تجاوز إلى المحتوى

من «عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات» لزكريا القزويني (ت ٦٨٢هـ)

فصل: في الرياح

زعموا أن حدوث الرياح من تموج الهواء وتحركه إلى الجهات، كما أن تموج البحر هو تدافع الماء بعضه لبعض إلى الجهات، فإن الهواء والماء بحران واقعان غير أن أجزاء الماء ثقيلة الحركة وأجزاء الهواء خفيفة الحركة، وأما كيفية حدوثها فإن الأدخنة التي تصعد من الأرض من تأثير الشمس وغيرها إذا وصلت إلى الطبقة الباردة إما أن ينكسر حرها وإما أن تبقى على حرارتها، فإن انكسر حرها تكاتفت وقصدت النزول فيموج بها الهواء فيحدث الريح، وإن بقيت على حرارتها تصاعدت إلى كرة النار المتحركة بحركة الفلك فتردها الحركة الدورية إلى أسفل، فيموج

بها الهواء فيحدث الريح وربما يحلل تلك الأدخنة الهواء فتحرك من جانب إلى جانب، فيحدث منها الريح أيضا، وسبب تحلل الهواء لها إما من خروجها من مخرج معوج أورد الرياح النازلة إياها من الصعود المستقيم، وربما تصل إليها رياح أخر، وتمدها أدخنة من السفل فتميلها إلى جهة أخرى، والله الموفق.

ومن الرياح العجيبة (الزوبعة) وهي الريح التي تدور على نفسها شبه منارة وأكثر تولدها من رياح ترجع من الطبقة الباردة فتصادف سحابا تذروه الرياح المختلفة فيحدث من دوران الغيم تدوير في الريح فينزل على تلك الهيئة، وربما يكون مسلك صعودها مدورا فيبقى هبوبها كذلك مدورا، كما يشاهد في الشعر الجعد فإن سبب جعودته قد يكون لا عوجاج المسام وربما يكون سبب الزوبعة التقاء ريحين مختلفين الهبوب، فإنهما إذا تلاقيا تمنع إحداهما الأخرى عن الهبوب فيحدث بسبب ذلك ريح مستديرة تشبه منارة، وربما صادفت الزوبعة السفينة فترفعها وتدورها وتغرقها، وربما وقعت قطعة من الغيم في وسط الزوبعة فتدورها في الهواء فترى شبه تنين يدورها في الجو، وهذا كله من أر الله وقدره، والله أعلم بالصواب.

(القول في أصول الرياح) أصول الرياح أربعة:

(الشمال) ومهبها من بنات نعش إلى مغرب الشمس، (والجنوب) ومهبها من مطلع سهيل إلى مشرق الشمس، (والصبا) ومهبها من مطلع بنات نعش إلى لمشرق، (والدبور) ومهبها من مطلع سهيل إلى المغرب.

(أما الشمال) فإنها باردة يابسة لأنها تأتي من الناحية التي لا تسامتها الشمس أصلا، بل لا تقرب منها وتكون الثلوج والمياه الجامدة بها كثيرة فالريح يجتاز بها ويكتسب منها، وأيضا هذه الناحية ليلة البحار كثيرة البراري والجبال فتكتسب منها يبسا، وتكون أشد هبوبا من الجنوب؛ لأنها تهب من موضع ضيق من وسط الجبال، والجبال بناحية الشمال كثيرة فيكون مهبها كخروج الماء من الأنبوب الضيق.

(وأما الجنوب) فمهبها على البحار المتسعة فتكون كخروج الماء من الإناء الواسع الرأس، والشمال تصح الأبدان وتصلبها وتقوى الأدمغة وتصفى اللون وتصحح الحواس وتهيج الشهوة، وزعموا أن الرياح الشمالية والجنوبية إذا دام هبوبها على مواضع تولد الحيوان، والشمالية تجعل أكثر أولادها ذكورا، والجنوبية أكثر أولادها إناثا، والله أعلم.

(وأما الجنوب) فحارة رطبة؛ لأن هبوبها من ناحية خط الاستواء، والحر مفرط هناك؛ لأن الشمس تسامتها في السنة دفعتين ولا تباعد عنها فتزداد بذلك حرّا، وأيضا هذه الجهة كثيرة البحار، فتبخر الشمس منها أبخرة رطبة، فتكسب الجنوب منها رطوبة، والجنوب ترخي الأبدان وتورث الكسل وتحدث ثقلا في الأسماع وغشاوة في البصر، ويظهر عند هبوب الجنوب في البحر سواد عظيم.

ومن العجب أن الجنوب إذا هبت على الماء الحار بردته، والشمال إذا هبت عليه تركته على حرارته كما كان، قالوا: سبب ذلك أن عند هبوب الشمال تكمن الحرارة في داخل الماء، كما ترى في الشتاء أن الحرارة تكمن في جوف الأرض فيبقى داخلها حارا، وأما عند هبوب الجنوب فتخرج الحرارة من داخل الماء كما ترى في الصيف، فإن الحرارة تخرج من جوف الأرض إلى خارجها ويبقى داخلها باردا فخرجت الحرارة من داخل الماء عند هبوب الجنوب، والماء في نفسه بارد يعود إلى طبعه والعرب تزعم أن اللواقح من الجنوب ولا يأتي بالمطر إلا الجنوب.

(وأما الصبا) قريبة من الاعتدال فإن كان هبوبها في أول النهار، فهي مثائلة إلى البرد لأنها تمر على مواضع باردة فبردت ببعد الشمس عنها بالليل فتكون طيبة جدّا إلا أن زمانها قليل؛ لأن شعاع الشمس يسوقها من خلفها، فإذا طلعت الشمس ساقها إلى قدامها فلا تزال كذلك تمر قدام الشعاع والشمس تلطفها وتسخنها بحرها وضيائها حتى تصير معتدلة، وهي النسيم السحري الذي يلتذ به الإنسان، ويطيب النوم عليه، ويجد المريض راحة عند هبوبها ويكون هبوب هذا الريح بالأسحار من الليل والغدوات من النهار، والله الموفق.

(وأما الدبور) فإنها مخالفة للصبا؛ لأنها والشمس مدبرة عنها فلا تسخنها تسخين الصبا، وكذلك تهب في آخر النهار ولا تهب قبله ولا تهب بالليل، لأن الشمس تبلغ موضع مبهبها في ذلك الوقت فتحلل منه البخارات ولهذا المعنى يكون زمن هبوبها قليلا وجميع ما ذكرناه من فوائد الصبا أمر الدبور ضد ذلك، وحسبك قول النبي ﷺ: «نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور».

النص من طبعة مكتبة الثقافة الدينية بالقاهرة (٢٠٠٦م) كما في المكتبة الشاملة، بلا حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.