا وملبوسا ومشموما تخالف غيرها، ولهم أعياد منها ما هو موضوع لأمور دنياوية، ومنها ما هو موضوع لأمور دينية، أما الدنياوية فقد وضعها ملوك الفرس؛ ليتوصلوا بها إلى سرور النفس مع اكتساب الدعاء والحمد والثناء أخذها الخلف عن السلف تيمنا وتفاؤلا، وأما الدينية فقد وضعه أرباب الديانات، والمطلوب منها الخيرات والسعادات الأخروية فيما يرونه، ونحن نذكر ما كان في كل شهر إن شاء الله تعالى وبالله التوفيق.

(فروردين ماه) اليوم الأول منه النيروز وهو أول يوم من السنة، واسمه بالفارسية يعطي هذا المعنى، وزعموا أن الله تعالى في هذا اليوم أدار الأفلاك وسير الشمس والقمر وسائر

الكواكب، واسم هذا اليوم هرمز وهو اسم من أسماء الله تعالى، قالوا: في هذا اليوم قسم الله السعادات لأهل الأرض، ومن ذاق صبيحة هذا اليوم قبل الكلام السكر وتدهن بالزيت رفع عنه البلاء في عامة سنته، ويتفاءلون بما وقع لهم في هذا اليوم. وكان الملك يجلس في هذا اليوم ويأتيه كل واحد من خدمه وحشمه بطرفة عجيبة، وإذا استيقظ من نومه أول ما تقع عينه على غلام حسن الوجه على فرس حسن على يده بازي حسن فإن هذا الشكل أحسن الأشكال قد أهدى إلى بعض خواصه، والسابع عشر منه سروش روز، وسروش اسم ملك هو رقيب الليل قيل: إنه جبريل ﵇ وهو أشد الملائكة على الجن والسحرة فيطلع على الخلق بالليل ثلاثا، بالأولى يبرد الجو وتعذب المياه، وبالمرة الأخيرة طلوع الفجر واعتزاز النبات ونماء الزهر وترويح العليل وصدق الرؤيا، التاسع عشر فردورميز روز عيد يسمى فردوميزجان لموافقة اسمه اسم الشهر وذلك جار في كل شهر يعني: إذا كان اسم اليوم يوافق اسم الشهر كان عيدا، وملوك الفرس اتخذوا هذا الشهر كله أعيادا، وجعلوه أسداسا كل سدس خمسة أيام، فالأول للملوك، والثالث لحرم الملوك، والرابع للحاشية، والخامس للعامة، والسادس للرعاة، وكان من رسم الأكاسرة أن يأمروا بإعلام الناس بجلوسه لهم عامة، وفي اليوم الثاني لمن هو أرفع مرتبة كالدهاقين والمشايخ وأرباب البيوت، وفي اليوم الثالث لأساورته وعظمائه، وفي اليوم الرابع لأهل بيته وخاصته، وفي اليوم الخامس لأولاده، وكان يوصل إلى أحد في كل يوم ما يستحقه من الإنعام والإكرام، وفي اليوم السادس كان فارغا عن قضاء الحقوق لم يصل إليه إلا أهل أنسه، وكان يأمر بإحضار الهدايا يتأملها.

(أردبيهشت ماه) اليوم الثالث منه أردبيهشت روز عيد يسمى أردبيهشت، كان لاتفاق العيدين وأردبيهشت اسم ملك النار والنور وكله الله تعالى بذلك على زعمهم بإزالة العلل والأمراض بالأدوية والأغذية، واليوم السادس منه هو اشتاذروز، وهو أول الكهنبار، والكهنبارات ستة، كل واحد خمسة وهي أيام عبادات للمجوس وضعها زرادشت نبي المجوس.

