من «عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات» لزكريا القزويني (ت ٦٨٢هـ)
فصل: في أحوال عجيبة تعرض للبحار
إن للبحار أحوالا عجيبة من ارتفاع مياهها وهيجانها في أوقات مختلفة من الفصول الأربعة وأوائل الشهور وأواخرها وساعات الليل والنهار.
أما ارتفاعها فزعموا أن الشمس إذا أثرت في مياهها لطفت، وتحللت وملأت مكانا أوسع مما كان فيه قبل، فدافعت أجزاؤها بعضها بعضا إلى الجهات الخمس؛ الشرق والغرب والجنوب والشمال والفوق، فتكون على سواحلها في وقت واحد رياح مختلفة، هذا ما ذكروه في سبب ارتفاع مياهها.
وأما مد بعض البحار في وقت طلوع القمر، فزعموا أن في قعر البحر صخورا صلدة وأحجارا صلبة، وإذا أشرق القمر على سطح ذلك البحر وصلت مطارح أشعته إلى تلك الصخور والأحجار التي في قرارها، ثم انعكست من هناك متراجعة فسخنت تلك المياه وحميت ولطفت، فطلبت مكانا أوسع، وتموجت إلى ساحلها، ودفع بعضها بعضا، وفاضت على شطوطها، وتراجعت المياه التي كانت تنصب إليها إلى خلف.
فلا تزال كذلك ما دام القمر مرتفعا على وسط سمائه، فإذا أخذ ينحط سكن غليان تلك المياه وبردت تلك الأجزاء وغلظت، ورجعت إلى قرارها، وجرت الأنهار على عادتها، فلا يزال كذلك دائما إلى أن يبلغ القمر إلى الأفق الغربي.
ثم يبتدئ المد على مثال عادته في الأفق الشرقي، ولا يزال ذلك دائما إلى أن يبلغ القمر إلى وتد الأرض وينتهي المد، ثم إذا زال القمر عن وتد الأرض أخذ الماء راجعا إلى أن يبلغ القمر إلى أفقه الشرقي، هذا قولهم في مد البحار وجزرها.
وأما هيجانها فكهيجان الأخلاط في الأبدان، فإنك ترى صاحب الدم والصفراء وغيرهما يهتاج به الخلط ثم يسكن قليلا قليلا، وقد عبر النبي ﷺ عن ذلك بعبارة لطيفة فقال: «إن الملك الموكل بالبحر يضع رجله بالبحر فيكون منه المد ثم يرفع فيكون منه الجزر»، ولنذكر الآن هيئات البحار وبعض ما يتعلق بها من العجائب، والله الموفق.
(البحر المحيط) والبحر العظيم الذي منه مادة سائر البحار، ولم يعرف ساحله، يسميه اليونانيون أوقيانوس، والبحار التي تراها على وجه الأرض هي بمنزلة الخلجان له، وفيها من الجزائر المسكونة والخربة ما لا يعلمه إلا الله تعالى.
قال أبو الريحان الخوارزمي رحمه الله تعالى: إن البحر الذي في مغرب المعمورة على ساحل بلاد الأندلس يسمى البحر المحيط، ويسميه اليونانيون أوقيانوس، لا يولج فيه، وإنما يسلك بالقرب من ساحله ويمتد من هذه البلاد نحو الشمال؛ فيخرج منه خليط نبطس عند اليونانيين،
وعند غيرهم بحر طرابنده يمر عليه سور القسطنطينية، ويتضايق حتى يقع في بحر الشام، ثم يمتد نحو الشمال على محاذاة أرض الصقالبة، ويخرج منه خليج عظيم في شمال الصقالبة يمتد إلى أرض قريبة من أرض بلغام.
(البحر الأبيض) ينحرف نحو المشرق بين سالحه وبين أقصى أرض الترك أرضون وجبال مجهولة وخربة غير مسلوكة، ثم يتشعب منه خليج من أعظم الخلجان يكون منه البحر الذي يسمى في الموضع من الأرض التي تحاذيه باسمه، فيكون أولا بحر الصين، ثم بحر الهند، ثم يخرج منه خليجان عظيمان؛ أحدهما: بحر فارس، والآخر: بحر القلزم، ثم ينتهي إلى بحر معروف ببحر البربر، ويمتد من عدن إلى سقالة الزنج.
