من «عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات» لزكريا القزويني (ت ٦٨٢هـ)
النوع الثاني من الحيوان
زعموا أن الجن حيوان ناري مشف الجرم من شأنه أن يتشكل بأشكال مختلفة. واختلف الناس في وجود الجن، فمنهم من ذهب إلى أن الجن والشياطين مردة الإنس، وهم قوم من المعتزلة، ومنهم من ذهب إلى أن الله تعالى خلق الملائكة من نور النار، وخلق الجن من لهبها، والشياطين من دخانها، وأن هذه الأنواع لا يراها الناظر، وأنها تتشكل بما شاءت من الأشكال فإذا تكاثفت صورتها يراها الناظر. وجاء في الأخبار أن نوع الجن في قديم الزمان قبل خلق آدم ﵊ كانوا سكان الأرض وكانوا قد طبقوا الأرض برّا وبحرا وسهلا وجبلا، وكثرت نعم الله تعالى عليهم فكان فيهم الملك والنبوة والدين والشريعة فطغت وبغت وتركت وصية أنبيائها وأكثرت في الأرض الفساد، فأرسل الله تعالى إليهم جندا من الملائكة فسكنت الأرض وطردت الجن إلى أطراف الجزائر وأسرت منها كثيرا وكان ممن أسر عزازيل وجرى
بينهم قتال، وكان عزازيل إذا ذاك صبيا نشأ مع الملائكة وتعلم من علمهم وأخذ يسوسهم، وطالت أيامه حتى صار رئيسا فيهم، وبقي الأمر على ذلك زمانا طويلا حتى جرى بينه وبين آدم ما جرى كما قال الله تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٧٣) إِلاّ إِبْلِيسَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ قال مجاهد:
لإبليس خمسة من الأولاد وقد جعل كل واحد منهم على شيء من أمره فذكر أن أسماءهم: بيره والأعور ومسوط وداسم وزلنبور، أما بيره: فصاحب المصائب يأمر بالثبور وشق الجيوب، وأما الأعور: فإنه صاحب الزنا يأمر به ويزينه في أعينهم، وأما مسوط: فصاحب الكذب، وأما داسم:
فيدخل بين الزوجين ويوقع بينهما البغضاء، وأما زلنبور: فهو صاحب السوق فبسببه لا يزال أهل السوق متخاصمين.
وعن أبي أمامة ﵁ عن رسول الله ﷺ: «إن إبليس لما نزل إلى الأرض قال: يا رب أنزلتني وجعلتني رجيما فاجعل لي بيتا، قال: الحمام، قال: فاجعل لي مجلسا، قال الأسواق ومجامع الطرق، قال: فاجعل لي طعاما، قال: ما لم يذكر اسم الله عليه، قال: فاجعل لي شرابا، قال: كل مسكر، قال: فاجعل لي مؤذنا، قال: المزامير قال: فاجعل لي قرآنا، قال:
الشعر، قال: فاجعل لي خطّا قال: الوشم، قال: فاجعل لي حديثا، قال: الكذب، قال: فاجعل لي مصائد، قال: النساء».
النص من طبعة مكتبة الثقافة الدينية بالقاهرة (٢٠٠٦م) كما في المكتبة الشاملة، بلا حواشي المحقق. مصادر الموقع