من «عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات» لزكريا القزويني (ت ٦٨٢هـ)
فصل: في الهالة وقوس قزح وغيرهما من الأشياء التي تظهر ونراها في الجو
قال القاضي عمر بن سهلان المناوي رحمه الله تعالى: تحقيق هذه الأمور موقوف على مقدمات:
(المقدمة الأولى) في معنى انعكاس البصر، وهو لا يقاس على انعكاس الضوء؛ لأن انعكاس الضوء له حقيقة في الخارج، وأما انعكاس البصر فلا حقيقة له في الخارج، وإنما يقدر بطريق التوهم؛ إذ لا فرق في مقصودنا بين الانعكاسين.
أما انعكاس الضوء فهو أن يقع شعاع من جسم مضيء على جسم كثيف صقيل ويعكس منه، ويقع على جسم يكون وضعه من هذا الجسم الصقيل كوضع الجسم المضيء من ذلك الصقيل، لكنه يخالفه في الجهة على وجه تكون زاوية الاتصال كزاوية الانعكاس، وليس ذلك بشكل هندسي.
ولتكن دائرة (كر) جرم الشمس، ودائرة خط المرآة الصقيلة وخط (اب) شعاع الشمس و (لح) الجسم الكثيف الذي هو في خلاف جهة الشمس من المرآة، فإن الشعاع يرجع من المرآة ويقع على الجسم الكثيف إذا لم يكن بينهما حائل، فلو قدرنا أن من شعاع (اب) يقوم على سطح المرآة خط كالعمود، وفرضنا على سطح المرآة خطّا وهو (ده) تظهر من خط (اب) الذي هو شعاع (يه) المفرض على سطح المرآة زاوية من خط (لح) الذي هو الشعاع الراجع من خط (يه) زاوية أخرى موازية للزاوية المتقدمة.
فزاوية (ا ي د) زاوية اتصال الشعاع وزاوية (هـ ب ح) زاوية انعكاس الشعاع، فإذا فرضنا خط الشعاع عمودا على سطح المرآة كخط (وي) كان ناقصا على أعقابه، فإذا عرف انعكاس الضوء فيقاس عليه انعكاس البصر.
فنقول: إذا كان في محاذاة النظر جسم صقيل، وتوهمنا أن خطّا خرج من الحدقة واتصل بالجسم الصقيل، وقدرنا خروج خط من هذا السطح بين سطح الجسم الصقيل وبين سطح الخط المتصل من الناظر، فيظهر من الخطين - أعني: الخط المتصل من الناظر إلى الجسم الصقيل، والخط المرسوم على سطح الجسم - زاويتان.
فإن كانتا قائمتين فانعكاس البصر ناكص على أعقابه، وإن لم تكونا قائمتين فالتي تكون من
طرف الناظر حادة والأخرى منفرجة، فلو فرضنا خطّا خارجا من النقطة المشتركة بين هذين الخطين مخالفا لجهة الناظر وكون وضعه من هذا الجسم الصقيل كوضع خط الناظر، فكل جسم كثيف وقع في طريق هذا الخط يراه الناظر، وتسمى هذه الرؤية انعكاس البصر، كما إذا رأى الإنسان في المرآة من كان خلفه أو على جانبيه أو كان فوقه أو تحته إذا كان بهذه الشرائط، والله الموفق.
(المقدمة الثانية) إن المرآة الصغيرة لا يرى فيها شكل الأشياء كما هي، بل يرى منها لونها كالشكل المربع والمثلث وأمثالهما، فإن شكلها لا يرى في المرآة الصغيرة بل يرى لونها كأحمر وأسود.
(المقدمة الثالثة) إن المرآة إذا كانت ملونة لا يرى فيها لون الأشياء كما هي، بل فيها مشوبة بلون المرآة كالكافور في الشيء الأخضر، فإنه يرى أبيض مشوبا بلون الخضرة، وهكذا سائر الألوان.
(المقدمة الرابعة) إن ما يرى في المرآة لا حقيقة له في المرآة؛ لأنه لو كان له في المرآة حقيقة لكان الناظر إذا انتقل إلى مكان آخر رأى ذلك الشيء فيه على وضعه، وليس كذلك؛ لأنا نرى شجرة في المرآة ثم إذا انتقلنا إلى جانب آخر نرى الشجرة في جانب غير ذلك الجانب، وما كان حقيقيّا لا يتغير مكانه بسبب تغير مكان الناظر إليه، فثبت أن ما يرى في المرآة لا حقيقة له، بل هو من باب الخيال.