وهذا البحر لا يتجاوزه مركب لعظم المخاطرة، ثم ينتهي إلى الجبال المعروفة بالقمر التي ينبع منها عيون نيل مصر، ثم إلى أرض سودان المغرب، ثم إلى بلاد الأندلس وبحر أوقيانوس، وفي هذا البحر من الجزائر ما لا يعرفه إلا الله تعالى.
وأما ما وصل إليه الناس فكثير، كل جزيرة من عشرين فرسخا إلى مائة فرسخ وإلى ألف فرسخ، والمشهور منها جزيرة قبرص وجزيرة شامس وجزيرة رودس وجزيرة صقلية، وفي جهة الجنب جزائر الزنج وسرنديب وسقطر أو جزائر الدنيجات.
وأما بحر الخزر، فإنه غير متصل بالمحيط ولا بشيء من البحار، وهو مستدير إذا أراد السائر أن يطوف به على ساحله لا يمنعه شيء.
وذكر السمرقندي في كتابه أن ذا القرنين أراد أن يعرف ساحلي هذا البحر؛ فبعث مركبا فيه، وأمره بالمسير سنة كاملة، لعله أن يأتي بخبر، فسار المركب سنة كاملة ما رأى سوى سطح الماء وأراد الرجوع، فقال بعضهم: نسير شهرا آخر لعلنا نطلع على شيء نبيض به وجوهنا عند الملك، ونقلل الزاد والماء في الرجوع، فساروا شهرا آخر فإذا هم بمركب فيه أناس، فالتقى المركبان ولم يفهم أحدهما كلام الآخر، فدفع قوم ذي القرنين إليهم امرأة وأخذوا منهم رجلا، ورجعوا به وزوجوه امرأة منهم، فأتت بولد يفهم كلام الوالدين، فقالوا له: سل أباك من أين جئت؟ فقال:
من ذلك الجانب، فقال: لأي شيء؟ قال: بعثنا الملك لنعرف حل هذا الجانب، فقيل له: وهل لكم ملك؟ قال: نعم، أعظم من هذا الملك، والله أعلم بصحة هذا القول.
(بحر الصين) هو متصل بالبحر المحيط، حده من المشرق إلى القلزم ومنه إلى المغرب، وليس على الأرض بحر أكبر منه إلا المحيط، ويقال له: بحر الهركند، وهو كثير الموج عظيم الإضراب بعيد العمق.
قال البحريون: جميع المد والجزر في بحر الهركند وما يتصل به كما في بحر فارس، وكيفيته أن القمر إذا بلغ مشرق البحر ابتدأ بالمد، ولا يزال كذلك إلى أن يبلغ القمر وسط سماء ذلك الموضع، فعند ذلك ينتهي المد منتهاه، فإذا انحط القمر عن وسط سمائه خرس الماء ورجع، ولا يزال كذلك إلى أن يصل القمر مغرب ذلك الموضع، فعند ذلك ينتهي الجزر منتهاه، فإذا زال القمر من مغرب ذلك ابتدر المد هناك مرة ثانية، ولا يزال كذلك إلى أن يصل القمر إلى وتد الأرض؛ فحينئذ ينتهي المد منتهاه ثانيا ويبتدئ الجزر مرة ثانية إلى أن يبلغ القمر أفق ذلك الموضع، فيعود الحال المذكور مرة ثانية.
قال أبو الريحان في كتابه المسمى بالآثار الباقية: إن بحر الصين إذا قرب هيجانه يستدل على ذلك بارتفاع السمك من قعره إلى وجه الماء، وإذا دنا سكونه يبيض طائر مشهور في البر في مجمع القرى، وهو طائر لا يصير إلى الأرض أبدا، ولا يعرف غير لجة البحر ووقت سكون البحر وقت بيضه، وفي هذا البحر من الجزائر ما لا يحصى، وفيه مغاص الدر في الماء العذب يقع فيه الحب الجيد، وفي بعض جزائره ينبت الذهب، وفيه الحيوانات العجيبة الأشكال، وفيه الدردور وهو الموضع الذي إذا وقعت السفينة فيه لا تخرج، ولنذكرها إن شاء الله تعالى.
النص من طبعة مكتبة الثقافة الدينية بالقاهرة (٢٠٠٦م) كما في المكتبة الشاملة، بلا حواشي المحقق. مصادر الموقع