من «عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات» لزكريا القزويني (ت ٦٨٢هـ)
فصل: في تولد العيون والآبار وعجائبها
ذهبوا إلى أن في جوف الأرض منافذ ومسام، وفيها إما هواء أو ماء، فإن كان هواء يصير ماء بسبب برودة تلحقها، فإن كان أصابه مدد من جهة أخرى لا يسع ذلك الموضع تنشق الأرض إن كانت رخوة ويظهر على وجهها، وإن لم يكن لها قوة الخروج فيحتاج إلى أن ينحى عنه التراب حتى يظهر كماء القنوات والآبار، هذا إذا لم يكن لها مادة من البحار والأنهار والأوشال فإن كان لها مدد فسببها ظاهر.
وأما سبب اختلاف العيون فإن منها حارة وباردة وعفصية وشبية، وأمثال ذلك؛ فإن المياه تسخن تحت الأرض في الشتاء وتبرد في الصيف بسبب أن الحرارة والبرودة ضدان في باطن الأرض لا يجتمعان في مكان واحد وزمان واحد فإذا جاء الشتاء برد الجو، وفرت الحرارة إلى باطن الأرض، والأمر في الصيف بضد ذلك، فإن كانت مواضعها كبريتية بقيت الحرارة فيها دائمة بسبب المادة الكبريتية وهي مادة رطوبة دهنية، فإن أصابها نسيم الهواء وبرد الجو جمدت فصارت زئبقا أو قيرا أو نفطا أو شبّا أو ملحا أو ما شابه ذلك بسبب اختلاف تراب بقاعها وتغير أهوية أماكنها.
ولنذكر بعض العيون العجيبة ثم الآبار العجيبة مرتبة على حروف المعجم والله الموفق.
(عين أذربيجان) قال في (تحفة الغرائب): أذربيجان عين ينبع الماء منها وينعقد حجرا والناس يتخذون قالب اللبن ويصبون من ذلك الماء عليه ويصبرون عليه يسيرا والماء في القالب يصير حجرا.
(عين أدربيهستل) أدربيهستل ضيعة من ضياع قزوين، على ثلاثة فراسخ منها.
بها عين إذا شرب الإنسان من مائها أسهل إسهالا شديدا، ومن خواصها أن الإنسان يقدر أن يشرب منها عشرة أرطال، ويقصدها في كل يوم خلق كثير من النواحي لشربها لأجل الإطلاق.
وإذا حمل من مائها إلى قزوين زالت خاصيته فلا يعمل شيئا، وسمعت أهل قزوين يقولون بين هذه الضيعة وبين قزوين نهر إذا جاوز ذلك النهر بطلت خاصيته.
(عين إسكندرية) عين مشهورة فيها نوع من الصدف يطبخ ويؤكل لحمه ويشرب مرقه ينفع من الجذام ويبرئه، ويوجد فيها كل وقت ولا يخلو عنه شيء من الأوقات.
(عين إيلابستان) قال صاحب (تحفة الغرائب): إن بين إسفرايين وجرجان ضيعة تسمى إيلابستان بها عين ينبع منها ماء كثير فربما ينقطع في بعض الأوقات ويدوم انقطاعها أشهرا؛ فعند ذلك يخرج أهل الضيعة رجالها ونساؤها في أحسن ثيابهم بالدفوف والشبابات والملاهي ويرقصون عند ماء العين ويلعبون؛ فإن الماء ينبع ويجري وهو ماء كثير مقدار ما يدور رحوين.
(عين بادحاني) قال صاحب (تحفة الغرائب): مكان بدمغان يسمى كهن به عين تسمى بادحاني، فإذا أراد أهل الضيعة هبوب الريح عند الدياس لتنقية الحبوب أخذوا خرقة الحيض ورموها في تلك العين فيتحرك الهواء.
ومن شرب من مائها ينتفح بطنه ومن حمل معه شيئا من ذلك الماء إذا فارق منبعه يصير حجرا.
(عين باميان) قال في (تحفة الغرائب): بأرض باميان عين ينبع منها ماء كثير بصوت وجلبة ويشم منها رائحة الكبريت من اغتسل به يزول جربه، وإذا ترك من ذلك الماء في كوز وسد رأسه سدّا وثيقا وتركه يوما يصير خاثرا، شبه الخمير وإذا عرضت عليه شعلة نار يشتعل، والله أعلم.
