تجاوز إلى المحتوى

من «عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات» لزكريا القزويني (ت ٦٨٢هـ)

فصل: في حيوان هذا البحر (٣)

صور حديثة على وصف القزويني؛ في صفحة كل مخلوق منمنمته في المخطوط إن وُجدت.

ذكر أبو حامد الأندلسي في كتاب العجائب الذي ألفه للوزير ابن هبيرة عن سلام الترجمان رسول الخليفة إلى ملك الخزر، قال: أقمت عند ملك الخزر أياما ورأيت أنهم اصطادوا سمكة عظيمة جدّا، وجذبوها بالحبال؛ فانفتحت أذن السمكة وخرجت منها جارية بيضاء حمراء طويلة الشعر حسنة الصورة، فأخرجوها إلى البر، وهي تضرب وجهها وتنتف شعرها وتصيح، وقد خلق الله تعالى في وسطها غشاء كالثوب الصفيق من سرتها إلى ركبتها، كأنه إزار مشدود على وسطها فأمسكوها حتى ماتت.

(ومنها التنين العظيم) ذكروا أنه يرتفع من هذا البحر تنين عظيم شبه السحاب الأسود،

والناس ينظرون إليه، زعموا أنها دابة تؤذي دواب البحر؛ فيبعث الله إليه سحابا يخرجه من البحر ويحتمله، وهو على صورة حية سوداء، لا يمر ذنبها على شيء من شجر أو بناء عظيم إلا هدته، وربما تتنفس فتحرق الشجر فيلقيها إلى يأجوج ومأجوج وتكون لهم غذاء، وعن ابن عباس ﵁ نحو هذا.

(ولنختم) هذا الفصل بحكاية عجيبة، وهو أن كسرى أنوشروان لما فرغ من سد بليخ وأحكمه سر بذلك سرورا شديدا، وأمر بنصب سريره على السد، ورقى على السرير، وحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: يا رب الأرباب، أنت ألهمتني سد هذا الثغر وقمع العدو، فأحسن الموهبة إلي وعزني، وسجد سجدة أطالها.

ثم استوى على فراشه واستلقى وقال: الآن استرحت؛ يعني: من سطوة الخزر ومقاساة الترك، ثم أغفى فطلع طالع من البحر سد الأفق بطوله وارتفعت معه غمامة سدت الضوء، فتبادرت الأساورة إليه، فتنبه أنوشوروان، وقال: ما شأنكم؟ قال: الذي ترى، فقال: أمسكوا عن سلاحكم لم يكن الله ﷿ يلهمني الشغل اثني عشر عاما وستة أشهر، وتهده بهيمة من بهائم البحر.

فنحى الأساورة وأقبل الطالع نحو السد حتى علاه، ثم قال: أيها الملك، أنا من سكان البرح، رأيت هذا الثغر مسدودا سبع مرات، فأوحى الله تعالى أن ملكا عصره عصرك، وصورته صورتك، يسد هذا الثغر فينسد أبدا، وأنت ذلك الملك، فأحسن الله معونتك، ثم غاب عن البصر كأنه طار في الجو أو غاص في الماء، والله الموفق.

(القول في حيوان الماء) حيوان الماء على قسمين: منه ما ليس له رئة كأنواع السمك، فإنه لا يعيش إلا في الماء، ومنه ما له رئة كالضفدع، فإنه يجمع بين الماء والهواء.

فأما التي لا تعيش إلا في الماء فلا حاجة لها إلى استنشاق الهواء؛ لأن الباري تعالى لما خلقها في الماء جعل حياتها منه، وجعلها على طبيعة الماء، وركب أبدانها تركيبا بحيث يصل إليها برد الماء وروح الحرارة الغريزية التي في بدنها، وينوب عن استنشاق الهواء؛ فلذلك تراها لا صوت لها لفقد الرئة التي لا حاجة لها إليها.

والحكمة الإلهية اقتضت أن يكون لكل حيوان أعضاء كثيرة مختلفة، وكل حيوان يكون أنقص فهو أقل حاجة، ثم اقتضت أن لكل حيوان أعضاء مشاكلة لبدنه ومفاصل مناسبة لحركاته، وجلودا صالحة لوقايته، فجعل أبدان حيوان الماء إما صدفية صلبة لا يعمل فيها الشيء الحاد أو فلوسية أو ما شاكلهما غطاء ووقاية من العاهات العارضة، وجعل لبعضها أجنحة وأذنابا تسبح في الماء كما يطير في الهواء، وجعل بعضها آكلا وبعضها مأكولا، وجعل نسل المأكول أكثر لبقاء أشخاصها، فسبحانه ما أعظم شأنه!

