من «عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات» لزكريا القزويني (ت ٦٨٢هـ)
فصل: في تولد الأنهار إذا وقعت الأمطار والثلوج على الجبال
تنصب إلى الغارات وتبقى مخزونه فيه في الشتاء، فإذا كان في أسفل الجبال منافذ ينزل الماء من الأوشال بتلك المنافذ، فتحصل منها الجداول وينضم بعضها إلى بعض، فيحدث منها أنهار وأودية، فإن كانت الخزانات في أعلى الجبال، فيستمر جريانها أبدا؛ لأن مياهها تنصب إلى سفح الجبال ولا تنقطع مادتها لوصول مددها من الأمطار، وإن كانت الخزانات في أسفل الجبال فتجري منها الأنهار عند وصول مددها، ثم ينقطع عند انقطاع المدد وتبقى المياه فيها واقفة كما ترى في الأودية التي تجري في بعض الأيام، ثم تنقطع لانقطاع مادتها، قال صاحب تحفة
الغرائب: إن في هذا الربع المسكون مائتين وأربعين نهرا طولا منها ما طوله من خمسين فرسخا إلى مائة فرسخ إلى ألف فرسخ، ومنها ما يجري من المشرق إلى المغرب، ومنها ما يجري من المغرب إلى المشرق، ومنها ما يجري من الشمال إلى الجنوب، ومنها ما يجري من الجنوب إلى الشمال، وكلها تبتدئ من الجبال وتنتهى إلى البحار والبطائح، وفي ممرها تسقي المدن والقرى، وما فضل ينصب إلى البحار ويختلط بالماء المالح، والشمس تشرق فيها فيصعد بخارا، وينعقد غيوما وتسوقها الرياح إلى الجبال والبراري وتمطر هناك، وتجري في الأودية والأنهار وتسقي البلاد، ويرجع فاضلها إلى البحر، ولا يزال هذا دأبها وتدور كالرحى في الشتاء والصيف إلى أن يبلغ الكتاب أجله.
(ولنذكر) بعض الأنهار وخواصها وعجائب أحوالها وغرائب حيواناتها مرتبا على حروف المعجم.
(نهر إتل) نهر عظيم يقارب دجلة في بلاد الخزر، مجيئه من أرض الرءوس وبلغار لغزارة الماء، إذا انتهى إلى البحر يجري فيه يومين، فيغلب ماء البحر، ويبين لونه من لون ماء البحر ويجمد في الشتاء لعذوبته. وفي هذا النهر حيوانات عجيبة ذكر أحمد بن فضلان رسول المقتدر بالله إلى بلغار قال: لما وصلت إلى بلغار سمعت أن عندهم رجلا عظيم الخلقة فسألت الملك عنه فقال:
نعم ما كان من أهل بلادنا.
ومن خبره أن قوما خرجوا إلى نهر إتل وكان قد مد وطغى، فقالوا: أيها الملك قد وقف على الماء رجل كان من أمة تقرب منا، فلا مقام لنا فركبت معهم حتى صرت إلى النهر، وإذا رجل طوله اثنا عشر ذراعا ورأسه كأكبر ما يكون من القدر، وأنفه أطول من شبر وعيناه عظيمتان وكل أصبع منه شبر فأقبلنا نكلمه، وهو لا يزيد على النظر إلينا فحملته إلى مكاني وكتبت إلى أهل ويسو وبيننا وبينهم ثلاثة أشهر، فعرفوني أن هذا الرجل من يأجوج ومأجوج، قالوا: يحول بيننا وبينهم البحر، قالوا: فأقام الرجل لعندنا مدة ثم أصابه في نحره علة مات منها فخرجت ورأيت جثة هائلة جدّا.
(نهر أذربيجان) قال محمد بن زكريا الرازي عن الجبهاني صاحب المسالك والممالك الشرقية: إن بأذربيجان نهرا يجري ماؤه فيستحجر ويصير صفائح صخر، يستعملونه في البناء.
(نهر أسفار) قال صاحب تحفة الغرائب: بأرض أسفار نهر يجري الماء فيه سنة ثم ينقطع ثمان سنين، ثم يعود في التاسع ثم ينقطع ثمان سنين وهكذا دأبه.