(عين جاج) قال في (تحفة الغرائب): إذا خرجت من جاج بقربها عقبة على رأسها عين ماء إذا كانت السماء مصحية لا ترى فيها قطرة ماء، وإذا كانت السماء مغيمة ترى العين مملوءة من الماء.
(عين جاجرم) هي منبع قناة بين جاجرم وأسفرايين، حدثني بعض فقهاء خراسان أن من غاص في مائها وبه جرب زال جربه ويقصدها أصحاب الجرب للعلاج.
(عيون جبال سيران) بناحية باميان جبال فيها عيون لا تقبل شيئا من النجاسة وإذا ألقى فيها من النجاسة ماج وعلا نحو الملقي فإن أدركه أحاط به حتى يغرقه.
(عين جبل ملطية) حدثني بعض التجار أن بقرب ملطية جبل فيه عين يخرج منها ماء عذب غزير شديد البياض، يشرب الحيوان منه ولا يضره، فإذا جرى مسافة يسيرة ينعقد حجرا.
(عين وادان) عين فيها نبات من غاص فيها يلتف عليه ذلك النبات يمسكه وكلما سعى في تخليص نفسه كان إمساكه له أشد وإذا لم يسع في التخليص انحل عنه يسيرا.
(عيون دوارق) حدثني الشيخ عمر التسلمي: أنها عيون كثيرة تنبع في جبل، كلها حارة فربما يصعد منها دخان يلتهب فترى شعلته بيضاء وحمراء وصفراء وخضراء، يجتمع في حوضين أحدهما للرجال والآخر للنساء، يقصدها الناس لدفع الأمراض البلغمية فمن نزل فيها يسرا يسيرا انتفع به، ومن ظفر فيها يحترق جميع بدنه وينتفط، والله أعلم.
(عين رأس الناعور) بشرقي الموصل عين في قرية تسمى زراعة، بها عين فوارة غزيرة الماء فيها من اللينوفر شيء كثير يباع بثمن جيد ويد من غلة تلك الضيعة.
(عين نهاوند) بقرب البحيرة المنتنة بأرمينية جمة شريفة كثيرة المنفعة، وذلك أن الحيوان يغوص فيها وبه كلوم فتراه عن قريب قد اندملت قروحه، والتحمت ولو كان دونها عظام موهنة وأزجة كامنة شظايا غامضة تنفجر أفواهها، وتجتمع على النظافة ويأمن الإنسان غائلتها.
(عين زعر) على طرف البحيرة المنتنة، بينها وبين البيت المقدس ثلاثة أيام، وزعر بيت لوط ﵇، وهي العين التي جاء ذكرها في حديث الجساسة وعدها من أشرطة الساعة.
(عين سياه سنك) قال صاحب (تحفة الغرائب): بجرجان موضع يسمى: (سياه سنك) به عين على تل تأخذ الناس ماءها لتشرب، وفي الطريق إليها دودة فمن أخذ من ذلك الماء وأصابت رجليه تلك الدودة يصير الماء الذي معه مرّا فيبرد ويعود إليها مرة أخرى.
(عين شميرم) وهي ناحية بين أصفهان وشيراز بها مياه مشهورة وهي من عجائب الدنيا، وذلك أن الجراد إذا وقعت بأرض يحمل من ذلك الماء إليها بشرط أن لا يوضع الظرف الذي فيه ذلك الماء على الأرض ولا يلتفت حامله إلى ورائه، فيتبع ذلك من الطير الأسود عدد لا يحصى ويقتل الجراد وهذا مجرب.
ولقد وقع بأرض قزوين جراد كثير وأكل جميع زرعها وباضت؛ فبعث أهل قزوين لطلب هذا الماء فجاءوا به فجاء الطير خلفه وأكل الجراد جميعه.
(عين سير كيران) وهي من ضياع مراغة فيها عينان يفور منهما الماء، وبينهما قدر ذراع ماء، إحداهما في غاية البرودة، وماء الأخرى في غاية الحرارة أخبر به الفقيه حسن المراغي.
