تجاوز إلى المحتوى

من «شرح القصائد العشر» للخطيب التبريزي (ت ٥٠٢هـ)

معلقة امرئ القيس (٢)

أجزنا وجزنا بمعنى واحد، وقال الأصمعي: أجزنا قطعنا، وجزنا سرنا فيه وخلفناه، والساحة والباحة والفجوة والقروة والنالة: كلها فناء الدار، ويقال: هي الرحبة كالعرصة، وانتحى: اعترض، والخبت: بطن من الأرض غامض، ويروى (بطن حقف) والحقف: ما اعوج من الرمل وانثنى، وجمعه أحقاف، والقف: ما ارتفع من الأرض وغلظ، ولم يبلغ أن يكون جبلا،

ويروى (ذي ركام) والركام: ما يركب بعضه بعضا من الكثرة، والعقنقل: المتعقد الداخل بعضه في بعض، وعقنقل الضب: بطنه المتعقد وهو كشيته وبيضه، والكشية: شحمة من أصل حلقه

إلى رفعه.

هَصَرْتُ بِفَوْدَيْ رَأْسِهَا فتَمايَلَتْعَلَىَّ هَضِمَ الكَشْحِ رَيَّا المُخَلْخَلِ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزِل»

جواب فلما أجزنا قوله (هصرت بفودي، إلخ) وذكر بعضهم أن جواب لما قوله (انتحى بنا)، والواو مقحمة، ويجوز أن تكون الواو غير مقحمة، ويكون الجواب محذوفا، ويكون التقدير: فلما أجزنا ساحة الحي أمنا، وعلى هذا الوجه يكون رواية البيت الذي بعده: (إذا قلت هاتى نوليني تمايلت عليَّ، البيت) ويروى (مددت بغصني دومة) ودومة: شجرة، والفودان: جانبا الرأس، ومعنى (هصرت) جذبت وثنيت، والكشح: ما بين منقطع الأضلاع إلى الورك، والمخلخل: موضع الخلخال، يصف دقة خصرها وعبالة ساقيها، و (هضيم الكشح) منصوب على الحال، وكذلك ريا المخلخل، ومن روى (إذا قلت هاتي نوليني) فمعنى التنويل التقبيل، وهو من النوال العطية، وتكون (إذا) ظرف تمايلت وهو الجواب، وإذا تشبه حروف الشرط، وشبهها بها إنها ترد الماضي إلى المستقبل، ألا ترى انك إذا قلت (إذا قمتَ قمتُ) فالمعنى إذا تقوم أقوم، وأيضا فلأنه لابد لها من جواب كحروف الشرط، ولأنه لا يليها إلا فعل، فإن وليها اسم أضمرت معه فعلا كقول الشاعر:

إذا ابْنَ أبي مُوسَى بِلاَلاً بَلَغْتِهِفَقَامَ بِفَأْسٍ بَيْنَ وِصْلَيْكِ جَازِرُ

والتقدير: إذا بلغت ابن أبي موسى، وروى سيبويه (إذا ابن أبي موسى) بالرفع، وزعم أبو العباس أن هذا غلط أن يرفع ما بعد إذا بالابتداء، ولكنه يجوز الرفع عنده على تقدير إذا بلغ ابن أبي موسى، والخليل وأصحابه يستقبحون أن يجازوا بإذا وإن كانت تُشبه حروف المجازاة في بعض أحوالها فإنها تخالفهن بأن ما بعدها يقع موقتا؛ لأنك إذا قلت (آتيك إذا احمر البُسر) فهو وقت بعينه، وكذلك قوله ﷿: (إذا السَّماءُ انشقتْ) وقت بعينه؛ فلهذا قبح أن يجازى بها إلا في الشعر، قال الشاعر:

تَرْفَعُ لِي خِنْدِفٌ، وَاللهُ يَرْفَعُ لِيناراً إذا مَا خَبَتْ نِيرَانُهُمْ تَقِدِ

و (هضيم) عند الكوفيين بمعنى مهضومة، فلذلك كان بلا هاء، وهو عند سيبويه على النسب، وأراد بالكشح الكشحين كما تقول: كحلت عيني، تريد عيني، وريَّا: فعلى من الريِّ، والري: انتهاء شرب العطشان، فهو عند ذلك يمتلئ جوفه، فقيل لكل ممتلئ من شحم ولحم: ريَّان.