(ولنذكر) بعض حيوان الماء وعجائبه وخواصه على ترتيب حروف المعجم، والله أعلم بالصواب.

(أرنب البحر) هو حيوان رأسه كرأس الأرنب، وبدنه كبدن السمك. قال الشيخ الرئيس ابن سينا: هو حيوان صدفي إلى الحمرة ما بين أجزائه، شبيه بورق الأشنان، ينفي الكلف والبهق، ورأسه تحرق لتنبت الشعر في داء الثعلب سيما مع شحم الدب.

(إليس) نوع من السمك عظيم جدّا، وحيوانات الماء كلها تصطاد إلا هذه السمكة، من خواصها أنه لو شوي وأطعم شخصان منه وكان بينهما خصومة شديدة تبدلت بالمحبة.

(إنسان الماء) يشبه الإنسان إلا أنه له ذنبا، وقد جاء شخص بواحد منه في زماننا في بغداد، فعرضه على الناس، وشكله على ما ذكرناه، وقد ذكر أنه في بحر الشام ببعض الأوقات يطلع من الماء إلى الحاضر إنسان، وهو ذو لحية بيضاء يسمونه شيخ البحر، ويبقى أياما ثم ينزل فإذا رآه الناس يستبشرون بالخصب.

وحكي أن بعض الملوك حمل إليه إنسان مائي، فأراد الملك أن يعرف حاله فزوجه امرأة فجاء منها ولد يفهم كلام الأبوين، فقيل للولد: ماذا يقول أبوك؟ قال: يقول أذناب الحيوانات كلها على أسافلها، ما بال هؤلاء أذنابهم على وجوههم!

(بقرة الماء) زعموا أنه حيوان يطلع إلى البر للرعي روثه عنبر، والله أعلم بصحته، فإن الناس ذهبوا إلى أن العنبر ينبت في قعر البحر كالقير والنفط، فإن كان صحيحا فروث هذا الحيوان ينفع الدماغ والحواس والقلب، والله أعلم.

(بال) نوع من السمك عظيم يأكل العنبر فيموت، وقد ذكرناه في بحر الزنج فلا نعيده، وفي دماغه دهن كثير ويستعملونه لإشعال السرج.

(تمساح) هو حيوان على صورة الضب من أعجب حيوان الماء، له فم واسع وستون نابا في فكه الأعلى، وأربعون نابا في فكه الأسفل، وبين كل نابين سن صغير مربع يدخل بعضه في بعض عند الانطباق، ولسان طويل، وظهره كظهر السلحفاة، ولا يعمل الحديد فيه، وله أربعة أرجل وذنب طويل، رأسه ذراعان، وغاية طوله ثمانية أذرع، يحرك فكه الأعلى عند المضغ بخلاف سائر الحيوانات.

ولا يقدر أن يلتوي ولا أن ينقبض؛ لأنه ليس لظهره خرزات، بل ظهره قطعة واحدة، وهو كريه المنظر جدّا كثير العدوان، يلتقم الآدمي والشاة ويقتل الخيل والجمال، ولا يوجد إلا في النيل ونهر السند.

وإذا رأى إنسانا على طرف الماء يمشي تحت الماء إلى أن يقرب منه، ثم يثب وثبة واحدة يأخذه، ويبيض كالطيور ويشم من بيضه رائحة المسك، وذبله يخرج من فيه؛ إذ لا منفذ له، وإذ أكل يبقى في خلل أسنانه شيء يتولد منه الدود فيخرج من الماء ويفتح فاه مستقبل الشمس، فيأتيه طائر مثل الطيور، ويدخل فاه ويلتقط ما في خلل أسنانه، فإذا رأى صيادا رفرف وصاح وأخبر التمساح حتى يرجع إلى الماء، فإذا أحس التمساح أنه نقى خلال أسنانه أطبق فاه على الطائر ليأكله.

وقد خلق الله تعالى على رأس ذلك الطائر عظما أحد من الإبرة فيضرب به حنك التمساح فيرفع حنكه فيطير الطائر، وإذا انقلب التمساح لم يستطع أن يتحرك، وإذا أراد السفاد خرج من النيل وأنثاه معه، فيلقي الأنثى على ظهرها، وإذا قضى وطره قلبها، فإن تركها صيدت؛ فإنها لا تقدر أن تنقلب.