(خرداد ماه) اليوم السادس منه خرداد ماه روز، سمي خرداد، كان لاتفاق الاسمين وهو اسم الملك الموكل بالنبات والأشجار يربيها ويدفع النجاسات عن المياه، واليوم السادس والعشرون وهو اشتادروز أول الكهنبار الرابع، فيه خلق الله النبات والأشجار، واليوم الثلاثون هو نيران روز وهو آب ريزكان يعني عيد الاغتسال.

(تير ماه) اليوم السادس منه وهو يوم خرداد: عيد يسمى جشن نيلوفر، وهو مستحدث، واليوم الثالث عشر منه نيروز يسمى النيركان لاتفاق الاسمين، ذكروا أن في هذا اليوم طلب منوجهر من أفراسياب لما تغلب على إيران شهر أن يردها عليه فأنعم عليه بها وكان منوجهر متحصنا بطبرستان، واليوم السادس عشر مهرروز ومهر اسم الشمس هو أول الكهنبار الخامس، زعموا أنه يوم خلق الله تعالى فيه البهائم.

(شهرير ماه) السادس عشر منه مهر روز عيد عظيم الشأن يعرف بالمهرجان لأن اسمه موافق لاسم الشهر وكانت الأكاسرة في هذا اليوم يلبسون أبناءهم تاج الذهب الذي كان عليه صورة الشمس وعجلتها الدائرة عليها؛ لأن مهر اسم الشمس، وذكروا أن هذا يوم خروج أفريدون بعد أن أهلك الضحاك بيوراسف كل من كان ينسب إلى جمشيد، وفريدون وضعته أمه في غار وتركته وكانت تأتيه بقرة وحش فترضعه حتى وثب على الضحاك وطرده وأخرج أفريدون ونزلت الملائكة لعونه، وذكروا أن في هذا اليوم دحا الله الأرض وجعل الأجساد قرار الأرواح، وقالوا: من أكل يوم المهرجان شيئا من الرمان وشم ماء الورد دفع عنه آفات كثيرة، واليوم الحادي والعشرون هو رام روز وهو اليوم الذي ظفر فيه أفريدون بالضحاك وأسره فقال لأفريدون: لا تقتلني فأجابه إلى ذلك وحبسه بجبل نهاوند مسلسلا في غار فيه.

(أبان ماه) اليوم العاشر منه أبان روز، يسمى أبان كان لاتفاق الاسمين، قالوا: فيه أمر بعمارة الأرض وحفر أنهارها واتصل الخبر بالأقاليم السبعة والخمسة الأخيرة من هذا الشهر أولها اشتادروز وتسمى الفزورجان فيها وكانوا يصنعون فيها الأطعمة والأشربة في النواويس على ظهورها يزعمون أن أرواح موتاهم تخرج في هذه الأيام من مواضع ثوابها وعقابها فتأتيها وتنسف قوتها ويدخنون بيوتهم بالراسن لتستلذ الموتى برائحته.

(آذر ماه) اليوم الأول منه هو يوم هرمز، فيه ركوب الكوسج وهو سنة لهم كان يركب في هذا اليوم رجل كوسج حمارا في أطمار من الثياب وقد تناول الأطعمة الحارة والأشربة المسخنة وطلى بدنه بالأدوية، وفي يده مروحة يتروح بها، ويقول: الحر الحر والناس يتضاحكون ويرمونه بالثلج والجمد فيصيب بذلك خيرا من الناس، وبقي بذلك في عقبه إلى أن ضرب السلطان علي ذلك ضربته، وكان مع الكوسج نقيع المغرة وهي طين أحمر يلطخ به ثياب من لم يسمح له بشيء، وفي هذا اليوم استخرج اللؤلؤ من البحر ولم يكن يعرف قبل ذلك. قالوا: إنه يوم قضى الله فيه

الخير والشر، وزعموا أن من طعم صبيحة هذا اليوم قبل الكلام سفرجلا وشم أترنجا سعد في سائر سنته، واليوم التاسع هو أذرروز، عيد يسمى آذر جشن لاتفاق الاسمين وفيه اصطلوا بالنار وآذر اسم الملك بجميع النيران وقد أمر زرادشت أن تزار في هذا اليوم بيوت النيران، وتقرب القرابين، ويشاور في أمور العالم.