(عيون طبرية) ذكروا أن هناك عيونا ينبع الماء منها سبع سنين متواليات ثم ييبس سبع سنين متواليات وهكذا على مرور الأيام.
(عين العقاب) قال صاحب (تحفة الغرائب): بأرض الهند عين على رأس جبل إذا هرم العقاب تأتي به فراخه إلى هذه العين وتغسله فيها ثم تضعه في شعاع الشمس، فإن ريشه يتساقط عنه وينبت له ريش جديد ويزول عنها الضعف وترجع إليه القوة والشباب.
(عين غرناطة) قال أبو حامد الأندلسي: بقرب غرناطة من أرض الأندلس كنيسة عندها عين ماء وشجرة زيتون يخرج الناس إليها في يوم معلوم من السنة قصدونها وإذا طلعت الشمس في ذلك اليوم فاضت تلك العين بماء كثير ويظهر على الشجرة زهر الزيتون، ثم ينعقد زيتونا ويكبر ويسودّ في يومه ويأخذ من ذلك الزيتون من قدر على أخذه، وكذلك يأخذون من ماء تلك العين للتداوي وهذا الحديث قفي كتب عديدة.
(عين عرنة) بقرب عرنة عين إذا ألقي فيها شيء من القاذورات يتغير الهواء، ويظهر البرد والريح العاصف والمطر، ويبقى على تلك الحالة إلى أن تنحّى النّجاسة عنها، وذكروا أن السلطان محمود بن سبكتكين لما أراد فتح عرنة كان كلما قصدها بادر أهل عرنة إلى العين، وألقوا فيها شيئا من القاذورات فلم يمكنه الإقامة هناك حتى عرف ذلك منهم فبعث السلطان أولا على العين حفاظا ثم سار إليهم فلم ير شيئا مما كان قبل ذلك فتحها.
(عين الفرات) بقرب أرزن الروم من اغتسل بمائها في الربيع يأمن من أمراض تلك السنة.
(عين قراور) وهي بأرض خراسان، حدّثني بعض فقهاء خراسان وقال: من المشهور عندنا أن من اغتسل بالغين التي بقراور تزول عنه حمى الربع والله أعلم.
(عين القيارة) بالموصل على مرحلة منها ينبع منها شيء منها كثير من القير، ويحمل منها إلى سائر البلدان يقصدها الناس من الموصل يستحمون بها ويستشفون بمائها.
(عين المشقق) وهو واد بالحجاز قال ابن إسحاق: كان بها وشل يخرج منه ماء يروي الراكب والراكبين، فقال ﷺ في غزوة تبوك: «من سبقنا فلا يسقينّ منه شيئا حتى نأتيه» فسبقه نفر من المنافقين فاستسقوا منها فلما أتاها رسول الله ﷺ وقف عليها فلم ير فيها شيئا، فقال: «من سبقنا إلى هذه؟» فقالوا: فلان وفلان يا رسول الله ﷺ فقال: «أو لم أنههم أن يسقوا منها شيئا؟» ثم نزل فوضع يده تحت الوشل، فجعل يصب في يده من الماء ما شاء الله، ثم نضحه به، ومسحه بيده، ثم دعا بما شاء فانخرق من يده تحت الوشل، فجعل يصب في يده من الماء ما شاء الله، ثم نضحه به، ومسحه بيده، ثم دعا بما شاء فانخرق من يده من السماء ما يسمع له حس كحس الصواعق فشرب الناس واستقوا حاجتهم، فقال ﷺ: «لئن بقيتم، أو بقي منكم أحد ليسمعن بهذا الوادي وقد اخضر ما بين يديه وما خلفه» وكان كما قال رسول الله ﷺ.
(عين منكور) ذكر أبو الريحان الخوارزي في الآثار الباقية أن ببلاد كمال جبلا يسمى منكورا وفيه عين في حفرة على قدر ترس كبير، وقد استوى سطح الماء من حافتها فربما يشرب منه عسكر ولا ينقص أصبعا، وعند هذه العين صخرة عليها أثر رجل إنسان، وأثر كفيه بأصابعهما، وأثر ركبتيه كأنه كان ساجدا، وأثر قدم صبي، وأثر حوافر حمار، ويسجد لها الأتراك قربة.
(عين منية هشام) وهي قرية بأرض طبرية.