ومعنى البيت: إنه إذا قال لها نوليني تمايلت عليه بيديها ملتزمة له.

مُهَفْهَفَةٌ بَيْضَاءُ غَيْرُ مُفَاضَةٍتَرَائِبُهَا مَصْقُولَةٌ كَالسَّجَنْجَلِ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزِل»

المهفهفة: الخفيفة اللحم التي ليست برهلة ولا ضخمة البطن، والمفاضة: المسترخية البطن، وكأنه من قولهم: حديث مستفيض، والترائب: جمع تريبة، وهو موضع القلادة من الصدر، والسجنجل: المرآة، وقيل: سبيكة الفضة، وهي

لفظة رومية، ورواية أبي عبيدة (مصقولة بالسجنجل) وقيل: السجنجل الزعفران، وقيل: ماء الذهب، ومهفهفة: مرفوعة على انها خبر مبتدأ محذوف، والكاف في قوله: (كالسجنجل) في موضع رفع نعت لمصدر محذوف، كأنه قال: مصقولة صقلا كصقل السجنجل، وإنما يصف المرأة بحداثة السن، ويجمع السجنجل سجاجل، ومن روى (بالسجنجل) فالجار والمجرور في موضع النصب بقوله: (مصقولة) ويجوز أن يكون في موضع نصب على أن يكون نعتا.

تَصُدُّ وَتُبْدِى عَنْ أَسِيلٍ وَتَتَّقِىبِنَاظِرَةٍ منْ وَحْشِ وَجْرَةَ مُطْفِلِ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزِل»

أي تُعرض عنَّا وتُبدى عن خد أسيل، ليس بكَزّ، وتلقانا بناظرة - يعني عينها - ووجرة: موضع، وأراد بوحش وجرة الظباء. ويروى (تصد وتبدي عن شتيت) أي عن ثغر شتيت، والشتيت: المتفرق، ومطفل: ذات طفل، قال الفراء: لم يقل مطفلة لأن هذا لا يكون إلا للنساء؛ فصار عنده مثل حائض، وهو على مذهب سيبويه على النسب، كأنه قال: ذات أطفال، والدليل على صحة قوله إنه يقال:

(مطفلة) إذا أردت أن تأتي به على قولك (أطفلت فهي مطفلة) ولو كان ما يقع للمؤنث لا يشترك فيه المذكر لا يحتاج إلى الهاء فيه ما جاز مطفلة، قال الله ﷿: (تَذْهَلُ كُلُّ مُرضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ) وقوله: (بناظرة) أي بعين ناظرة، قال ابن كيسان: وتتقى بناظرة مطفل، كأنه قال: بناظرة مطفل من وحش وجرة، ثم غلط فجاء بالتنوين كما قال الآخر:

رَحِمَ اللهُ أَعْظُماً دَفَنُوهَابِسِجِسْتَانَ طَلْحَةَ الطَّلَحَاتِ

تقديره: رحم الله أعظم طلحة، فغلط فنون، ثم أعرب طلحة بإعراب أعظم، والأجود إذا فُرق بين المضاف والمضاف إليه أن لا ينون كقوله:

كَأَنَّ أَصْوَاتَ مِنْ إِيغَالِهِنَّ بِنَاأَوَاخِرِ المَيْسِ إِنْقَاضُ الفَرَارِيجِ
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «يا حاديي بنت فضاض أما لكما»

كأنه قال: كأن أصوات أواخر الميس. وفي بيت امرئ القيس تقدير أحسن من هذا، وهو أن يكون التقدير: بناظرة من وحش وجرة ناظرة مطفل، ويحذف ناظرة ويقيم مطفلا مقامه. وكذلك قوله (طلحة الطلحات) كأنه قال: أعظم طلحة الطلحات، ثم حذف وأقام طلحة مقامها.

ومعنى البيت أنها تُعرض عنا استحياء، وتبسم فيبدو لنا ثغرها، وتتقى أي تلقانا بعد الإعراض عنا بملاحظتها كما تلاحظ الظبية طفلها، وذلك أحسن من غنج المرأة.