(دي ماه) ويسمى أيضا جرماه اليوم الأول منه يسمى حزم روز وهو اسم الله تعالى وكان الملك في هذا اليوم ينزل عن سرير الملك، ويلبس الثياب البيض يرفع الحجاب ويترك هيئة الملك وينظر في مصالح الناس ويخاطبه كل من شاء من الوضيع والشريف ويجالس الدهاقين والمزارعين ويواكلهم ويقول: أنا كواحد منكم ولا قوام للدنيا إلا بالعمارة التي تجري على أيديكم، وقوام العمارة بالملك لا غنى لأحدهما عن الآخر، ونحن كأخوين متلازمين، واليوم الحادي عشر أول الكهنبار الأول وفيه خلق الله السموات، واليوم الرابع عشر زور كوش، فيه عيد يسمى عيد سيرسو يتناول فيه الثوم والخمر، ويطبخ فيه النبات باللحم التي يتحرز به عن الشياطين وبها يتداوى من العلل المنسوبة إلى الأرواح السوء، واليوم الخامس عشر وهو سمهور روز: عيد يتخذ فيه شخص من عجين أو طين على هيئة إنسان ويوضع في مدخل الأبواب ويخدم خدمة الملوك ثم يحرق وفي هذا اليوم اتفق فطام أفريدون وركوب الثور وزعموا أن من أطعم صبيحة هذا اليوم قبل الكلام تفاحا وشم نرجا عاش سنته بخير وخصب، وأن التدخين في ليلته بالسوسن أمان في العام من القحط والفقر، واليوم السادس عشر هو مهرروز عيد كاوكيل، زعموا أن جمعا من الفرس تخلصوا في هذا اليوم من بلاد الترك وساقوا البقر التي سبيت منهم، وزعموا أن في ليلة هذا اليوم يظهر ثور عجلة القمر وهو ثور قرناه من ذهب وقوائمه من فضة، يظهر ساعة ثم يغيب، والموفق لرؤيته مجاب الدعوة في ساعة النظر إليه.

(بهمن ماه) اليوم الثاني منه بهمن روز عيد يسمى بهمنجة لاتفاق الاسمين وهو الملك الموكل بالبهائم التي يحتاج الناس إليها للعمارة وأهل فارس كانوا يطبخون فيه قدورا يجمعون فيها من كل حب ولحم، ويشربون فيه اللبن، ويزعمون أن ذلك يصلح للحفظ ولهذا اليوم خاصية في لقط الأدوية من الجبال والأودية واتخاذ الأدهان وتهيئة البخور والدخن، وزعموا أن ذلك وضع جاماسب الوزير ونفعها بين. واليوم الخامس وهو يوم اسفندار مد عيد يسمى نوسدة