خواص أجزائه

زعموا أن عينه تشد على صاحب الرمد يسكن وجعه في الحال، اليمنى على اليمنى واليسرى على اليسرى، وسنه الأيمن تعلق على الإنسان يزيد في الباه، وأول سن من جانب فكه الأيسر يشد على صاحب القشعريرة تذهب في الحال، ومرارته يكتحل بها تزيل بياض العين، وشحمه يجعل ضمادا على عضته، فإنه نافع في الحال، وكبده يدهن به المصروع يزول ما به، وزبله يزيل بياض العين اكتحالا، وجلده يشد على جبهة الكبش يغلب الكباش في النطاح.

(تنين) حيوان عظيم الخلقة، هائل المنظر، طويل الجثة عريضها، كبير الرأس، براق العينين، واسع الفم والجوف، كثير الأسنان، يبلع من الحيوان كثيرا، يخافه حيوان البر والبحر، إذا تحرك يموج البحر لكثرة قوته، والتنين أول أمره يكون حية متمردة تأكل من دواب البر ما ترى، فإذا عظم فسادها يبعث الله تعالى ملكا يحتملها ويقلبها في البحر، فتفعل بدواب البحر ما كانت تفعله بدواب البر، ويعظم جسمها؛ فيبعث الله تعالى ملكا فيحملها ويلقيها إلى يأجوج ومأجوج.

وروي عن بعضهم أنه رأى تنينا سقط فوجد طوله نحو الفرسخين، ولونه مثل لون التمر مفلسا كفلوس السمك، وله جناحان عظيمان على هيئة جناح السمك، ورأس مثل التل العظيم

كرأس الإنسان، وأذنان طويلان وعينان مدورتان كبيرتان جدّا، ويتشعب من عنقه ستة أعناق طوال، كل عنق نحو عشرين ذراعا، على كل عنق رأس كرأس الحية.

(أما خاصية أجزائه) فزعموا أن كل أكل لحمه يورث الشجاعة، ولحمه يوضع على عضه ينفع نفعا بينا، ودمه إذا طلي به على الذكر وجامع تحصل المرأة لذة عظيمة.

(جرى) هو الذي يقال له: مارماهي، متولد من الحية والسمك، قال الجاحظ: إنه يأكل الجرذان، وهو آكل لها من السنانير، وذلك أن جرذان السنانير تخرج بالليل إلى شارع البصرة للماء، والجرى قد يكمن لها واضعا فاه على الشرعة، فإذا دنا الجرذان إلى الماء التقمها، مرارته يسعط بها الفرس المجنون يذهب جنونه، ولحمه يجود الصوت وينفع قصبة الرئة، وإذا تضمد به أخرج السلاء من أعماق اللحم، وأكله يزيد في الباه سيما الطري.

(جلطا) نوع منه يشبه المارماهي، يخرج من البرك والعنسي؛ لطلب الغذاء، وإذا ذبح لا يخرج منه دم، وعظمه رخو يؤكل مع لحمه، ولحمه يسمن النساء إذا أكل، وهو نعم العلاج لذلك.

(دلفين) حيوان مبارك إذا رآه أصحاب المركب استبشروا، وذلك أنه إذا رأى غريقا في البحر ساقه نحو الساحل، وربما دخل تحته وحمله، وربما جعل ذنبه في يده ويمشي به إلى الساحل، وقيل: له جناحان طويلان فإذا رأى المركب تسير بقلوعها رفع جناحيه تشبيها بالمركب وينادي، وإذا رأى الغريق قصده.

(رعاد) سمكة صغيرة مخدرة جدّا إذا وقعت في الشبكة والصياد ماسك حبل الشبكة يرتعد من برودة هذه السمكة، والصيادون يعرفون ذلك، فإذا أحسوا به شدوا حبل الشبكة في وتد أو شجر حتى يموت، فإذا مات بطلت خاصيته، وأطباء الهند يستعملونه في الأمراض الشديدة الحر، وأما في غير بلاد الهند فلا يمكن استعماله.

وقال ابن سينا: الرعاد إذا قرب من رأس المصروع وهو حي أخدره عن الحس، وإذا علقت المرأة منه شيئا على نفسها لم يقدر زوجها على فراقها، والله الموفق.