وَجِيدٍ كَجِيدِ الرِّئْمِ لَيْسَ بِفَاحِشٍإذا هِيَ نَصَّتْهُ وَلاَ بِمُعَطّلِ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزِل»

الجيد: العنق، والرثم: الظبي الأبيض الخالص البياض. شبه عنقها بعنق الظبية، ونصته: رفعته. والمُعطل: الذي لا حلى عليه، ومثله العُطل، وقوله: (ليس بفاحش) أي ليس بكريه المنظر، و (إذا) ظرف لقوله: ليس بفاحش.

وَفَرْعٍ يَزِينُ المَتْنَ أَسْوَدَ فَاحِمٍأَثِيثٍ كَقِنْوِ النّخْلَةِ المُتَعَثْكِلِ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزِل»

الفرع: الشعر التام، والمتن والمتنة: ما عن يمين الصُّلْب وشماله من العصب

واللحم، والفاحم: الشديد السواد، وأثيث: كثير أصل النبات، والقِنْو والقُنْو والقنا: العذق وهو الشمراخ، والمتعثكل: الذي قد دخل بعضه في بعض

لكثرته، من العثكال والعثكول، وهو الشمراخ، وقيل: المتعثكل المتدلي.

غَدَائِرُهُ مُسْتَشْزَرَاتٌ إلى العُلاَتَضِلُّ العِقَاصُ فِي مُثَنًّى وَمُرْسَل

الغدائر: الذوائب، واحدتها غديرة، ومستشزرات: مرفوعات وأصل الشزز الفتل على غير جهة لكثرتها، وقوله (إلى العلى) إلى ما فوقها، والعقاص: جمع عقيصة، وهو: ما جمع من الشعر ففتل تحت الذوائبل، وهي مشطة معروفة يرسلون فيها بعض الشعر ويثنون بعضه، فالذي فتل بعضه على بعض هو المثنى، والمرسل: المسرح غير مفتول، فذلك قوله (في مثنى ومرسل) ورواية ابن الأعرابي (مستشزِرات) بكسر الزاي، أي مرتفعات، ويروى (يضل العقاص) بالياء على أن العقاص واحد، قال ابن كيسان: هو المدرى، فكان يُسترفى الشعر لكثرته، ويروى (تضلُّ المدارى) أي من كثافة شعرها، والمدرى: مثل الشوكة يُصلح بها شعر المرأة.

وَكَشْحٍ لَطِيفٍ كَالجْدِيلِ مُخَصَّرِوَسَاقٍ كَأَنْبُوبِ السَّقِيِّ المُذَلَّلِ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزِل»

الكشح: الخصر، واللطيف: أراد به الصغير الحسن. والعرب إذا وصفت الشيء بالحسن جعلته لطيفا، والجديل: زمام يتخذ منه السيور فيجيء حسنا لينا يتثنى، وهو مشتق من الجدل وهو شدة الخلق، ومنه الأجدل الصقر. ومنه المجادلة، والأنبوب: البردي والسقيُّ: النخل المسقى، كأنه قال كأنبوب النخل السقي، و (الذلل) فيه أقوال: أحدها إنه الذي قد سُقي وذلل بالماء حتى يطاوع كل من مدَّ إليه يده، وقيل: المذلل الذي يُفيئه أدنى الرياح لنعمته، وقيل: يقال: (نخل مذلل) إذا امتدت أقناؤه فاستوت، شبه ساقها ببردى قد

نبت تحت نخل؛ فالنخل يظله من الشمس، وذلك أحسن ما يكون منه، وقيل: المعنى المذلل له الماء، وقيل: المذلَّل

الماء الذي قد خاضه الناس.

وَيُضحِي فَتِيتُ المِسْكِ فَوْقَ فِرَاشِهَانَؤُومُ الضُّحى لَمْ تَنْتَطِقْ عَنْ تَفَضُّلِ

