تجاوز إلى المحتوى

من «عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات» لزكريا القزويني (ت ٦٨٢هـ)

فصل: في انقلاب هذه العناصر بعضها إلى بعض

أما الهواء فينقلب ماء كما يشاهد في القطرات المجتمعة على سطح الإناء المنخذ من الصفر، فإنك إذا تركت فيه ماء يرى على أطراف الإناء قطرات من الماء، ومعلوم أن ذلك ليس من ترشح الإناء، بل سببها أن الهواء المحيط بالكون يصير باردا بسبب برودة الجمد، فيصير ماء ويقع على أطراف الإناء، والماء أيضا ينقلب هواء كما يشاهد من البخارات الصاعدة من حرارة الشمس أو النار، والهواء ينقلب نارا كما يشاهد من السموم في بعض المواضع عند شدة الحر وكما نرى من كير الحدادين إذا بالغوا في نفخه فإن هواءه يصير بحيث إذا دنا منه شيء يحترق، والماء ينقلب أرضا كما نرى من بعض المياه أنها تصير حجرا، والأرض تنقلب ماء كما يفعله أصحاب الإكسير بسحق أجزائها، وخلط بعض الأدوية بها حتى تصير كلها ماء، ولا يبقى فيها أجزاء الأرضية، والله تعالى هو الموفق للصواب.

(النظر الأول: في كرة النار) النار جرم بسيط طباعه أن يكون حارّا يابسا مكانه تحت كرة الفلك لا لون لها. زعموا أن النار الصرف لا يدركها البصر؛ لأنا نرى الشمع إذا اشتعل كانت شعلته منفصلة، عن الفتيلة، ولا شك أن الحرارة عند اتصال الفتيلة أقوى، وأيضا إن كير الحدادين إذا بالغوا في نفخه صار هواء، بحيث إذا دنا منه شيء يحترق ولا ضوء له، فعلم أن النار القوية الصرف لا لون لها، والنار هي فوق العناصر في غاية القوة والخواص، فلذلك لا تدركه الأبصار، انظر إلى حكمة الباري كيف جعل كرة الأثير دون فلك القمر كيما تحترق بحرارتها الأدخنة الغليظة الصاعدة، وتلطف البخارات العفنة ليكون الجو أبدا شفافا، وجعلها طبقة واحدة شديدة الحرارة محيلة لكل ما وصل إليها من الأبخرة والأدخنة نارا صرفا لما ذكرنا من الحكمة، وخلقها غير ملونة إذا لو كانت مضيئة كالنار التي عندنا لمنعت الإبصار عن رؤية عالم

الأفلاك، ثم حجبها بكرة الزمهرير ليمنع برد الزمهرير رهج الأثير عن الحيوانات والنبات، وإلا لأدى إلى هلاكها ثم أي شيء أعجب من خروج هذا الجرم النوراني من الحديد والحجر الكثيفين، أو من الشجر الأخضر الذي يخالف طبيعة النار، أو من الحرارة والضياء اللتين يلازمانها ثم من غلبتها وسلطانها على الأجسام حتى على الصخرة الصماء، فتجعلها ترابا، وعلى الحديد فتذيبه، وإذا تفكرت في المصابيح المتعلقة بها للخلق سيما لنوع الإنسان وجدت فهم الإنسان عن ضبطها قاصرا ولهذا قال تعالى: ﴿نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً وَمَتاعاً لِلْمُقْوِينَ (٧٣) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٧٣ - ٧٤]، فسبحان ما أعظم شأنه.

(ومن النيران) العجيبة نار خلقها الله لقبول القرابين تنزل من السماء تأكل القربان المقبول، وهي التي أكلت قربان هابيل دون قربان قابيل، وكان ذلك الامتحان في بني إسرائيل أيضا إذا أرادوا امتحان إخلاصهم تركوا القربان في بيت لا سقف له ونبيهم يدخل البيت ويدعو الله تعالى، والناس خارج البيت فينزل من السماء نار بيضاء لها دوي محيط بالقربان فتأكله، وهي التي أخبر الله تعالى عنها حيث قال: ﴿الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ عَهِدَ إِلَيْنا أَلاّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النّارُ﴾ فهذه نار الرضا، فسبحان من جعلها مرة للرضا ومرة للسخط.

(ومنها نار) جعلها الله تعالى لسخطه كنار أصحاب الجنة التي ذكرها الله تعالى، وهو أنه كان لرجل صالح بستان إذا كان يوم قطافه يطعم من جاء من المساكين، فلما مات عزم أولاده على أن لا يعطوا المساكين شيئا يقطفوها سرّا، فلما ذهبوا إليها وجدوها قد احترقت فلما رأوها قالوا: ﴿إِنّا لَضَالُّونَ (٣٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ إلى قوله: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ﴾ [القلم: ٢٦ - ٣٠].

(ومنها نار الصاعقة) وهي نار تسقط من السماء تحرق أي جسم صادفته، وتتتقد في الصخرة الصماء لا يرد عليها إلا الماء، ذكروا أنها ربما تحجرت فتصير ألماسا فقطاع الألماس منها، والله تعالى أعلم بذلك.

(ومنها نار الحرتين) كانت ببلاد عبس فإذا كان الليل تسطع من السماء، وكانت بنو طيئ تنفش بها إبلها من مسير ثلث وربما بدر منها عبق، فيأتي كل شيء بقربها فتحرقه، وإذا كان النهار كانت دخانا، فبعث الله تعالى خالد ابن سنان العبسي - وهو أول نبي من بني إسماعيل - فاحتفر لها بئرا وأدخلها، والناس ينظرون حتى غيبها وقصتها مشهورة.

النص من طبعة مكتبة الثقافة الدينية بالقاهرة (٢٠٠٦م) كما في المكتبة الشاملة، بلا حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.