(نهر آنة) قال العذري صاحب الممالك والمسالك الأندلسي: يخرج هذا النهر من موضع يعرف بفج العروس، ثم يفيض ويجري تحت الأرض لا يبقى له أثر على وجه الأرض، ثم يجري بقرية يقال لها: آنة، ثم يفيض ويجري تحت الأرض، ثم يبدو ثم يفيض بين ماردة وبطليوس، ثم يبدو وينصب في البحر.
(نهر جيحون) قال الإصطخري: جيحون نهر يخرج من حدود بدخشان، ثم ينضم إليه أنهار كثيرة في حدود الجبل، ووحش فيصير نهرا عظيما ثم يمر على مدن كثيرة حتى يصل إلى خوارزم، ولا ينتفع به شيء من البلاد إلا خوارزم؛ لأنها مستقلة به ثم ينصب في بحيرة خوارزم بينها وبين خوارزم ستة أيام، وجيحون مع كثرة مائة يجمد في الشتاء عند اشتداد البرد، فيجمد أولا قطعا تجري على وجه الماء، ويلتصق بعضها ببعض حتى يصير جيحون سطحا واحدا، ثم يثخن ويصير ثخنه في أكثر الأوقات خمسة أشبار والماء يجري تحت الجمد، فيحفر أهل خوارزم الآبار بالمعاول ليستقوا منها لشربهم، فإذا استحكم جموده عبرت عاليه القوافل، والعجل المحملة ولا يبقى بينه وبين الأرض فرق ويتظاهر عليه الغبار ويبقى على ذلك شهرين، فإذا انكسر البرد عاد يتقطع قطعا كما بدأ أول مرة إلى أن يعود إلى حاله الأول وأنه نهر قتال قلما ينجو منه غريقه.
(نهر حصن المهدي) قال صاحب تحفة الغرائب: إنه بين البصرة والأهواز، في بعض الأوقات، يرتفع منه شبه منارة يسمع منها أصوات الطبل والبوق، ولا يعرف أحد سبب ذلك.
(نهر جريح) بأرض الترك فيه حيات إذا وقع عين أحد من الحيوان عليها يغشى عليه.
(نهر دجلة) هو نهر بغداد مخرجه من أصل جبل بقرب آمد عند حصن ذي القرنين، تجري عين دجلة من تحته وهناك ساقية، وكلما امتدت انضم إليها مياه جبال ديار بكر، وآمد يخاض فيه بالدواب ثم يمتد إلى مياه فارقين، ثم إلى حصن كيفي، ثم إلى جزيرة ابن عمر، ثم إلى الموصل وينصب فيه الرايات، ومنها يعظم إلى بغداد ثم على واسط ثم إلى البصرة، ثم ينصب إلى بحر فارس، وماء دجلة من أعذب المياه وأصفاها وأخفها وأكثرها نفعا؛ لأن مجراه من مخرجه إلى مصبه في العمارات.
وعن ابن عباس ﵄: إن الله تعالى أوحى إلى دانيال ﵊، أن احفر لعبادي نهرين واجعل مفيضهما البحر، فقد أمرت الأرض أن تعطيك فأخذ خشبة يجرها في الأرض، والماء يتبعه وكلما مر بأرض يتيم أو أرملة أو شيخ ناشده الله تعالى فيحيد الماء عنهم، قيل: دجلة والفرات من ذلك، ودجلة نهر مبارك، كثيرا ما ينجو غريقها.
(حكي) أنهم وجدوا فيها غريقا فأخذوه فإذا فيه رمق، فلما رجعت إليه نفسه سئل عن حاله، وكان من موضع وقوعه إلى موضع نجاته مسيرة أيام.
(نهر الذهب بالشام) يزعم أهل حلب أنه وادي بطنان، ومعنى قولهم: (نهر الذهب)؛ لأن جميعه يباع أوله بالميزان وآخره بالكيل، فإن أوله تزرع عليه الحبوب وتغرس عليه الأشجار، وآخره ينصب إلى بطيحة فرسخين ينعقد ملحا، والعجب من هذا النهر أنه لا يضيع منه شيء بل يباع كل الذهب.
(نهر الرأس) بأذربيجان شديد جرى الماء وبأرضه حجارة بعضها ظاهرة وبعضها مغطاة بالماء، ولهذا ليس للسفن فيه مجرى، وله أجراف هائلة ذات حجارة عظيمة لا مشارع لها.
زعموا أنه من عبر نهر الرأس بدجلة إذا مسح برجليه ظهر امرأة عسرت ولادتها تضع في الحال، وكان بقزوين شيخ تركماني اسمه الخليل كان يفعل ذلك.
