تجاوز إلى المحتوى

من «العقد الفريد» لابن عبد ربه الأندلسي (ت ٣٢٨هـ)

وفاة عمر بن عبد العزيز

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

مَرض عمرُ بن عبد العزيز بأرض حِمْص ومات بدير سِمعان فيرى الناس أنّ يزيدَ بن عبد الملك سمّه دسّ إلى خادم كان يخدُمه فوضع السمّ على ظِفْر إبهامه فلما استسقى عمر غَمس إبهامَه في الماء ثم سَقاه فمرض مرضَه الذي مات فيه.

فدخل عليه مَسلمةُ بن عبد الملك فوقف عند رأسه فقال: جزاك الله يا أمير المُؤمنين عنّا خيراً فلقد عطفتَ علينا قلوباً كانت عنّا نافرة:

وجعلتَ لنا في الصالحين ذكراً.

زياد عن مالك قال: دَخل مسلمةُ بن عبد الملك على عمر بن عبد العزيز في المَرْضة التي مات فيها فقال له: يا أمير المؤمنين إنك فطمتَ أفواه ولدك عن هذا المال وتركتَهم عالة ولا بدّ لهم من شيء يُصلحهم فلو أوصيتَ بهم إليّ أو إلى نظرائك من أهل بيتك لكفيتُك مؤونتهم إن شاء الله.

فقال عمر: أجلسوني فأَجلسوه فقال: الحمدُ لله أبالفَقْر تُخوفني يا مَسلمة أما ما ذكرت أني فطمتً أفواه ولدي عن هذا المال وتركتُهم عالة فإني لم أمنعهم حقًا هو لهم ولم أعطُهم حقّا هو لغيرهم وأما ما سألتَ من الوَصاة إليك أو إلى نُظرائك من أهل بيتي فإن وصيّتي بهم إلى الله الذي نزّل الكتابَ وهو يتولى الصالحين وإنما بنو عمر أحد رجلين: رجل اتقى الله فجعل اللهّ له من أمره يُسراً ورَزقه من حيثُ لا يحتسب ورجل غيّر وفَجر فلا يكون عُمَرُ أوّلَ من أعانه على ارتكابه ادعوا إلى بَنيّ.

فدَعوهم وهم يومئذ اثنا عشرَ غلاماً فجعل يُصَعّد بصره فيهم ويصوِّبه حتى اغرورقت عيناه بالدمع ثم قال: بنَفسي فِتْيةً تركتهم ولا مالَ لهم.

يا بَنيّ إني قد تركتكم من اللهّ بخير إنكم لا تمرون على مُسلم ولا مُعاهد إلا ولكم عليه حقّ واجب إن شاء اللهّ يا بَني: مَثَّلت رأي بين أن تَفتقروا في الدنيا وبين أن يَدخل أبوكم النار فكان أن تَفتقروا إلى آخر الأبد خيراً من دُخول أبيكم يوماً واحداً في النار قُوموا يا بني عصمكم اللهّ ورَزقكم.

قال: فما احتاج أحد من أولاد عمر ولا افتقر.

واشترى عمرُ بن عبد العزيز من صاحب دَيْر سمعان موضعَ قبْره بأربعين درهماً.

ومرض تسعةَ أيام.

ومات رضى الله عنه يومَ الجمعة لخمس بقين من رجب سنة إحدى ومائة.

وصلى عليه يزيدُ بن عبد الملك.

وقال جريرُ بن الحَطفى يرثى عمرَ بن عبد العزيز:

يَنْعَى النُّعاةُ أميرَ المؤمنين لنا يا خير مَن حَج بيت اللهّ واعتمرَا حُمَلت أمراً عظيماً فاصطبرتَ له وسرْت فينا بحكم الله يا عمرا فالشمسُ طالعة ليست بكاسفةٍ تَبكي عليك نجومَ الليل والقمرا وأنشد أبو عُبيد الأعرابيّ في عُمَر بن عبد العزيز.

مُقابَل الأعواق في الطِّيب الطابْ بين أبي العاص وآل الخَطَاب

النص من «العقد الفريد» كما نسخه متطوعو ويكي مصدر، برخصة المشاع الإبداعي (نسب المصنف، الترخيص بالمثل ٤٫٠). الرخصة · مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «العقد الفريد»