تجاوز إلى المحتوى

من «عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات» لزكريا القزويني (ت ٦٨٢هـ)

فصل: في الآبار

أما الآبار فنقول، وبالله التوفيق

(بئر أبي كنود) بطرابلس، من شرب من مائها يتحمق يقال للرجل إذا أتى بما يلام عليه: لا نعتبك؛ فإنك شربت من ماء أبي كنود.

(بئر بابل) قال الأعمش: قال مجاهد: يجب أن يسمع من الأعاجيب، وكان لا يسمع بشيء إلاّ سار إليه وعاينه، فأتى بابل فلقيه الحجاج، وقال: ما تصنع هاهنا؟ قال: لحاجة أن تسير إلى رأس الجالوت؛ لترى بني هاروت وماروت، فأرسل إلى رجل، وقال: اذهب بهذا على هاروت وماروت؛ لينظر إليهما فانطلق به حتى أتى موضعا، وكان هناك يهودي عارف بذلك الموضع فسألاه أن يريهما، فرفع صخرة فإذا شبه سرادب، فقال له اليهودي: انزل معي، وانظر إليهما ولا تذكر اسم الله تعالى، قال مجاهد: فنزل اليهودي ونزلت معه فلم يزل يمشي بي حتى نظرت إليهما مثل: الجبلين العظيمين منكوسين على رءوسهما، وعليهما الحديد من أعقابهما إلى ركبهما فلما رآهما مجاهد لم يملك نفسه أن ذكر الله تعالى فاضطربا اضطرابا شديدا حتى كادا يقطعان ما عليهما من الحديد، فهرب اليهودي ومجاهد تعلق به حتى خرجا، فقال له اليهودي: أما قلت لك لا تفعل ذلك، كدنا والله نهلك.

(بئر بدر) بين مكة والمدينة في الموضع الذي كانت فيه الوقعة المباركة بين رسول الله ﷺ ومشركي مكة، فقتلوا المشركين ورموهم في البئر فدنا منها رسول الله ﷺ وقال: «يا عتبة، يا شيبة هل وجدتم ما وعد ربك حقّا؟» فقيل: يا رسول الله، هل يسمعون كلامنا، فقال رسول ﷺ: «لستم بأسمع منهم!!».

وحكى بعض الصحابة رضي الله تعالى عنه أنه رأى في اجتيازه هناك شخصا خرج من البئر هاربا، فخرج عقبه آخر معه سوط فضربه، وردّه إليها.

(بئر برهوت) بئر بقرب حضرموت، وهي التي قال ﷺ: «فيها أرواح الكفار والمنافقين»، وهي بئر عادية في فلاة وواد عظيم، وعن علي رضي الله تعالى عنه: أبغض البقاع إلى الله تعالى وادي برهوت، فيه بئر ماؤها أسود منتن، تأوي إليها أرواح الكفار.

(وحكى) الأصمعي عن رجل من أهل حضرموت أنه قال: نجد من ناحية برهوت في بعض الأوقات رائحة فظيعة منتنة جدّا، فيأتينا الخبر بموت عظيم من عظماء الكفار، وذكر أن رجلا بات بوادي برهوت قال: كنت أسمع طول الليل يا دومة يا دومة، فذكرت ذلك لرجل من أهل العلم فقال: إنه اسم الموكّل بأرواح الكفار.

(بئر بضاعة) بالمدينة، في الخبر: أن رسول الله ﷺ أتى بئر بضاعة، فتوضأ من الدلو، وردها إلى البئر، وبصق فيها، وشرب من مائها، فكان إذا مرض المريض في أيامه ﷺ يقول: «اغسلوه بماء بضاعة، فيغتسل فكأنما نشط من عقال» وقالت أسماء بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنها: كنّا نغسل المرضى من بئر بضاعة ثلاثة أيام فيعافون.

(بئر بنحن) بقرب وادي زبيد، مشهورة، وهي البئر التي حبس أفر اسياب فيها بنحن مكبلا، وأنزل على رأس البئر صخرة عظيمة فذهب إليه دستم مختفيا، وسرقه وأتى به بلاد إيران، ولها قصة طويلة.