ومعنى الخيال في هذا المقام أن ترى صورة الشيء مع صورة غيره بتوهم أن إحداهما داخلة في الأخرى، ولا يكون في الحقيقة كذلك، بل إحداهما ترى بواسطة الأخرى من غير ثبوتها فيها، فإذا نظر الناظر في المرآة فكل جسم تكون نسبته إلى المرآة كنسبة الناظر على ما بيناه في انعكاس شعاع البصر يصير مرئيّا، إذا عرفت هذه المقدمات فنقول: وبالله التوفيق.
(أما الهالة) فتحدث من أجزاء ثقيلة صغيرة حدثت في الجو، وأحاطت بغيم رقيق لطيف لا يستر ماوراءه، وانعكس من الأجزاء الثقيلة شعاع البصر إلى القمر؛ لأن ضوء البصر وغيره إذا وقع على الصقيل ينعكس إلى الجسم الذي يكون وضعه من ذلك الصقيل كوضع المضيء منه، إذا كانت جهته مخالفة لجهة المضيء، فيرى ضوء القمر، ولا يرى شكله؛ لأن المرآة إذا كانت صغيرة لا يرى شكل المرئي فيها، بل ضوؤه، فيؤدي كل واحد من تلك الأجزاء ضوءه، فيؤدي كل واحد من تلك الأجزاء ضوء القمر، فترى دائرة مضيئة وهي الهالة.
(وأما قوس قزح) فإنما يكون إذا حدثت في خلاف جهة الشمس أجزاء مائية شفافة صافية من نزول مطر وبخار، وكانت الشمس مكسوفة قريبة من الأفق المقابل، ووراء تلك الأجزاء جسم كثيف مثل جبل أو سحاب مظلم، وإذا استدبر الناظر الشمس ونظر إلى تلك الأجزاء صارت الشمس في خلاف جهة الناظر، فانعكس شعاع البصر من تلك الأجزاء إلى الشمس؛ لكونها صقيلة، فأدت ضوء الشمس دون الشكل؛ لكونها أجزاء صغيرة، فكل واحد يؤدي ضوء الشمس دون شكلها كما بينا.
وسبب استدارة القوس وقوع الأشياء مستديرة بحيث لو جعلنا مركز جسم الشمس قطب دائرة على محيط فلكها؛ لكانت تلك الأجزاء مسامتة لتلك الدائرة، وتختلف ألوان القوس بحسب تركب لون المرآة ولون الشمس كما بينا، فترى قسيا مختلفة الألوان بعضها أحمر وبعضها أخضر وبعضها أرجواني، وأغلب الأوقات لونها مركب من ثمانية، وقد ترى في بعض الأوقات فيها أصفر أيضا.
فلو لم يكن وراء الأجزاء الثقيلة التي حدثت بعد المطر أو البخار جسم كثيف لا يظهر قوس قزح؛ لأن الأجزاء الشفافة ينفذ شعاع البصر فيها ولا ينعكس كالبلور إذا جعلته في مقابلة الشمس من غير أن يكون وراءه جسم كثيف ينعكس عنه شعاع البصر.
قال بعضهم: سبب اختلاف ألوانها قربها من الشمس وبعدها، فما يرى منها أحمر فإنه أقرب إلى الشمس، وما يرى أصفر فإنه أبعد من الأحمر، وما يرى أرجوانيّا فبعيد عن الشمس ومخالط للظلمة، وما يرى كميتا فمركب من الصفرة والأرجواني والبنفسجي.
وحكى الشيخ الرئيس أنه كان على الجبل الذي بين باورد وطوس، وأنه أعلى الجبال، وكانت السماء مكشوفة، فقال: كنت في وسط الجبل، بيني وبين الأرض سحاب رطب، والشمس في وسط السماء، فنظرت إلى السحاب الذي كان بيني وبين الأرض فرأيت دائرة نقية بلون قوس قزح، فشرعت في النزول عن الجبل والدائرة تصغر، فكلما نزلت رأيتها أصغر مما كانت قبل ذلك إلى أن وصلت إلى السحاب فاضمحلت.