ومعناه البندق الجديد وهو من مآثر هو راسف، واليوم العاشر وهو أبان يسمى أبان عيد ويسمى السدق وتفسيره المائة، وقيل: إنه إنما سمي سدقا لأنه بقي إلى آخر السنة مائة يوم. وقيل: لأنه تم في هذا اليوم عدد المائة من الآب الأول وهو كيومرت قالوا: إن الشتاء يخرج من جهنم إلى الدنيا في هذا اليوم والناس في هذا اليوم يوقدون نيرانا وينحرون قرابين لدفع مضرته حتى صار من رسم الملوك في هذه الليلة إيقاد النيران وإرسال الطيور والوحش وقد شدوا فيه باقات من الشوك مشتعلة مع الشرب والتلهي، واليوم الثلاثون وهو أنيران روز عيد يسمى إبريز، كان بأصبهان وتفسيره صب الماء والسبب فيه أن القطر احتبس في زمان فيروز جد أنوشروان وأجدب الناس فترك فيروز الخراج وفتح الخزائن واستدان من بيوت النيران وجاد بها على الرعية وتفقدهم تفقد الوالد الولد حتى لم يمت في تلك السنين أحد جوعا ثم صلى ودعا الله تعالى بإزالة ذلك عن الخلق ودخل بيت النار وأدار يده وساعده حوالي اللهيب وضمه إلى صدره ثلاث مرات ضم الصديق صديقه وبلغ اللهب لحيته ولم تحترق وكان ذا لحية كثة ثم قال: اللهم إن كان هذا الاحتباس من أجلي وسوء سيرتي فبين لي حتى أخلع نفسي، وإن كان لغيري فبين لي وأزل عن أهل الدنيا ذلك وجد عليهم بالمطر ثم خرج من بيت النار فارتفعت سحابة وأبلت بأمطار لم يعهد مثلها غزارة، فأيقن فيروز بإجابة دعائه وجرت المياه في الخيام والسرادقات وكان الناس يصب بعضهم على بعض فرحا وسرورا فصار ذلك سنة لهم إلى هذا الوقت.

(اسفندار مذماه) اليوم الخامس وهو اسفندار مذروز عيد لاتفاق الاسمين وهو اسم الملك الموكل بالأرض والمرأة الصالحة المحبة لزوجها وهذا عيد خاص للرجال والنساء يحسن بعضهم إلى بعض ويتخذون فيما بينهم العهود وقد بقي هذا بأصبهان يسمونه مرزكيران، وهذا اليوم تكتب فيه الرقاع لدفع الهوام والحشرات فيكتبون من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس الرقية المعرفة، ويلصقون ثلاثة منها على الجدران الثلاثة من البيت، ويتركون الجدار المقابل لصدر البيت.

(القول: في السنين) السنة عند العرب اثنا عشر شهرا وعند العجم كذلك إلا أن العرب تجعل شهورها على مدار الأهلة وأيامها ثلاثمائة وأربعة وخمسون يوما. وأما العجم فجعلوا

شهورهم على مدار الشمس وأيامها ثلاثمائة وخمسة وستون يوما، وفي هذه المدة تقطع الشمس دائرة الفلك، فسنو العرب قمرية، وسنو العجم شمسية، والتفاوت بينهما كل مائة سنة ثلاث سنين، قال الله تعالى: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً﴾ [الكهف: ٢٥] بحساب العرب، وأول السنة الشمسية مسامته الشمس لنقطة الاعتدال الربيعي، ثم تتحرك متوجهة نحو الشمال حتى تبلغ غايتها في الشمال، ثم ترجع متوجهة إلى نقطة الاعتدال الخريفي حتى تصير مسامته لها، ثم تتحرك متوجهة نحو الجنوب حتى تبلغ غايتها في الجنوب ثم ترجع متوجهة إلى نقطة الاعتدال الربيعي فلهذا الاعتبار قسموا السنة أربعة أقسام كل قسم فصل ومن جملة لطف الله تعالى أن أعطى كل فصل طبقة مغايرة لما بعده في كيفية أخرى ليكون ورود الفصول على الأبدان بالتدريج، فلو انتقل من الصيف إلى الشتاء دفعة واحدة لأدى ذلك إلى تغيير عظيم في الأبدان، فحسبك ما ترى من تغيير الهواء في يوم واحد من الحر إلى البرد كيف يظهر مقتضاه في الأبدان فكيف إذا كان مثل هذا التغيير في الفصول، فسبحانه ما أعظم شأنه وأكثر امتنانه.

