تجاوز إلى المحتوى

من «التمام في تفسير أشعار هذيل» لابن جني (ت ٣٩٢هـ)

وقال عبد الله بن أبي تغلب الهذلي

" من المتقارب ":

أرقت ومالك ألا تناماوبت تكابد ليلاً تماما

قد قالوا: ليل التمام، فأضافوه، وقال هنا: ليلاً تماما فوصف به، قال " من الطويل ":

يُسَهَّدُ في ليل التمام سليمُهالحلي النساء في يديه قعاقع
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «عفا ذو حساً من فرتنى فالفوارع»

ومثله مما يوصف به تارة ويضاف إليه تارة قولهم: " قدحٌ نضارٌ "، و " قدحُ نضارٍ "، و " سَهْمٌ غَرْبٌ "، و " سَهْمُ غربٍ "، و " عنقاءٌ مُغْرِبٌ "، و " عنقاءُ مغرَبٍ ". وله نظائر وفيها:

إذا الموتُ أن من مَعْشَرٍفئاماً يعود فيُفنى فئاما

قال: الفئام جماعة من الناس، هو عندي من قول زهير " من الطويل ":

ظهرن من السوبان ثم جزعنهعلى كل قينى قثييب ومفأمِ
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «معلقة زهير بن أبي سلمى»

ألا تراهم قالوا في تفسيره أن المفأم: المشبع الصبغ، والتقاؤهما انه كأنه جمعت فيه أجزاء من الصبغ كثيرة، وكلام العرب كله جار مجرى الأمثال.

وفيها:

ربيعاُ وصخراً ولا جابراًوعِصمةَ أمسوا عظاماً وهاما

ألف " هامة " بدل من واو قياسا واشتقاقا، أما القياس فالحمل على الأكثر، وأما الاشتقاق فلأنَّ الهامة الميت، قال " من الطويل ":

تمتع بليلى إنما أنت هامةمن الهام يدنو كل يوم حمامها
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «ألا تلك ليلى قد ألم لمامها»

قرأته على أبي سهل عن السكري، وقرأت عليه عنه أيضا " من الطويل ":

كذلك ما كان المحبون قبلناإذا مات موتاها تزاورُ هامها
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «فلو زرت بيت الله ثم رأيتها»

والتقاؤهما أن الميت عندهم في حكم النائم، والنائم في حكم الميت، وردت بذلك الأشعار ومطرد الاستعمال، قال " من الطويل ":

ألمّا يئنْ للنائمين انتباههفقد طال ذا نوما وطال بكائيا

وهو كثير جدا، وقد قلوا: هَوَّم إذا نام، أنشدنا أبو على ﵀ لذي الرمة " من الطويل ":

وألا ينال الركب تهويم وقعةمن الليل إلا اعتادني منك زائر

وقرأت عليه للشنفري، وأنشدناه أيضا أبو بكر المراغي محمد بن علي عن أبي إسحاق " من الطويل ":

فلم تَكُ إلا نبأةٌ ثم هَوَموافقلنا قطاة ريع أم ريع أجدلُ
للشاعر الشنفرى، من قصيدة «أقيموا بني أمي صدور مطيكم»

فهذا واضح كما تراه.

وفيها:

تنال بهم وبأمثالهمبحار العلاء ونأبى الظُلاما

أراد الظلامة، فيجوز أن يكون حذف الهاء كما حذفها الآخر من قوله " من الطويل ":

أبلِغ النعمان عن مألُكاًانه قد طال حبسي وانتظار

يريد: مألكةٌ، ثم أنه أطلق الروي فألحقه الألف، ويجوز غير هذا وهو أن يكون إبدال هاء " الظُلامة " ألفاً كما أبدل الآخر آلاف من قوله " من الوافر ":

ولاعبَ بالعشي بني بنيةكفعل الهر تلتمس العظايا

يريد: العظاية، وقال أبو عثمان في " العظايا " انه شبع ألف النصب بهاء التأنيث، فهذا قول، والأول اسلم منه

فبدّل بعد أواري الجيادنَفْحَ جنوب تثير الرَّغاما

واحد الأواري: آرى، ومثالها " فاعول " كعاقول وجاروف، وهو من: " أرت القدر تأرى "، اذا التصق بها اسفلها، فإذا كسر قيل أوارى كعواقيل قال " من البسيط ":

إلا الأواريّ لأياً ما أينهاوالنؤى كالحوض بالمظلومة الجلد

ثم حذفت الياء الأولى المبدلة من واو " فاعلول " فبقى " أوار " كقولهم في " أواقيّ ": أواق، قال:

أواقي سدى تغتالهن الحوائك

ولك تخفيف كل ما كان من هذا النحو مثقلا نحو قولك في: أمانيّ: امان، وفي بخاتيّ: بخاتٍ، وفي اواخيّ: أواخٍ، وفي مصاريّ: مصارٍ.

وفيها:

ولم يُبق منها رثا الهالكينألا تجملها والقَواما

قال: أي مرثيتها اياهم، ينبغي أن يكون وأحدهما رثية كمشية ومشى، ويسرة وسير، يراد به الحال.

وفيها:

ترى الخيلَ حولِِ مناديهمرواكدَ متشجراتٍ صياما

ينبغي أن يكون واحد " المنادي ": مندى، وهو النادي أي المجلس، ويجوز أن يكون جمع: مندّى كقوله:

جدب المُندّى شئز المعوَّقِ

وفيها:

على كل شوهاءَ فيّاضةونَهْدِ المراكل يُرى اللجاما

قال: يشرى: يحرك، هو من قولهم: " شرى البرق يشري " إذا اضطرب فلامه مشكلة وقد تقدم القول عليها، وإذا أشكل أمر اللام فحملها على الياء أولى، وانشد ابن الأعرابي " من البسيط ":

وانني حوث ما يُشرى الهوى بصريمن حوث ما سلكوا أدنو فأنظر

كذا رواه " يشري " بالشين معجمة ورواه غيره: " يسري " بالسين غير معجمة من فوق، ورواية ابن الأعرابي أسَدُّ وأعلى.

وفيها:

فذلك خُطّ لنا في الكتابِما كان طوقٌ يزين الحماما

" ما " ها هنا مصدر إلا إنها منصوبة على الظرف كقولك: " لا أكلمك ما طار طائر " أي مدة طيران الطائر، ولا يجوز أن ينصبها " خُطّ " لانه ماضٍ، و " ما كان طوق يزين الحماما " مستقبل ولا يحسن ان يتناوله " لنا " لأنها هنا فارغة غير مشغولة لتعلقها ب " خط "، والظرف أو حرف الجر اذا تعلق بالظاهر لم يجز أن يتعلق به غيره، وإذا كان كذلك حملته على مضمر يدل عليه ما قبله وكأنه قال: " هو لنا ما طار طائر "، ويجوز فيه وجه آخر وهو أن يجعل لذلك خبرين أحدهما " خط " والآخر " لنا " على قولهم " حلو حامض "، فإذا كان كذلك علقت " لنا " بمحذوف، وعلقت " ما كان طوق يزين الحماما " بقولك " لنا " كقولك: " هذا لنا أبداً ".

النص من طبعة مطبعة العاني ببغداد (١٣٨١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «التمام في تفسير أشعار هذيل»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.