(بئر قنصورة) وهي جزيرة بأرض الهند يجلب منها الكافور القيصوري، فيها صنف من السمك إذا أخرجته من البئر يصير حجرا صلدا.

(بئر جندق) جندق قرية من أعمال مراغة، يخرج منها حمام كثير، حدّثني بعض فقهاء مراغة أنهم أرسلوا إليها رجلا؛ ليعرف حال الحمام فنزل في البئر حتى زاد الجبل على خمسمائة ذراع، ثم أخرج فأخبر أنه لم ير من الحمام شيئا، ورأى في آخرها ضوءا وشيئا كثيرا من الحيوانات الموتى.

(بئر دماوند) بئر عميق بجبل دماوند يصعد منها بالنهار الدخان وبالليل النار، وإذا رميت فيها شيئا ينزل ويلبث ساعة، ثم يرجع ويقع خارج البئر على الأرض.

(بئر ذروان) بالمدينة، طب فيها رسول الله ﷺ فيما روى ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ مرض مرضا شديدا، فبينما هو بين النائم واليقظان رأى ملكين: أحدهما عند رأسه، والآخر عند رجليه، فقال الذي عند رجليه للذي عند رأسه: ما وجعه؟ قال: طب قال: ومن طبه؟ قال: لبيد بن الأعصم اليهودي. قال: وأين طبه؟ قال: في كرمة تحت صخرة في بئر كملي. فانتبه رسول الله ﷺ وقد حفظ كلام الملكين، فوجه عليّا وعمارا مع جمع من الصحابة حتى أتوا بئر كملي، وهو بئر ذروان فنزحوا ماءها حتى انتهوا إلى الصخرة فقلبوها فوجدوا الكوبة تحتها وفيها وتر فيه إحدى عشرة عقدة، فأحرقوا الكوبة وما فيها؛ فزال عنه ﷺ وجعه كأنه نشط من عقال، فأنزل الله تعالى عليه المعوذتين؛ إحدى عشرة آية على قدر عدد العقد) والله الموفق.

(بئر زمزم) في الخبر: أن إبراهيم لما ترك إسماعيل وأمه هاجر بموضع الكعبة وأراد الرجوع قالت له هاجر: إلى من تكلنا؟ قال: إلى الله. قالت: حسبنا الله ونعم الوكيل، فأقامت عند ولدها، حتى نفد ماؤها فأدركتها الحنة على ولدها، فتركت إسماعيل بموضعه وارتفعت على الصفا تنظر هل ترى عينا أو شخصا - فلم تر شيئا فدعت ربها واستسقته، ثم نزلت حتى أتت المروة فدعت مثل ذلك، ثم سمعت صوت الساعلى ولدها؛ فأسرعت نحو إسماعيل فوجدته يفحص والماء قد انفجر من عين تحت عقبه، فلما رأت هاجر ذلك الماء جعلت تحوطه بالتراب؛ لئلا يسيل ويذهب.

قيل: لو لم تفعل ذلك لكان عينا جارية.

وقال محمد بن أحمد الهمذاني: كان ذرع زمزم من أعلاها إلى أسفلها أربعين في قعرها عيون تجيء عين حذاء الركن الأسود وعين حذاء أبي قبيس والصفا وعين حذاء المروة، ثم قلّ ماؤها في سنة أربع وعشرين ومائتين، فحفر فيها محمد بن الضحاك تسعة أذرع فزاد ماؤها، ثم جاء الله تعالى بالأمطار والسيول في سنة خمس وعشرين ومائتين فزاد ماؤها، وذرعها من رأسها إلى الجبل المنقور فيه - أحد عشر ذراعا، وسعة فمها ثلاثة أذرع وثلثا ذراع، وعليها ميلان من ساج مربعة، فيهما اثنتا عشرة بكرة يستسقى عليها، وأول من عمل عليها الرخام وفرش به أرضها المنصور.

وقال مجاهد: ماء زمزم إن شربت منه تريد شفاء شفاك الله تعالى، وإن شربته لظمأ أرواك الله، وإن شربته لجوع أشبعك الله تعالى.