(دامور) سمكة مباركة، يحبها البحريون، والصيادون إذا رأوها في الشبكة أطلقوها، زعموا أن هذه السمكة تحب الإنسان، وإذا رأت مركبا في البحر تمشي قدامه كالدليل، وإذا قصد السفينة شيء من الحيات الكبار تدخل في أذنها وتشغلها عن السفينة بتحريك دماغها، فالسمكة العظيمة تطلب حجرا وتضرب رأسها عليه حتى تموت، فإذا ماتت خرجت من دماغها.

(سرطان) هو حيوان لا رأس له، وعينه على قفاه، وفمه في صدره، وله ثمانية أرجل يمشي على أحد جانبيه، وفي كل سنة يسقط جلده سبع مرات، ولمكانه بابان: أحدهما إلى الماء، والآخر إلى اليبس، فإذا انسلخ جلده يسد الباب الذي في الماء؛ لئلا يدخل بيته شيء من حيوانات الماء في حال ضعفه وعجزه، ويترك الباب الذي على اليبس مفتوحا ليهب الهواء منه، وإذا كثر وقوع الهواء عليه يصلب جلده ويعود إلى حاله، فحينئذ يفتح باب الماء، ويخرج منه لطلب معاشه.

وزعموا أنه إذا وجد سرطان ميت في حفرة مستلقيا على ظهره في أرض أو قرية تأمن تلك البقعة من الآفات السماوية، وإذا علق على الأشجار يكثر ثمرها وما عليها من الثمار يبقى، ويذبح السرطان ويوضع على الجراحات فتخرج النصول والشوك، وينفع من لسع الحيوانات والعقارب وإذا أحرق وشرب نفع من عضة الكلب، وإذا اكتحل به نفع من بياض العين ونزول الماء، وإذا أحرق وطلي به يجلي الأسنان، ورماده يوضع على العضو يخرج منه النصل والشوك.

قال ابن سينا: لحمه صالح للمسلولين جدّا سيما بلبن الأتن، وينفع من نهش العقارب والرتيلاء، وعينه تشد على النائم يرى منامات صالحة، وإن كان به رمد زال عنه، وعيناه إن علقتا على شجرة لم يسقط ثمرها، وشوكه يدخن به تحت ذيل صاحب الحمى الربع ويكرر سبع مرات يبرأ، ورجله يعلق على صاحب الخنازير مع الكافور والعنبر يدفع عنه الخنازير، وإذا علق رجل السرطان على أحد لم تعرض له الخنازير ما دامت عليه.

(سرطان البحر) هو حيوان عجيب الشكل كأنه خمس حيات برأس واحد، إذا أحرق بعظامه وسحق جلا البهق والكلف والأسنان، وينفخ في عيون الدواب يزيل عنها البياض العارض، ويكتحل به مع الكحل يزيل الظفر. وقال ابن سينا: محرقه يجلو الأسنان ويجفف القروح وينفع من الجرب.

(سقنقور) قال ابن سينا: إنه برمائي يصطاد من نيل مصر. وقال غيره: إنه من نسل التمساح إذا وضع خارج الماء، فما قصد الماء صار تمساحا، وما قصد البر صار سقنقورا، وذكروا أنه إذا عض إنسانا غسل الإنسان معضه بريقه، فإذا كان قبل عود السمك إلى الماء مات السمك، وإن كان بعد عوده إلى الماء مات الإنسان، وله قضيبان كما للضب.

لحمه إذا أكل هيج قوة الباه، وكلما كان جسمه أكبر كانت خاصية لحمه أقوى، وشحمه يهيج الباه تهييجا لا يسكن إلا بحسو مرق الخس والعدس، وخرزته الوسطى التي في صلبه إذا علقها الإنسان على صلبه هيجت به الباه.

(سلحفاة) حيوان يري وبحري، أما البحري فقد يكون عظيما جدّا حتى تظن أصحاب المراكب أنه جزيرة، وحكى بعض التجار قال: وجدنا في وسط البحر جزيرة مرتعة عن الماء، فيها نبات أخضر، فخرجنا إليها، وحفرنا للطبخ إذ تحركت الجزيرة فقال الملاحون: هلموا إلى مكانكم فإنها سلحفاة أصابها حرارة النار؛ لئلا تنزل بكم.

