من «عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات» لزكريا القزويني (ت ٦٨٢هـ)
فصل: في حيوان هذا البحر (٢)
صور حديثة على وصف القزويني؛ في صفحة كل مخلوق منمنمته في المخطوط إن وُجدت.
(منها المنشار) قال بعض التجار: إنها سمكة مثل الجبل العظيم، ومن رأسها إلى ذنبها مثل أسنان المنشار من عظام سود مثل الأبنوس، كل سن منها في رؤية العين مقدار ذراعين، وعن رأسها عظمان طويلان، كل عظم مقدار عشرة أذرع، وكانت تضرب بالعظمين البحر يمينا وشمالا، فيسمع صوته صوتا هزيلا.
وقالوا: وكنا نرى الماء يخرج من فيها وأنفها ويصعد إلى السماء وتصل إلينا رشاشاته مثل المطر، وبيننا وبينها مسافة بعيدة، وهذه السمكة تقطع السفينة إذا عبرت من تحتها أو خزجت عليها، فإذا رأى أصحاب المركب هذه السمكة يضجون إلى الله تعالى؛ حتى يدفعها عنهم مكرمة.
(ومنها) سمكة تعرف بالبال، طولها أربعمائة ذراع إلى خمسمائة ذراع، فيظهر في بعض الأوقات طرف من جناحه يكون كالشراع العظيم، ويظهر رأسه وينفخ فيه الماء فيذهب الماء في الجو أكثر من غلوتين، والمراكب تفزع منها ليلا ونهارا، فإذا أحسوا بها ضربوا بالدبادب وضجوا حتى تنفر، وإنها تحشو بذنبها وأجنحتها السمك إلى فيها.
فإذا بغت على حيوان البحر بعث الله سمكة نحو الذراع تدعى اللشك تلتصق بأذنابها ولا خلاص للبال منها، فتطلب قعر البحر وتضرب الأرض بنفسها حتى تموت وتطفو فوق الماء كالجبل العظيم، وربما يقذف البحر عند اشتداده قطعا من العنبر كالتلال فيأكلها البال فيقلها فتطفو فوق الماء.
ولها أناس يرصدونها في المراكب من الزنج، فإذا أحسوا بذلك طرحوا فيها الكلاليب وجذبوها إلى الساحل ويشقون بطنها، ويستخرجون العنبر منها، فما يكون في بطنها يكون شهكا تعرفه التجار والعطارون بالعراق وفارس والهند، وما يكون في ظهرها يكون جيدا نقيّا، والله الموفق.
(بحر المغرب) هو من بحر الشام وبحر قسطنطينية، مأخذه من البحر المحيط ثم يمتد مشرقا فيمر بشمالي أندلس ثم ببلاد الفرنج إلى قسطنطينية، ويمتد من جهة الجنوب إلى بلاد أولها سلا ثم سبتة وطنجة إلى طرابلس والإسكندرية، ثم سواحل الشام إلى أنطاكية، وفيه الجزائر العظيمة كجزائر الأندلس وغيرها.
وذكر في كتاب أخبار مصر: أنه بعد هلاك الفراعنة كان ملك بني دلوكة في شق البحر المحيط من المغرب، وهو بحر الظلمات، فغلب على كثير من البلدان العامرة والممالك العظيمة، وامتد إلى الشام وبلاد الروم، وصار حاجزا بين بلاد مصر والروم، وهو الخليج الذي في زماننا هذا على أحد ساحليه المسلمون، وعلى الآخر النصارى من الفرنج.
وهناك مجمع البحرين، وهما بحر الروم والمغرب، وعرضه ثلاثة فراسخ، وطوله خمسة وعشرون فرسخا، وفيه يظهر المد والجزر في كل يوم وليلة أربع مرات، وذلك في البحر الأسود وهو بحر المغرب، عند طلوع الشمس يعلو يصب في مجمع البحرين حتى يدخل في بحر الروم وهو البحر الأخضر إلى وقت الزوال.
فإذا زالت الشمس غاض البحر الأسود، وانصب فيه الماء من البحر الأخضر إلى مغرب الشمس، ثم يغيض الماء الأخضر ويعلو البحر الأسود إلى نصف الليل، ثم يغيض البحر الأسود وانصباب الماء من البحر الأخضر إلى طلوع الشمس، وفي هذا البحر من الجزائر والحيوانات ما يتعجب منه، فلنذكر بعضها إن شاء الله تعالى.
النص من طبعة مكتبة الثقافة الدينية بالقاهرة (٢٠٠٦م) كما في المكتبة الشاملة، بلا حواشي المحقق. مصادر الموقع