وزعموا أيضا أن نهر الرأس مسامح بالغرقى كثيرا ما ينجو غريقه، ومن العجيب ما ذكر ديسم بن إبراهيم صاحب أذربيجان قال: كنت أجتاز على قنطرة الرأس بعسكري فإذا صرت في وسط القنطرة رأيت امرأة ومعها طفل في قماطة فصدمتها دابة فرمتها فسقط الطفل من يديها في النهر فوصل إلى الماء بعد زمان لبعد ما بين القنطرة وسطح الماء ثم غاص وطغى الماء يجري به وسلم من الحجارة التي في النهر وللعقبان أوكار على أجراف النهر فرآه عقاب فانقض عليه فرفعه وخرج به إلى الصحراء؛ فأمرت جماعة بالركض في أثر العقاب؛ فإذا العقاب قد وقع على الأرض واشتغل بخرق القماط؛ فأدركه القوم وصاحوا به وركضوا نحوه؛ فطار وترك الطفل فوجدوه سالما يبكي فردوه إلى أمه.
(نهر بين الموصل وأربل) يبتدئ من أذربيجان وينصب في دجلة يقال له: الزاب المجنون؛ لشدة جريانه ولقد شربت من مائة وقت القيظ عند الظهيرة وكان باردا، وذلك لشدة جريه، فإن الشمس لا تؤثر فيه حتى يسخن ماؤه.
(نهر زرير، ونهر أصفهان) موصوف باللطافة والعذوبة يغسل فيه الثوب الخشن يصير لينا مثل الحرير، مخرجه من قرية يقال لها: بياكان، ويعظم بانضمام المياه إليه عند أصفهان ويسقى بساتينها ورساتيقها ثم يغور في رمل هناك ويخرج بكرمان ثم ينصب في بحر الهند.
ذكر بعضهم أنهم أخذوا قصبة وعملوها وأرسلوها في موضع فخرجت بكرمان.
(نهر زوبر) بأذربيجان بقرب مزيد، لا يخوضه الفارس فإذا وصل إلى قرب مزيد، يجري تحت الأرض أربعة فراسخ ثم يظهر على وجه الأرض، أخبر به الشريف محمد بن ذي الفقار العلوي المزيدي.
(نهر سنجة) هو نهر عظيم بأرض مصر بين حصن المنصور، وكيسوم لا يتهيأ خوضه لأن قراره رمل سيال، وعلى هذا النهر قنطرة وهي إحدى عجائب الدنيا؛ لأنها عقد واحد من الشط إلى الشط مقدار مائتي خطوة من حجر مهندم طول كل قطعة عشرة أذرع.
و (حكي): أنه عندهم طلسم على لوح إذا غاب موضع من القنطرة أدلى ذلك اللوح على موضع العيب فينزل الماء عنق؛ فيصلح ثم يرفع اللوح فيعود الماء إلى حاله الأول، والله أعلم.
(نهر شلف) بأفريقية حدثني الفقيه سليمان الملياني أن في كل ستة أيام الورد يظهر فيه صنف من السمك يسمى الشبوق، طيب اللحم إلا أنه كثير الشوك طوله قدر ذراع ويبقى شهرين، ويكثر صيدها في هذا الوقت، ويرخص ثمنها ثم ينقطع فلا يرى فيها شيء إلى العام القابل.
(نهر صقلاب) بأرض صقلاب، في كل أسبوع يجري فيه الماء يوما واحدا، ثم ينقطع ستة أيام ثم يجري في السابع وهكذا.
(نهر طبرية) نهر عظيم والماء الذي يجري فيه نصفه حار ونصفه بارد، لا يختلط أحدهما بالآخر فإذا أخذ في الإناء يبقى كله باردا خارج النهر.
(نهر العاصي) نهر حماة وحمص، مخرجه من قدس ومصبه البحر قرب أنطاكية، وإنما سمي العاصي لأن أكثر الأنهر تتوجه من نحو الجنوب هناك وهذا يتوجه من شمال.
(نهر الفرات) مخرجه من أرمينية، ثم من قالقيلا قرب أخلاط، ثم إلى ملطية ثم إلى سميساط، ثم إلى الرقة، ثم إلى غانة، ثم إلى هيت ثم ينصب في دجلة، بعد ما يسقى المزارع، والبساتين بهذه البلاد والفاضل منها ينصب في دجلة بعضه، وبعضه في بحر فارس.