قال: وكان من عظم جسمها ما شابه جزيرة، واجتمع التراب على ظهرها بطول الزمان حتى صار كالأرض ونبت، قالوا: إذا أراد الذكر السفاد والأنثى لا تطاوعه يأتي الذكر بحشيشة في فمه من خاصيتها أن حاملها يكون مقضي الحاجة، فعند ذلك تطاوعه الأنثى، وهي حشيشة تسميها العجم مهركياه، لكن الناس لا يعرفونها.

وإذا باضت صرفت همتها إلى بيضها محاذية له، ولا تزال كذلك حتى يخلف الله الولد فيها؛ إذ لا بد لها أن تحضن البيض حتى يدرك بحرارتها، فإن أسفلها صلب لا حرارة فيه، وربما تقبض السلحفاة على ذنب الحية وتمضغ من ذنبها، والحية تضرب بنفسها على ظهر السلحفاة حتى تموت.

قال بليناس الحكيم: إذا قلبت السلحفاة على ظهرها في مكان فيه البرد لا يقع في ذلك المكان من البرد ضرر.

أما خواص أجزائها: فعينها تشد على صاحب الرمد يبرأ، وقالوا: كل عضو من أعضاء السلحفاة إذا شد على مثله من أعضاء الإنسان وكان وجعا أبرأه، ورجلها تشد على المنقرس، اليمنى على اليمنى واليسرى على اليسرى تنفعه، ودمها يطلى به على العانة والإبط بعدها ينتف ما عليها مرتين أو ثلاثة لا ينبت شعرها، وتأثيرها في النساء أقوى، ومرارة البحري أقوى منها، تخلط بعسل النحل الشهد تمنع من نزول الماء إذا اكتحل بها وتزيل البياض والكدورة وتصلح للخناق شربا.

وإذا وضعت على منخر المصروع نفعته، وظهرها إذا اتخذ منه مكبية ووضعت على رأس القدر لم تغل أصلا، وبيضها إذا سقي من صفرته ثلاثة مثاقيل باللبن الحليب نفع من السعال الشديد.

(سمك) أصناف السمك كثيرة جدّا، ولكل صنف اسم خاص، منها ما لا يدرك الطرف أولها وآخرها لعظمها، ومنها ما لا يدركه الطرف لصغرها، وحكى بعض التجار قال: مرت بنا سمكة وانتهى ذنبها بعد أربعة أشهر.

وذكروا أن السمكة إذا باضت تأتي إلى ماء ضحضاح وتحفر فيه حفرة وتبيض فيها وتغطيها بالطين فتفقس فيها بإذن الله تعالى، وأما خاصيته فإن السكران الثمل إذا شمه يرجع إليه عقله ويزول سكره.

وقال ابن سينا: لحم السمك نافع لماء العين، ويحد البصر مع العسل. وقال غيره: يزيد في الباه ويخصب البدن، ومرارة السمك إذا شربت تنفع للخناق، وكذلك إذا نفخت في الحلق مع شيء من السكر، والله أعلم.

(شبوط) نوع من السمك مشهور، طوله ذراع وعرضه أربع أصابع، طيب اللحم جدّا، يكثر منه بدجلة، ذكر بعض الصايدين أن الشبوط ينتهي إلى الشبكة فلا يستطيع الخروج منها، فيعلم أنه ليس ينجيه إلا الرسوب؛ فيتأخر قاب رمح، ثم يقبل جامزا بجراميزه حتى يثبت، فربما كان وثوبه في الهواء أكثر من عشرة أذرع، فيخرق الشبكة ويخرج منها.

(شفنين) حيوان بحري تسمى بهذا الاسم، وله وجمة وشكل عجيب، وجمته منقلبة إلى خلاف الناحية التي ينبت منها قشره، تدلك به السن يسكن وجعها في الحال.

(صيرة) سمكة صغيرة يسميها أهل الشام بهذا الاسم، يتخذ منه المري، ويتمضمض به صاحب القلاع الخبيث، ينفع نفعا بينا.

(ضفدع) حيوان بري وبحري، له عينان بارزتان غاية البروز، وحاسة سمعه وبصره حادة جدّا، عن أنس بن مالك ﵁ عن رسول الله ﷺ: «لا تقتلوا الضفدع،

فإنها مرت بنار إبراهيم ﵇ فحملت في أفواهها الماء وكانت ترشه على النار»، وعن عبد الله بن عمر ﵄: «لا تقتلوا الضفدع، فإن نقيقهن تسبيح».

