من «عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات» لزكريا القزويني (ت ٦٨٢هـ)
فصل: في حيوان هذا البحر
صور حديثة على وصف القزويني؛ في صفحة كل مخلوق منمنمته في المخطوط إن وُجدت.
أما الحيوانات التي توجد في غيره فلا نعيدها، والتي توجد في هذا البحر:
(منها) سمكة عظيمة تضرب السفينة بذنبها فتغرقها، طولها مائتا ذراع، يخاف على المراكب منها خوفا شديدا.
(ومنها) سمكة مقدار ذراع بدنها - بدن السمكة، ووجهها وجه البوم.
(ومنها) سمكة طولها عشرون ذراعا وظهرها ذبل الجيد، وأنها تلد وترضع، وفيه سمكة كخلقة البقر، تلد وترضع، والله الموفق.
(بحر الزنج) وهو بحر الهند بعينه، وبلاد الزنج منه في جانب الجنوب بجنب سهيل، ومن ركب هذا البحر يرى القطب الجنوبي وسهيلا، ولا يرى القطب الشمالي ونبات نعش أبدا، وأقصى هذا البحر يتصل بالبحر المحيط، وموج هذا البحر عظيم كالجبال الشواهق، ونفخه يرتفع كالأطواد الشوامخ، وينخفض ماؤه، يحفظ ليكون من الأدويج، ولا ينكسر موجه، ولا يظهر منه زبد، كما يكون لسائر البحار، وفيه جزائر كثيرة ذات أشجار وغياض، لكنها ذات ثمار، وإنما هي نحو شجر الأبنوس والصندل والساج والقنا والعنبر، يلتقط من سواحله، فربما توجه قطعة كتل عظيم.
(ولنذكر) شيئا من جزائره وحيوانها.
(منها) الجزيرة المحترقة، وهي جزيرة واغلة في هذا البحر، قلما يصل إليها من بلادنا أحد.
حكى بعض التجار، قال: ركبت هذا البحر فدارت بي الدوائر، حتى حصلت في هذه الجزيرة، فرأيت فيها خلقا كثيرا وبقيت بها زمانا واستأنست بهم وتعلمت لغتهم، فإذا الناس في بعض الأيام مجتمعون ينظرون إلى كوكب طلع من أفقهم، ثم شرعوا في البكاء والعويل وقالوا:
إن الكوكب يطلع في كل ثلاثين مرة، فإذا وصل إلى سمت رءوسنا يحرق ما في هذه الجزيرة، فتأهبوا للنقل في المراكب، فلما دنا الكوكب من سمت رءوسهم ركبوا فيها وأخذوا معهم ما خف من القماش، فركبت معهم فغبنا عنها مدة، فلما علموا أن الكواكب زال عن سمت رءوسهم عادوا إليها فوجدوا جميع ما كان فيها رمادا، فشرعوا في استئناف العمارة.
(ومنها) جزيرة الضوضاء، وهي جزيرة مما يلي الزنج.
وحكى بعض التجار أن بهذه الجزيرة مدينة من حجر أبيض يشع منها ضوء، لا ساكن بها من البشر، وربما دخلها البحريون وشربوا من مائها فوجدوه حلوا طيبا فيه رائحة الكافور، ويقولون: كنا نعرف منتهاها غير أن بقربها جبالا عظيمة، تتوقد منها بالليل نار عظيمة، وذكر أن حواليها حية تظهر في كل سنة مرة، فيحتال ملوك الزنج في أخذها، فإذا أخذوها يطبخونها ويتخذون من جلدها فراشا يجلس عليه صاحب السل يأمن من غائلته، ويوجد ذلك في خزائن الملوك.
(ومنها جزائر العور) حكى يعقوب بن إسحاق السراج، قال: رأيت رجلا من أهل رومية قال: ركبت هذا البحر فألقتني الريح إلى بعض الجزائر فوصلت بها إلى مدينة أهلها ناس قامتهم قدر ذراع، وأكثرهم عور، فاجتمع عليّ جمع منهم وساقوني إلى ملكهم، فأمر بحبسي فجعلوني في شبه قفص فكسرته، فأمنوني.
فرأيتهم في بعض الأيام يتأهبون للقتال، وقالوا: لنا عدو يأتينا وهذا أوان مجيئه، فلم نلبث أن طلعت عليهم عصابة من الغرانيق … فأخذت عصا وشددت عليها فطارت وذهبت فأكرموني.
وذكر أرسطاطاليس في كتاب الحيوان أن الغرانيق تنتقل من خراسان إلى ناحية مصر حيث يسيل ماء النيل تقاتل هناك رجلا، وقامتهم قدر ذراع.
(ومنها) جزيرة سكسار، حكى يعقوب بن إسحاق السراج قال: رأيت رجلا في بعض الأسفار في جهة خموش، فسألته عن ذلك فقال: ركبت البحر فألقتنا الريح إلى جزيرة لم نستطع
أن نبرح عنها، فأتى قوم وجوههم كوجوه الكلاب، وسائر أبدانهم كأبدان الناس، فسبق إلينا واحد منهم بعصا، ووقف الآخرون فساقنا إلى منازلهم، فرأينا هناك الجماجم والسيقان وأذرع الناس، فأدخلونا بيتا فيه إنسان، فجعلوا يأتوننا بالفواكه والمأكول فقال ذلك الرجل: يطعمونكم لتسمنوا ومن سمن منكم أكلوه.
قال: فكنت أقلل المأكل حتى لا أسمن، وكل من سمن من أصحابي أكلوه، حتى بقيت أنا وذلك الرجل؛ لأني كنت هزيلا والرجل عليلا، فقال ذلك الرجل: إنهم قد حضر لهم عيد يخرجون كلهم إليه ثلاثة أيام، فإن أردت النجاة فانج بنفسك، وأما أنا فقد ذهبت رجلاي لا يمكنني الهرب، واعلم أنهم أسرع شيء طلبا وأشد استنشاقا وأعرف بالأثر، إلا من دخل تحت شجرة كذا، فإنهم لا يطلبونه ولا يقدرون عليه.
قال: فكنت أسير ليلا وأكمن نهارا، فلما رجعوا وتفقدوني جعلوا يقصون أثري فأدركوني وكنت تحت الشجرة، فانقطعوا عني، فلما أمنت منهم جعلت أسير في تلك الجزيرة، إذا رفعت لي أشجار كثيرة فانتهيت إليها، فإذا بها من كل الفواكه، وتحتها رجال أحسن صورة، فقعدت إليهم لا أفهم كلامهم ولا يفهمون كلامي، فبينا أنا جالس معهم إذ دنا إليّ واحد منهم ووضع يده على عاتقي، فإذا هو جالس على رقبتي ثم لوى رجليه علي فأنهضني فجعلت أعالجه لأطرحه عن رقبتي، فخمشني في وجهي وسخرني كما يسخر أحدكم مركوبه، فجعلت أدور على الأشجار وهو يقطع ثمارها ويرمي بها أصحابه وهم يضحكون.
فبينا أسير به في وسط الأشجار إذا أصاب عينيه بعض عيدان الأشجار فعمي، فعصرت له شيئا من العنب، ثم قلت له: اكرع فكرع، فتحللت رجلاه، فرميته وبقي أثر الخموش في وجهي، والله الموفق.
النص من طبعة مكتبة الثقافة الدينية بالقاهرة (٢٠٠٦م) كما في المكتبة الشاملة، بلا حواشي المحقق. مصادر الموقع