وللفرات فضائل كثيرة روي «إن أربعة أنهار من الجنة النيل، والفرات، وسيحان وجيحان»، وعن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: يا أهل الكوفة إن نهركم هذا يصب إليه ميزابان من الجنة.
وروي عن جعفر الصادق ﵁ أنه شرب من ماء الفرات، ثم ازداد وحمد الله تعالى وقال: ما أعظم بركته لو علم الناس ما فيه من البركة لضربوا على حافتيه القباب، ولولا ما يدخله من الخطائين؛ ما غتمس فيه ذو عاهة إلا برئ.
وعن السدي: إن الفرات مد في زمن علي ﵁ فألقى رمانة عظيمة كان فيها كرحب فأمر المسلمين أن يقتسموه بينهم وكانوا يرون أنها من الجنة.
(نهر القورج) بين القاطول وبغداد، وكان سبب حفره أن كسرى لما حفر القاطول أضر بأهل الأسافل فخرج أهل تلك النواحي للظلم، فوافوه وقد خرج متنزها فقالوا جئناك متظلمين فقال ممن؟ قالوا: منك، فثنى رجله ونزل عن دابته وجلس على الأرض؛ فأتى بشيء يجلس عليه فأبى أن يجلس على غير التراب، إذ أتاه قوم للتظلم، ثم قال: ما مظلمتكم؛ قالوا: حفرت القاطول وقطعت الماء عنا، فخربت ديارنا، فقال: إني لأسده ليعود الماء إليكم؛ قالوا: لا نجشمك ذلك لكن مر ليعمل لنا مجرى دون القاطول، فعمل لهم مجرى بناحية القورج فعمرت بلادهم.
وأما الآن فهو بلاء على أهل بغداد فإنهم يجتهدون في سده وإحكامه فإذا زاد الماء تعدى إلى البلد.
(نهر الكر) بين أرمينية وأران، وهو نهر عظيم سليم أكثر ما يقع فيه من الحيوان ينجو.
حدثني بعض فقهاء نقجوان قال: وجد غريق في نهر الكر يجري به الماء؛ فبادر القوم إلى إمساكه فأدركوه وقد بقي منه رمق، فلما استقرت نفسه وسكن جأشه قال: أي موضع هذا؟ قالوا: نقجوان، قال: أني وقعت في الماء من الموضع الفلاني فكان بينه وبين نقجوان ستة أيام فطلب منهم طعاما فذهبوا لإحضار الطعام فانقض عليه الجدار الذي كان قاعدا تحته فتعجب القوم من مسامحة الماء وتعدى الجدار.
(نهر الملك) ببغداد مشتمل على كوة واسعة: قيل أول من حفره سليمان ﵇ وقيل:
حفره الإسكندر، وقيل: حفره أردشير بن ماهك، وأخذ ملكه، فقال: إنه يشتمل على ثلاثمائة وستين قرية، على عدد أيام السنة؛ وإنما وضع هذا ليكون ذخيرة لقوت سنة كل قرية قوت يوم لو أجدبت غيرها من الأرض، كما فعل يوسف ﵊ بالفيوم بمصر.
(نهر مهران) بالسند عرضه كعرض جيحون يقبل من المشرق إلى المغرب حتى يقع في بحر فارس أسفل الهند، قال الأصطخري: مخرجه من ظهر جبل يخرج منه بعض أنهار جيحون، ويظهر بملطان ثم على المنصورة ثم يقع في البحر وهو نهر كبير جدّا ماؤه عذب فيه تماسيح كما في النيل وإنه يرتفع ويمتد على وجه الأرض، ثم ينصب فيزرع عليه مثل ما يزرع على النيل بأرض مصر.
قالوا: إن تماسيح هذا النهر أصعب من تماسيح النيل وأصغر.
(نهر مكران) عليه قنطرة من الحجر قطعة واحدة من عبر عليها يتقيأ جميع ما في بطنه بحيث لا يبقى فيه شيء، ولو كانوا ألوفا كان هذا حالهم فمن أراد من الناس القيء عبر على تلك القنطرة.
(نهر النيل) ليس في الدنيا نهر أطول من النيل لأنه مسيرة شهر في بلاد الإسلام وشهرين في بلاد النوبة، وأربعة أشهر في الخراب إلى أن يخرج ببلاد القمر خلف خط الاستواء.
وليس في الدنيا نهر يصب من الجنوب إلى الشمال ويمد في شدة الحر، حين ينقص الأنهار كلها ويزيد بترتيب وينقص بترتيب غيره.