وقال المسعودي: إن ملوك الفرس يزعمون أنهم من أولاد الخليل من سبي بني إسرائيل وكانوا يحجون البيت ويطوفون به تعظيما لجدهم، وكان آخر من حجّ منهم أردشير بن بابك، طاف بالبيت وزمزم على البئر وزمزمة المجوس قراعتهم عند صلواتهم وطعامهم.

(بئر ضاهك) بكورة أرجان، ذكر أهلها أنهم امتحنوا قعرها بالأرسان فلم يقفوا على شيء، ويفور منها الماء الدهر مقدار ما يدير رحى تسقي تلك القرية.

(بئر عروة) بعقيق المدينة منسوبة إلى عروة بن الزبير، قال الزبير بن بكار: كان الناس إذا مروا بالعقيق أخذوا من ماء بئر عروة يهدونها إلى أهاليهم قال: ورأيت أبي يأمر به فيغلى، ثم يجعله في القوارير ويهديه إلى الرشيد وهو بالرقة.

(بئر غرس) بالمدينة بقباء، كان رسول الله ﷺ يستطيب ماءها ويبارك فيها، وقيل: إنه ﷺ بصق فيها؛ فلهذا وجد فيها البركة وروى أن فيها عينا من عيون الجنة.

(بئر قرية عبد الرحمن) بأرض فارس جافية القعر طول السنة، حتى إذا كان الوقت المعروف من السنة ينبع منها ماء يرتفع على وجه الأرض مقدار ما يدير رحا ويجري وينتفع به سقي الزرع ثم يغور.

(بئر الكلب الكلب) بقرية منقرى أعمال حلب إذا شرب منها من عضّه الكلب الكلب برئ، وإنها مشهورة، قال بعض أهل القرية: إذا لم يجاوز المكلوب أربعين يوما وشرب منها برئ، أما إذا جاوز الأربعين مات إن شرب، وذكر أنه شاهد ثلاثة أنفس مكلوبين فشربوا فسلم اثنان وكانا لم يبلغا الأربعين ومات الثالث وكان قد جاوز الأربعين، وهذه بئر منها يشرب أهل الضيعة.

(بئر المطرية) في قرية من قرى مصر عليها شجر البلسان ويسقى من هذا البئر والخاصية في البئر، يقال: إن المسيح ﵊ اغتسل فيها، والأرض التي تنبت هذا الشجر نحو مد البصر في مثله محوط عليه، وماء هذا البئر عذب فيه دهنية لطيفة، وقد استأذن الملك الكامل أباه الملك العادل أن يزرع فيه شيئ امن شجر البلسان، فأذن فغرم غرامات كثيرة، وزرعها فلم ينجح شيء ولا خلص منه دهن البته، فسأل أباه أن يجري له ساقية من المطرية فأذن له ففعل ذلك فنجح وليس في جميع الدنيا موضع ينبت فيه البلسان إلاّ هذا الموضع، والله الموفق للصواب.

(بئر نيسابور) بنيسابور آبار كثيرة وهي معادن الفيروزج، كان يوجد فيها القطع الجيدة فظهر فيها العقارب القاتلة فامتنع الناس عنها؛ بسبب ذلك الشيء.

(بئر هنديان) هنديان ضيعة بفارس بها بئر يخرج منها دخان يعلو لا يتهيأ لأحد أن يقربها، وإذا طار طائر فوقها سقط محترقا.

(بئر يوسف الصديق) ﷺ وعلى جميع الأنبياء، التي ألقاه فيها إخوته وهي بالأردن على أربعة فراسخ من طبرية مما يلي دمشق، قال الأصطخري وغيره: كان منزل يعقوب ﵇ بين نابلس وبين قرية يقال لها: سخل، ولم تزل هذه البئر مزارا للناس يتبركون بها ويشربون من مائها. وليكن هذا آخر الكلام في الأنهار والعيون والآبار، والله الموفق للصواب.

النص من طبعة مكتبة الثقافة الدينية بالقاهرة (٢٠٠٦م) كما في المكتبة الشاملة، بلا حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.