من «عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات» لزكريا القزويني (ت ٦٨٢هـ)
فصل: في جزائر هذا البحر (٢)
اعلم أن أكثر جزائر هذا البحر المسكونة معمورة يأتيها الرجال.
(منها) جزيرة خارج بها معادن اللؤلؤ، ذكر البحريون أن صدف الدر لا يوجد إلا في بحر تصب فيه الأنهار العذبة، فإذا أتى وقت الربيع يكثر هبوب الرياح وارتفاع الأمواج، فتحمل رشاشات من بحر أو قياس، وفيه ماء شبيه بالزئبق لزج مثل الغراء، فيتولد منه الدريان، تقع تلك الرشاشات في محل الصدف فيلقمه الصدف كما يلقم الرحم المنى، فربما وقعت فيه قطرة كبيرة فتنعقد درّا كبيرا، وربما تقع رشاشات فتنعقد منها أجزاء صغار كما ترى في أكثر الأصداف، ثم إن الصدفة إذا التقمت المطر خرجت من قعر الماء إلى ظاهره عند هبوب الشمال وطلوع الشمس وغروبها، ولا تخرج في وسط النهار، فإن شدة حرارة الشمس ووهجها تفسد الدر، فإذا خرجت فتحت فاها ليقع الشمال على الدر فينعقد من الأثر الشمال وحرارة الشمس، ويتكون في الصدف كما يتكون الجنين في الرحم، ثم إن جوف الصدف إن كان خاليا من الماء المر يكون الدر كدرا أو أصغر غير مهندم، وإذا تم الدر في الصدف ينتقل الصدف إلى موضع صلب وتثبت عروقه فيه ويكون عند الناس خيرا من وصول قفل الصدف، فإذا انتقل إلى أرض البحرين يهني الناس بعضهم بعضا بوصول قفل الصدف، والغواص إذا نزل لإخراجه يقلعه من الأرض بالقوة، فما أخرج في وقته يبقى طريّا صقيلا، وما أخرج قبل وقته أو بعده لا يبقى كذلك، بل يتغير لونه، والله الموفق.
(ومنها) جزيرة جاشك، وهي بقرب جزيرة قيس، لأهلها خبرة وصبر على الحركة في الماء، فإن الرجل منهم يسبح في الماء أياما كثيرة وهو يجالد بالسيف كما يجالد غيره على وجه الأرض، وغير أهل هذه الجزيرة يعجز عن ذلك، وسمع من غير واحد أن بعض ملوك الهند أهدى إلى بعضهم جواري هنديات في مراكب فوقع شيء من تلك المراكب إلى هذه الجزيرة، فخرج الجواري يتفسحن في الجزيرة فاختطفتهن وافترستهن، فولدت هؤلاء الذين بها فلذلك فيهم من الجلادة ما يعجز عنها غيرهم.
(ومنها) جزيرة كندولاودي، وأنا شاك في أن هذه الجزيرة في بحر فارس، أظن أنها في غيره، وقد ذكر جميع من العمانيين والسرافيين أن العنبر ينبت في قعر هذا البر كما ينبت القطن في الأرض، فإذا اشتد اضطراب البحر قذفه البحر، فلذلك يرى قطعا، وربما أكل منه السمك الكبير فيموت ويطفو على الماء، فإذا اجتاز به أصحاب المراكب جذبوه بالكلاليب والحبال إلى الساحل، وأخذوا العنبر من بطنه، والله أعلم.
النص من طبعة مكتبة الثقافة الدينية بالقاهرة (٢٠٠٦م) كما في المكتبة الشاملة، بلا حواشي المحقق. مصادر الموقع