حكى الثعالبي أن بها عينا يجري ماؤها سبع سنين دائما، ثم ينقطع سبع سنين دائما هكذا وذلك معروف.
(عين النار) بين أقشهر وأنطاكية حدّثني من رآها قال: إذا غمست فيها قصبة احترقت،
وقال: كنت مع السلطان علاء الدين كيخسرو عند اجتيازه بها، فوقف عليها، وأمر بتجربتها فكان صحيحا.
(عين ناطول) ناطول: اسم موضع بمصر فيه غار، وفي الغار عين ينبع الماء منها يتقاطر على الطين فيصير ذلك الطين قارا.
حكى بعضهم قال: رأيت من ذلك الطين قطعة نصفها قار، والباقي طين.
(عين نهاوند) قال صاحب (تحفة الغرائب): بأرض الجبال بقرب نهاوند عين في شعب جبل من احتاج إلى الماء لسقي الأرض يمشي إليها، ويدخل الشعب وعنده يقول بصوت رفيع:
إني محتاج إلى الماء، ثم يمشي نحو زرعه فالماء يجري نحوه، فإذا انقضت حاجته يرجع إلى الشعب عند العين، ويقول: قد كفاني الماء ويضرب برجله على الأرض فإن الماء ينقطع.
(عين هرماس) عين عجيبة بقرب نصيبين على مرحلة منها، وهي مسدودة بالحجارة والرصاص؛ لئلاّ يطلع منها ماء كثير فيغرق المدينة، وكان المتوكل على الله لما وصل إلى نصيبين سمع بأمر هذه العين وعجيب شأنها وكثرة مياهها - أمر بفتحها، ففتح منها شيء يسير، فغلب عليه الماء غلبة شديدة فأمر بإحكامها وردّها إلى ما كانت، فمن هذه العين يحصل نهر الهرماس، فيسقي نصيبين، وفاضل مائها ينصب إلى الخابور، ثم إلى الثرثار، ثم إلى دجلة.
(عين الهم) قال صاحب (تحفة الغرائب): إذا توجهت من طريق جهينة إلى جرجان فسترى في سفح جبل عينا يجتمع ماؤها في غدير مقداره غلوة سهم في غلوة سهم، وفي هذا الغدير شجرة ليس عليها غصن ولا لحى ترى بالليل كأنها تدور في ذلك الغدير، وقد تختفي أربعة أشهر ولا علم لأحد بحالها، ثم تظهر وربما تتفق في بعض الأوقات أن يكون مدة اختفائها سنتان، ثم تظهر وإذا كانت السنة مطيرة كان ظهورها أسرع، وفي بعض الأوقات شدوها بالحبال لما دنت مدة غيبتها شدّا وثيقا فأصبحوا والحبال مقطعة والشجرة ذاهبة فأخبر بذلك رافع بن هرثمة صاحب جرجان وخراسان فوكّل بها من ينظر إليها ليلا ونهارا، فترقبوا أربعة أشهر، ثم اتفق لهم غيبته، فعادوا والشجرة قد ذهبت، فأخبر بذلك رافع وكان في عسكره غواص كوفي، فأمره أن يغوص ويعرف حالها، فغاص زمانا طويلا، ثم خرج، وقال: نزلت ألف ذراع، وما رأيت لها أثرا، وتسمى هذه العين عين الهم، بينها وبين بحر السكون يوم.
(عين ياسي جمن) بين أخلاط أرزن الروم موضع يقال له: ياسي جمن به عين يفور الماء منها فورانا شديدا يسمع صوته من بعيد، وإذا دنا الحيوان منها يموت في الحال، فترى حولها من الطيور والوحوش موتى ما شاء الله تعالى، وقد وكّلوا بها من يمنع الغريب عنها.
(عين يل) يل: ضيعة من ضياع قزوين عندها جبل يخرج من شعب من شعابه ماء حار جدّا، ويجتمع في حوضين هناك يقصدها الزمنى والجربى، وأصحاب العاهات تنفعهم نفعا بينا، وتسمى يله كرمان، والله الموفق للصواب.
النص من طبعة مكتبة الثقافة الدينية بالقاهرة (٢٠٠٦م) كما في المكتبة الشاملة، بلا حواشي المحقق. مصادر الموقع