(أما الرابيع) فهو نزول الشمس أول دقيقة من برج الحمل، فعند ذلك استوى الليل والنهار في الأقاليم، واعتدل الزمان، وطاب الهواء، وهب النسيم، وذابت الثلوج، وسالت الأودية، ومدت الأنهار، ونبعت العيون، وارتفعت الرطوبات، إلى أعلى فروع الأشجار، وتلألأ الزمر، وأورق الشجر، وتفتح النوار، واخضر وجه الأرض، وتكونت الحيوانات ونتجت البهائم، ودرت الضروع وطاب عيش أهل الزمان، وأخذت الأرض زخرفها وازينت الدنيا كأنها جارية شابة تجلت وتزينت للناظرين. فلا يزال كذلك دأبها ودأب أهلها إلى أن تبلغ الشمس آخر الجوزاء فحينئذ ينتهي الربيع ويقبل الصيف.

(وأما الصيف) فهو نزول الشمس أول السرطان، فعند ذلك تناهى طول النهار وقصر الليل، ثم أخذ في الزيادة، واشتد الحر وسخن الهواء، وأدركت الثمار، وجفت الحبوب، وقلت الأنداء، وأضاءت الدنيا، وسمنت البهائم، واشتدت قوة الأبدان، وانتشرت الحيوانات على وجه الأرض بعموم الخير، وطاب عيش أهل الزمان، وكثرت السموم، ونقصت الأنهار، ونضبت المياه، وأدرك الحصاد، ودرت الأخلاق، واتسع للناس القوت، وللطير الحب، وللبهائم العلف،

وتكامل زخرف الأرض، وصارت الدنيا كأنها عروس حسناء ذات جمال كثيرة العشاق ولا تزال كذلك إلى أن تبلغ الشمس آخر السنبلة فعند ذلك انتهى الصيف وأقبل الخريف.

(وأما الخريف) فهو وقت نزول الشمس في أول الميزان فعند ذلك استواء الليل والنهار ومرة أخرى، ثم ابتداء الليل بالزيادة، كما ذكرنا أن الربيع زمان استواء الأشجار وربو النبات وظهور الأزهار، فبالخريف ذبول النبات وتغير الأشجار وسقوط أوراقها، فحينئذ برد الماء، وهبت الشمال وتغير الزمان، ونقصت المياه، وجفت الأنهار، وغارت العيون، ويبست أنواع النبات، وماتت الهوام، وانحجزت الحشرات، وانصرف الطير والوحش لطلب البلدان الفيئة، وادخر الناس قوت الشتاء ودخلوا البيت ولبسوا الجلود الغليظة من الثياب وتغير الهواء وصارت الدنيا كهلة تولت عن أيام الشباب، ولا تزال كذلك إلى أن تبلغ الشمس آخر القوس وقد انتهى الخريف وأقبل الشتاء.

(وأما الشتاء) فهو وقت نزول الشمس أول الجدي فعند ذلك تناهى طول الليل وقصر النهار ثم أخذ النهار في الزيادة واشتد البرد وخشن الهواء وتعرى الأشجار عن الأوراق وانحجزت الحيوانات في أطراف الأرض وكهوف الجبال من شدة البرد وكثرة الندى وأظلم الجو، وكلح وجه الزمان، وهزلت البهائم، وضعفت قوى الأبدان ومنع البرد الناس عن التصرف ومن عيش أكثر الحيوان وبرد الماء الذي هو مادة الحياة، وانقطع الذباب والبعوض، وعدمت ذوات السموم من الهوام وطاب الأكل والشرب، وهو زمان الراحة والاستماع، كما أن الصيف زمان الكد والتعب، قيل: من لم يغل دماغه في الصيف، لم يغل قدره في الشتاء.

وصارت الدنيا كأنها عجوز هرمة دنا موتها، فلا تزال كذلك إلى أن تبلغ الشمس آخر الحوت، وقد انتهى الشتاء وأقبل الربيع مرة أخرى، ولا يزال كذلك إلى أن يبلغ الكتاب أجله.

النص من طبعة مكتبة الثقافة الدينية بالقاهرة (٢٠٠٦م) كما في المكتبة الشاملة، بلا حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.