وأول نشء الضفادع أن تظهر في الماء شبه معي رقيق، وترى في الماء شبه حب أسود كالدخن، فإذا امتلأ ذلك الوعاء من ذلك الحب خرجت منه كالدعموص، ثم بعد أيام تنبت منه اليدان والرجلان.

قال الشيخ الرئيس: إذا كثرت الضفادع في شيء من السنين على خلاف العادة وقع الوباء عقيبه، والضفدع كثير النقيق بالليل، فإذا رأى النهار ترك النقيق.

وقال بعضهم: إذا ألقي في النبيذ يموت، وإذا ألقي في الماء عادت حياته.

قال الجاحظ: الضفدع لا يمكنه النقيق إلا إذا كان حنكه الأسفل في الماء، فإذا صار الماء في فمه صاح؛ ولهذا لا تصيح الخارجات من الماء، وضفدع البر أخضر وهو سم، من سقي منه فسد مزاجه وينتفخ بطنه ويعرض له الاستسقاء، وإذا وضع على الثآليل قلعها، وإذا شق بطنه ووضع على لسعة الحية ينفع نفعا بينا.

وقال الشيخ الرئيس: الضفادع الإجامية الخضرة والبحرية تورث من شربها كمودة اللون وظلمة البصر ونتن الفم والدوار أيضا، ويعرض له اختلاط عقل، ومن سلم منها تسقط أسنانه.

قال الجاحظ: إن الأشد في مناقع المياه والآجام تأكلها أشد أكل.

قال بليناس: إن جعلت ضفدعا فوق قدر تغلي زال غليانها، وإن علق على صاحب حمى الربع برئ.

ومن خواصه العجيبة ما ذكر أن الضفدع إذا أخذ فقد نصفين من رأسه إلى أسلفه، وتنظر إليه امرأة غلبت شهوتها وكثر ميلها إلى الرجال فإن شهوتها تنكسر.

وأما خواص أجزائه: فإن لسانه إذا جعل في الخبز ويطعم من اتهم بالسرقة أقر بها، وإن وضعته امرأة نائمة تكلمت بما عملت في اليقظة وهي نائمة، وأطرافه تحرق بنار القصب، ويطلى برمادها الموضع الذي ينبت عليه الشعر، فإن الشعر لا ينبت عليه، ودمه يطلى به على الموضع الذي نتف شعره فإنه لا ينبت.

وقال بليناس: من لطخ به وجهه أحبه كل من يراه، شحمه يوضع على اللثة يسقط السن بلا وجع.

(ولنختم) خواص الضفادع بحكاية عجيبة؛ وهي أني كنت بالموصل وبنى صاحب الموصل في بستان مجلسا وبركة، وتوالدت الضفادع فيها، وكان نقيقها يؤذي سكان المجلس طول الليل، فقال الأمير: دبروا دفع هذا النقيق فما أفاد شيئا، حتى جاء رجل وقال: اجعلوا طشتا على وجه الماء مكبوبا ففعلوا؛ فلم يسمع بعد ذلك شيء من النقيق أصلا.

(علق) حيوان أسود اللون بقدر أصبع الخنصر، يوجد في المياه يستعمل في المعالجات، فإن الأطباء إذا أرادوا إخراج الدم من موضع مخصوص أخذوا هذا الحيوان في قطعة طين وقربوه من العضو؛ فإنه يتشبث به ويمص الدم منه، وإذا أرادوا سقوطه رشوا عليه ماء الملح؛ فإنه يسقط في الحال.

وربما يكون العلق في الماء يشربه الحيوان يتشبث العلق بحلقه، فطريقه أن يدخن بربر الثعلب، فإذا أصابها دخانه سقط في الحال، وإن دخنت البيت بالعلق هلك ما فيه من الأنحل والبق والبعوض وأمثاله، وإذا ترك العلق في قارورة حتى يموت ثم يسقى وينتف الشعر ويطلى به موضعه؛ فإنه لا ينبت الشعر بعد ذلك أبدا.

(قطا) صنف من الدواب الصدفية، يوجد ببلاد الهند في المياه القائمة المنبثة للناردين، ويوجد بأرض بابل أيضا، وهو من أعجب الحيوانات، له بيت صدفي يخرج منه، وجلده أرق شيء، وله رأس وأذن وعينان وفم، فإذا دخل في بيته يحسبه الإنسان صدفة، وإذا خرج منه ينساب على الأرض ويجر بيته معه، فإذا جفت المياه في الصيف تجمع، ورائحته عطرة؛ لأن هذا الحيوان يرتعي الناردين، وإذا بخر به ينفع من الصرع، وإذا أحرق يجلو رماده الإنسان، وإذا نثر على حرق النار وترك حتى يجف عليه نفع نفعا بينا، والله الموفق.