وسبب مده أن الله تعالى يبعث الريح الشمال فيقلب عليه البحر المالح فيصير كالسكن له؛ فيزيد فيعم الربا والتلال ويجري في الخلجان حتى يملأها، فإذا بلغ الحد الذي هو تمام الري وحضر زمان الحراثة بعث الله الريح الجنوب فأخرجته إلى البحر وانتفع الناس بما أروى من الأرض.
ولما كان زمان يوسف ﵇ اتخذ مقياسا يعرف به قدر الزيادة والنقصان فيزرعون عليه، فإذا زاد على قدر كفايتهم يستبشرون بخصب السنة وسعة الرزق، وذلك المقياس عمود قائم في وسط بركة على شاطئ النيل لها طريق إلى النيل يدخلها الماء إذا زاد وعلى ذلك العمود، خطوط معروفة عندهم يعرفون بوصول الماء إليه مقدار زيادته؛ فأقل ما يكفي أهل مصر لسنتهم أن يزيد أربعة عشر ذراعا فإن زاد ستة عشر ذراعا زرعوا ما يفضل عن عامهم، وأكثر ما يزيد ثمانية عشر ذراعا، والذراع أربعة وعشرون أصبعا.
وذكر عبد الرحمن بن عبد الرحمن بن عبد الحكم أن المسلمين لما فتحوا مصر جاء أهلها إلى عمرو بن العاص ﵁، وقالوا: أيها الأمير إن لبلدنا سنة لا يجري النيل إلا بها وذلك أنه إذا كان لاثنتي عشرة ليلة من شهر بئونة عمدنا إلى جارية بكر فأرضينا أبويها وجعلنا عليها من الحلي والثياب أفضل ما يكون وألقيناها في النيل ليجري.
فقال لهم عمرو: إن هذا في الإسلام لا يكون فأقاموا بئونة، وأبيب، ومسرى والماء لا يجري قليلا ولا كثيرا، وهم الناس بالجلاء فلما رأى عمرو ذلك كتب إلى عمر بن الخطاب ﵁ يعلمه بذلك فكتب في جوابه أما بعد: فقد أصبت في أن هذا في الإسلام لا يكون وقد بعثت إليك بطاقة فألقها في داخل النيل؛ فإذا في الكتاب:
من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى نيل مصر، أما بعد: فإن كنت تجري من قبلك فلا تجر، وإن كان الواحد القهار هو الذي يجريك فنسأل الله الواحد القهار أن يجريك.
فألقى عمرو بن العاص البطاقة في النيل قبل الصليب بيوم وقد تهيأ أهل مصر للجلاء فأصبحوا يوم الصليب وقد أجرى الله تعالى النيل ستة عشر ذراعا في ليلة واحدة فإذا استوى الماء كما ذكرنا عند المقياس كسر الخليجان حتى تمتلئ جميع الأرض من مصر وتبقى التلال والقرى عليها.
وسائر الأرض تكون في البحر فإذا استوفت الأرض الماء ورويت وزرعت عليها أصناف الزروع واكتفت بتلك الشربة لأنه كلما تأخر الوقت برد الجو؛ فلا تنشف الأرض إلى أن يدرك الزرع، وعاد الوقت يأخذ في الحر والصيف حتى ينضج الزرع فيأخذون في حصادها وفي ذلك عبرة.
ومن عجائب النيل: السمك الرعادة والتمساح، وقد ذكرناهما في حيوان الماء، وفي النيل موضع يجتمع فيه السمك في كل سنة يوما معلوما، فالإنسان يصيد بيده ما يشاء ثم يتفرق إلى ذلك اليوم من السنة القابلة.
(نهر هند مند) بسجستان نهر عظيم يقول أهل سجستان: إنه ينصب فيه ألف نهر ولا تتبين زيادة في عموده، وينشق منه ألف نهر ولا يظهر فيه نقصان، وإنه في الحالتين سواء.
(نهر اليمن) قال صاحب (تحفة الغرائب): بأرض اليمن نهر عند طلوع الشمس يجري من المشرق إلى المغرب، وعند غروبها يجري من المغرب إلى المشرق، والله تعالى أعلم.
النص من طبعة مكتبة الثقافة الدينية بالقاهرة (٢٠٠٦م) كما في المكتبة الشاملة، بلا حواشي المحقق. مصادر الموقع