(النظر الثالث: في كرة الماء) الماء جرم بسيط طباعه أن يكون باردا رطبا شفافا متحركا إلى المكان الذي تحت كرة الهواء وفوق كرة الأرض، زعموا أن شكل الماء كروي؛ لأن راكب البحر إذا قرب من جبل ظهر أعلاه أولا ثم أسفله، مع أن البعد بينه وبين الأعلى أكثر مما بينه وبين الأسفل، ولو لم يكن للماء حدبة تمنع من ذلك لما رئي أعلاه قبل أسفله.
لكن استدارة كرة الماء غير صحيحة؛ لأن الباري تعالى لما أراد أن يجعل الأرض مقرّا للحيوان وحيوانات البر لابد لها من الهواء للتنفس، ومن الأرض للمقر، فخلق - جلت قدرته - الأرض ذات تضاريس خارجة من الماء بمنزلة خشونات تكون على ظاهر الكرة، وذلك لا يقدح في أن يكون شكل الماء أو شكل الأرض كرويا.
ثم إنه تعالى جعل التضاريس محلا للحيوانات البرية والوهاد للحيوانات المائية، وكل واحد من الأركان في حيزه محيط بالآخر إلا الماء، فإنه منعته العناية الإلهية عن الإحاطة بجميع جوانب الأرض؛ لما ذكرنا من الحكمة.
واعلم أن الماء عذب ومالح، وكل واحد منهما له فائدة لا توجد في الآخر، أما المالح فملوحته من الأجزاء الأرضية السبخة التي احترقت من تأثير الشمس واختلطت بالمياه وجعلتها مالحة، فلو بقيت على عذوبتها لتغيرت من تأثير الشمس وكثرة الوقوف؛ لأن من شأن الماء العذب أن ينتن من كثرة الوقوف وتأثير الشمس فيه، ولو كان كذلك لسارت الرياح بنتنها إلى أطراف الأرض؛ فأدى إلى فساد الهواء، ويسمى ذلك طاعونا، فصار ذلك سببا لهلاك الحيوان، فاقتضت الحكمة أن يكون ماء البحر مالحا؛ لدفع هذا الفساد.
ومن فوائد الماء المالح الدر والعنبر وأنواع ما يؤتى به من البحر، وسيأتي شرحها مفصلا إن شاء الله تعالى.
والمياه المالحة في الحماءة فيها شفاء للأمراض الصعبة، وماء زمزم صالح لجميع الأمراض المتفاوتة، قالوا: لو جمع جميع من داواه الأطباء لا يكون شطرا ممن عافاه الله بشرب ماء زمزم.
وأما العذب فمعظم فائدته الشرب، وفيه قوة إذا نقعت فيه مطعوما - كالزبيب مثلا - يمص جميع حلاوتها حتى لا يترك فيها شيئا من الحلاوة، وإذا خالط شيئا يأخذ طبعه ولونه فيصير عسلا وزيتا وخلاّ ولبنا ودما يقبل جميع الألوان والطعوم، ولا لون له ولا طعم.
ومن عجيب لطف الله تعالى أن كل مأكول ومشروب يحتاج إلى تحصيل أو معالجة حتى يصلح للأكل إلا الماء، فإن الله تعالى أكثر منه، ولا حاجة إلى معالجته؛ لعموم الحاجة إليه، فإن الله تعالى كفى الخلق ومعالجة إصلاح الماء بتأثير الشمس في مياه البحر وارتفاع البخار منها.
ثم إن الرياح تسوق ذلك البخار إلى المواضع التي شاء وينزلها مطرا، ثم يجون ذلك في الأوشال والكهوف في جوف الجبال وتحت الأرض، وتخرج منها شيئا بعد شيء، وتجري الأنهار والأودية، وتظهر من القنى والآبار بقدر ما يكفي العباد لعامهم، فإذا جاء العام المقبل أتاهم مطر وهكذا مثل الدولاب يدور حتى يبلغ الكتاب أجله، فسبحانه ما أعظم شأنه!
النص من طبعة مكتبة الثقافة الدينية بالقاهرة (٢٠٠٦م) كما في المكتبة الشاملة، بلا حواشي المحقق. مصادر الموقع