(فرس الماء) قالوا: إنه كفرس البر إلا أنه أكبر عرفا وذنبا وأحسن لونا، وحافره مشقوق كحافر بقر الوحش، وجثته دون فرس البر وفوق الحمار بقليل، وربما يخرج هذا الفرس من الماء وينزو على فرس البر فيتولد منهما ولد في غاية الحسن.

وحكى أن الشيخ أبا القاسم - ويعرف بكركان ﵀ وهو من مشايخ خراسان نزل على ماء وكان معه حجرة، فخرج من الماء فرس أدهم عليه نقط بيض كالدراهم، ونزا على الحجرة؛ فولدت مهرا شبيها بالذكر عجيب الصورة، فلما كان ذلك الوقت عاد إلى ذلك المكان، والحجرة والمهر معه طمعا في مهر آخر فخرج الفحل وشم مهره، ثم وثب في الماء، ووثب المهر بعده، فكان الشيخ يعاود ذلك الموضع مع الحجرة فسمي أبا القاسم كركان.

قال عمر بن سعد: فرس الماء بمصر يؤذن بطلوع النيل بأثر وطء فإنهم حيث وجدوا أثر رجله عرفوا أن ماء النيل ينتهي إلى ذلك الموضع.

أما خواص أجزائه: فسنه نافعة لوجع البطن، ذكروا أن جمعا من السودان الذين يسكنون شاطئ النيل من الحبشة يشربون الماء المكدر ويأكلون السمك النيئ؛ فيصيبهم المغص؛ فيشدون هذا السن على العليل فيزول عنه في الحال، عظامه تحرق وتخلط بشحمه ويضمد به السرطان يردعه ويزيل أثره في الحال، خصيته تجفف وتسحق وتشرب لنهش الهوام، جلده إن دفن وسط قرية لم يقع بها شيء من الآفات، ويحرق ويجعل على الورم يسكن.

(قاطوس) سمكة عظيمة تكسر السفينة، والملاحون يعرفونها، يتخذون خرق الحيض ويعلقونها على السفينة، فإنها تهرب عنهم.

(قطا) سمكة عظيمة، ذكروا أن عظم ضلعه يتخذ قنطرة يعبر الناس عليها، شحمه إذا طلي به البرص يزول بإذن الله.

(قندر) حيوان بري وبحري يكون في الأنهار العظام في بلاد إيسودون، ويتخذ من البر بيتا إلى جانب النهر، ويجعل لنفسه فيه مكانا عاليا كالصفة، ولزوجته دون الذي له بدرجة، وعن شماله لأولاده، وفي أسفل البيت لعبده.

ولمسكنه بابان: باب إلى البر، وباب إلى البحر، فإن جاءه العدو من جهة الماء أو طغا الماء خرج إلى البر، وإن جاءه من جهة البر خرج إلى الماء يأكل لحم السمك وخشب الخليج، والتجار في تلك البلاد يعرفون جلد الخادم والمخدوم؛ لأن الخادم يجذب خشب الخليج؛ فتسقط طاقات جلده.

أما خواص أجزائه: فخصيته تسمى الجند بيد ستر، تنفع من ريح أم الصبيان إذا سقي منه قدر حبة الجلبان، وهو مجرب، وينفع أيضا من الفالج واللقوة والنسيان والرياح الغليظة كلها.

قال الشيخ الرئيس: إنه ينفع من القروح القتالة والرعشية والتشنج والكزاز والخدر والفالج، وينفع من النسيان، ويخرج المشيمة والجنين، وهو نافع من لسع الهوام.

(قنفذ الماء) هو حيوان مقدمه يشبه القنفذ البري ومؤخره يشبه السمك، لحمه طيب الطعم يدر البول، جلده ينفع الجرب إذا طلي به، زعموا أنه إذا أخذ طائر أسفيدرون وشد عليه من جلد هذا السمك؛ فإن الهوام تموت من صوته والسباع تهرب.

