من «عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات» لزكريا القزويني (ت ٦٨٢هـ)
فصل: في عجائب جزائر بحر الصين
جزائر هذا البحر كثيرة لا يعلمها إلا الله، لكن بعضها مشهور يصل إليه الناس، منها جزيرة راتج، وهي جزيرة كبيرة في حدود الصين أقصى بلاد الهند، يملكها ملك يقال له: المهراج.
قال محمد بن زكريا: للمهراج جباية تقع في كل يوم مائتي من الذهب زنة كل من ستمائة درهم يتخذ منها لبنا ويطرحه في الماء وخزانته الماء.
وقال ابن الفقيه: بها سكان شبه الآدميين، إلا أن أخلاقهم بالوحش أشبه، ولهم كلام لا يفهم، وبها أشجار وهم يطيرون من شجرة إلى شجرة.
قال: وبها نوع من النسانيس له أجنحة كأجنحة الخنافس من أصل الأذن إلى ذنب، وفيها وعول كالبقر الوحشية، ألوانها حمر منقطة ببياض، وأذنابها كأذناب الظباء، ولحومها حامضة، وبها دابة الزباد، وهي شبه الهر، يجلب منها الزباد، وبها فأر المسك، وبها جبل يسمى النصان، وهو جبل مشهور به حيات عظام منها ما يبتلع الفيل، وبها قردة بيض كأمثال الجواميس وأمثال الكباش، ونوع آخر أبيض الصدر أسود الظهر.
قال زكريا بن يحيى بن خاقان: بجزيرة الراتج صنف من الببغاء بيض وحمر وصفر يتكلم بأي لغة تكون بها خلق على صورة الإنسان يتكلم بكلام لا يفهم، يأكل ويشرب كالإنسان، وهم بيض وسود وخضر، ولها أجنحة تطير بها.
وقال ابن بحر السيرافي: كنت في بعض جزائر الراتج فرأيت وردا كثيرا أحمر وأصفر وأزرق وغير ذلك، فأخذت ملاءة حمراء، وجعلت فيها شيئا من الورد الأزرق، فلما أردت حملها رأيت نارا في الملاءة أحرقت جميع ما فيها من الورد ولم تحرق الملاءة، فسألت الناس عنها فقالوا: إن في هذا الورد منافع كثيرة ولا يمكن إخراجه من هذه الغيضة.
قال محمد بن زكريا: من عجائب هذه الجزيرة شجر الكافور، وهو عظيم جدّا، الشجرة تظل مائة إنسان وأكثر، فيقرأ على الشجرة فيسيل ماء الكافور عدة جرار، ثم ينقر أسفل من ذلك وسط الشجرة فتنثر منها قطع الكافور، وهو صمغ تلك الشجرة، فإذا أخذ منها ذلك يبست.
(ومنها) جزيرة رامني، وفيها عجائب كثيرة، قال ابن الفقيه: فيها ناس حفاء عراة رجالا ونساء لا يعرف كلامهم، مساكنهم رءوس الأشجار، وعلى أبدانهم شعور تغطي سوآتهم، وهم أمة لا يحصى عددها، مأكلهم ثمار الأشجار، ويستوحشون من الناس، فإذا حمل أحد منهم إلى موضع الناس لا يستقر، وينفر إلى الغياض.
وقال محمد بن زكريا الرازي: بجزيرة الرامنى ناس عراة لا يفهم كلامهم؛ لأنه شبه صفير، ويستوحشون من الناس، طول أحدهم أربعة أشبار، وجوههم عليها زغب أحمر، ويصعدون على الأشجار، وبها شجر الكافور والخيزران والبقم، ويغرس شجر البقم غرسا، وحمله أشبه بالخرنوب، وطعمه طعم العلقم.
قال محمد بن زكريا الرازي: بجزيرة الرامنى الكركدن، وهو حيوان على شكل الحمار العظيم جدّا، على رأسه قرن واحد معقف، وقال أيضا: إن بها جواميس لا أذناب لها.
(ومنها) جزائر السلاهي، وهي جزائر كثيرة، من دخلها من الآدميين لا يخرج منها؛ لكثرة خيرها، وفيها ذهب كثير وبزاة شهب وشواهين، ومن العجائب ما حكي أن ملوك السلاهي بها دون ملك الصين، ويزعمون أنهم إن لم يفعلوا ذلك قحطت بلادهم ولم يمطروا، حكاه ابن الفقيه في كتابه.
(ومنها) جزيرة الواق واق، تتصل بجزائر الراتج، والمسير إليها بالنجوم، قالوا: إنها ألف وسبعمائة جزيرة تملكها امرأة.
قال موسى بن المبارك السيرافي: دخلت عليها فرأيتها على سرير عريانة، وعلى رأسها تاج من ذهب، وعندها أربعة آلاف وصيفة أبكارا، قالوا: إنما سميت بهذا الاسم؛ لأن بها شجرا يسمع من يمر بها صوته كأنه يقول: واق واق، وأهلها يفهمون من هذا الصوت شيئا فيتطيرون منه.
قال محمد بن زكريا: هي جزيرة كثيرة الذهب حتى إن أهلها يتخذون منه سلاسل كلابهم وأطواق قرودهم من الذهب، وبها شجر الأبنوس.
(ومنها) جزيرة البنان، فيها قوم عراة ألوانهم بيض ولهم جمال وحسن صورة، يأوون إلى رءوس الجبال، ويأكلون الناس، ومن وراء ذلك جزيرتان عظيمتان طولا وعرضا، فيهما قوم سود لهم خلق عادي، أجسامهم عظيمة وشعورهم مغلغلة ووجوههم طوال، وقدم أحدهم مقدار ذراع، ويأكلون الناس أيضا.
(ومنها) جزيرة أطوران، وهي جزيرة كبيرة بها الكركدن ونوع من القردة كالحمر العظام، وبها شجرة الكافور.
ذكر أن مراكب الإسكندر وقعت في هذا البحر فوصلت إلى جزيرة فيها قوم على هيئة الإنسان، رءوسهم كرءوس السباع، فلما دنوا منهم غابوا عن أبصارهم.
النص من طبعة مكتبة الثقافة الدينية بالقاهرة (٢٠٠٦م) كما في المكتبة الشاملة، بلا حواشي المحقق. مصادر الموقع