تجاوز إلى المحتوى

من «عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات» لزكريا القزويني (ت ٦٨٢هـ)

فصل: في الرعد والبرق وما يتعلق بهما

زعموا أن الشمس إذا أشرقت على الأرض حللت منها أجزاء أرضية يخالطها أجزاء نارية، ويسمى المجموع دخانا، ثم الدخان يمازجه البخار ويرتفعان معا إلى الطبقة الباردة من الهواء؛ فينعقد البخار سحابا، ويحتبس الدخان فيه، فإن بقي على حرارته قصد الصعود، وإن صار باردا قصد النزول.

وأيّا ما كان يمزق السحاب تمزيقا عنيفا؛ فيحدث منه الرعد، وربما يشتعل نارا؛ لشدة المحاكة؛ فيحدث منه البرق إن كان لطيفا، والصاعقة إن كان غليظا كثيرا؛ فتحرق كل شيء أصابته، فربما يذيب الحديد على الباب ولا يضر بخشبه، وربما يذيب الذهب في الخرقة ولا يضر الخرقة، وقد يقع على الماء فيحرق حيتانه وعلى الجبل فيشقه.

واعلم أن الرعد والبرق يحدثان معا، لكن يرى البرق قبل أن يسمع الرعد؛ وذلك لأن الرؤية تحصل بمراعاة البصر، وأما السمع فيتوقف على وصول الصوت إلى الصماخ، وذلك يتوقف على تموج الهواء، وذهاب النظر أسرع من وصول الصوت، ألا ترى أن القصار إذا ضرب الثوب ثم يسمع الصوت بعد ذلك بزمان.

والرعد والبرق لا يكونان في الشتاء؛ لقلة البخار الدخاني، ولهذا المعنى لا يوجد في البلاد الباردة عند نزول الثلج؛ لأن شدة البرد تطفئ البخار الدخاني، والبرق الكثير يقع عنده مطر كثير؛ وذلك لتكاتف أجزاء الغمام، فإنها إذا تكاتفت انحصر الماء فيها، فإذا نزل نزل بشدة، كما إذا احتبس الماء ومنع جريه ثم أطلق؛ فإنه يجري جريا شديدا، ولهذه العلة من أمسك نفسه عن الضحك قهقه بغتة، والله الموفق.

النص من طبعة مكتبة الثقافة الدينية بالقاهرة (٢٠٠٦م) كما في المكتبة الشاملة، بلا حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.