(قوقى) صنف من السمك عجيب جدّا، على رأسه شوكة قوية يضرب بها، حكى الملاحون أن هذه السمكة إذا جاعت رمت نفسها إلى شيء من الحيوان ليبلعها، ثم إنها تضرب بشوكتها أحشاءه حتى تهلكه، وربما تخرج من شق بطنه، وتتغذى به هو وغيره.

وإذا قصدها قاصد في الماء تضربه بالشوكة تهلكه، ولعلها تضرب السفينة بالشوكة فتفتحها وتغرق أهلها وتأكل منها، والملاحون لما عرفوا ذلك ألبسوا السفينة جلد ذلك السمك الذي تقدم ذكره؛ فإن شوكتها لا تعبر عليه.

(كلب الماء) حيوان مشهور، يداه قصيرتان ورجلاه أطول منها، ذكروا أنه يلطخ بدنه بالطين؛ ليحسبه التمساح طينا، ثم يدخل جوفه ويقطع أحشاءه ويأكلها، ثم يمرق ويخرج منه؛ ولذلك من كان معه شحم كلب الماء يأمن غائلة التمساح.

وذكر بعضهم أن جند بيد ستر خصية هذا الحيوان، وأن الذكر لا يصلح جلده للفراء، وإنما الأنثى جلدها جيد، والذكر لا يصلح إلا لخصيته، والصيادون إذا ظفروا به سلوا خصيته وسيبوه، فإن وقع في الشبكة مرة أخرى يرفع للصياد رجليه؛ ليعلم أن خصيته قد نزعتا ليخلصه من الشبكة.

أما خواص أجزائه: فإن دماغه ينفع من ظلمة العين اكتحالا، ومرارته قدر عدسة منها سم قاتل.

وقال ابن سينا: خصيته تنفع من نهش الهوام مجرب لريح أم الصبيان إذا سقي قدر حبة الجلبان، وجلده يتخذ منه جورب يلبسه المنقرس يزول عنه بإذن الله، والله الموفق.

(كوسج) صنف من السمك معروف، طولها مقدار ذراع لها أسنان كأسنان الناس، يضرب بها الحيوان يقطعه وأكثرها بقرب البصرة.

قال الجاحظ في جوف الكوسج: شحمة طيبة يسمونها الكبد، فإن اصطادوا هذه السمكة ليلا وجدوا هذه الشحمة وافرة، وإن اصطادوها نهارا لم يجدوا تلك، وقد مر ذكر كوسج في بحر فارس فلا نعيده.

(النظر الخامس: في كرة الأرض) الأرض جسم بسيط طباعه أن يكون باردا يابسا متحركا إلى الوسط، زعموا أن شكل الأرض كرة، والقدر الخارج من الماء جذبته؛ لأن القوم اعتبروا خسوفا واحدا فوجدوه في البلاد الشرقية والغربية مختلف الأوقات.

فلو كان طلوع القمر وغروبه في وقت واحد بالنسبة إلى الأماكن لما اختلف، وإنما خلقت باردة يابسة للغلظ والتماسك؛ إذ لولا ذلك لما أمكن قرار الحيوان على ظهرها وجذوب المعادن والنبات في بطنها، وهي مركز الأفلاك واقفة في الوسط بإذن الله تعالى.

والماء محيط بها إلا القدر البارز الذي جعله الله تعالى مقرّا للحيوان، وبعد الأرض من السماء من جميع جهاتها متساوية، وليس شيء من مظاهر سطح الأرض أسفل كما توهم كثير من الناس، ممن ليس له بالهيئة والهندسة.

ثم إن الإنسان في أي موضع وقف على سطح الأرض فرأسه أبدا مما يلي السماء، ورجله أبدا مما يلي الأرض، وهو يرى من السماء نصفها، وإذا انتقل إلى موضع آخر ظهر له من السماء بقدر ما خفي من الجانب الآخر تسعة وعشرين فرسخا درجة.

والبحر المحيط الأعظم أحاط بأكثر وجه الأرض، والمكشوف منها قليل على مثال بيضة غائصة في الماء، وانكشف بعضها، وعلى المنكشف منها: الجبال والتلال والوهاد، ولها: منافذ وخلجان وأنهار وبطائح وآجام وغدران، وما فيها قيد شبر إلا وهناك معدن أو نبات أو حيوان، ولا يعلم تفصيلها إلا الله ﴿وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاّ يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩].

النص من طبعة مكتبة الثقافة الدينية بالقاهرة (٢٠٠٦م) كما في المكتبة الشاملة، بلا حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.