فتيت المسك: ما تفتت منه، أي تحات عن جلدها في فراشها، وقيل: كأن فراشها فيه المسك من طيب جسدها، لا أن أحدا فتت لها منه مسكا، واحتج بقوله (وجدت بها طيبا وإنْ لمْ تطيب) وقوله (يضحي) أي: يدخل في الضحى، كما يقال (أظلم) إذا دخل في الظلام، ولا يحتاج في هذا إلى خبر. ونؤوم الضحى: منصوب على أعني، وفيه معنى المدح، ولا يجوز أن يكون منصوبا على الحال، ألا ترى أنك إذا قلت (جاءني غلام هند مسرعة) لم يجز أن تنصب مسرعة على الحال من هند، إلا على حيلة بعيدة، والعلة في هذا أن الفعل لم يعمل في الثاني شيئا، والحيلة التي يجوز عليها أن معنى قولك (جاءني غلام هند) فيه معنى تحثه فنصبه به. وقد روى (نؤومُ الضحى) على معنى هي نؤوم الضحى، ويجوز (نَؤُومِ الضحى) على البدل من الضمير الذي في فراشها، والضحى: مؤنثة تأنيث صيغة، وليست الألف فيها بألف تأنيث، وإنما هي بمنزلة موسى الحديد، وتصغير ضحى ضُحَىٌّ، والقياس ضُحَيَّة، إلا إنه لو قيل ضحية لأشبه تصغير ضحوة، والضحى قبل الضَّحاء، ومعنى (عن تفضل) بعد تفضل، وقال أبو عبيدة: لم تنتطق عن تفضل، أي لم تنتطق فتعمل وتطوف، ولكنها تتفضل ولا تنتطق، وقيل: التفضل التوشح، وهو لبسها أدنى ثيابها، والانتطاق: الاتزار للعمل.

وَتَعْطُو بِرَخْصٍ غَيْرِ شَثْنٍ كَأَنَّهُأَسَارِيعُ ظَبْيٍ أو مَسَوِيكُ إِسْحِلِ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزِل»

تعطو: تناول، برخص، غير شثن: أي غير كز غليظ،

وظبى: اسم كثيب، والأساريع: جمع أسروع ويسروع، وهي دواب تكون في الرمل - وقيل في الحشيش - ظهورها ملس، والإسحل: شجر له أغصان ناعمة، شبه أناملها بأساريع أو مساويك للينها.

تَضِيُّ الظَّلاَمَ بِالْعِشَاَء كَأَنَّهَامَنَارَةُ مُمْسَى رَاهِبٍ مُتَبَتِّلِ

المتبتل: صفة الراهب، وهو المنفرد، وقيل: إنه المنقطع عن الناس المشغول بعبادة الله، وقوله (بالعشاء) معناه في العشاء، وقوله (كأنها منارة) أي كأنها سراج منارة، وقيل: هو على غير حذف، والمعنى أن منارة الراهب تُشرق بالليل إذا أوقد فيها قنديله، والمنارة مفعلة من النور، وخص الراهب لأنه لا يطفئ سراجه، وممسى راهب: إمساء راهب.

ومعنى البيت: أنها وضيئة الوجه، إذا ابتسمت بالليل رأيت لثناياها بريقا وضوءا، وإذا برزت في الظلام استنار وجهها وظهر جمالها حتى يغلب ظلمة الليل.

إلى مِثْلِهَا يَرْنُو الحَلِيمُ صَبَابَةًإذا مَا اسْبَكَرَّتْ بَيْنَ دِرْعٍ وَمِجْوَلِ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزِل»

يرنو: أي يديم النظر، والصبابة: رقة الشوق، وهو مصدر في موضع الحال، ويجوز أن يكون مفعولا من أجله، واسبكرت: امتدت، والمراد تمام شأنها، والدرع: قميص المرأة الكبيرة، والمجول للصغيرة، أي أنها بين من يلبس الدرع وبين من يلبس المجول، أي ليست بصغيرة ولا بكبيرة، هي بينهما.

فإن قيل: كيف قال (بين درع ومجول) وإنما هي تحتهما؟

فالجواب عن هذا أن يقال: أن المجول الوشاح، فهو يصيب بعض بدنها، والدرع أيضا يصيب بعض بدنها، فكأنها بينهما، والوجه الجيد هو الأول.

كَبِكْرِ المُقَانَاةِ البَيَاضُ بِصُفْرَةٍغَذَاهَا نَمِيرُ المَاءِ غَيْرَ مُحَللِ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزِل»

البكر هنا: أول بيض النعامة، والمقاناة: المخالطة، يقال: ما يُقانيني خلق فلان،

أي ما يشاكل خلقي، وغير مُحلل: لم يُحلل عليه فيكدر، والنمير من الماء: الذي ينجح في الشاربة، وإن لم يكن عذبا، ومن روى (غير محلل) بكسر اللام أراد إنه قليل ينقطع سريعا، وغير: منصوب على الحال، وقوله (كبكر المقاناة) التقدير كبكر البيض المقاناة، وأدخل الهاء لتأنيث الجماعة، كأنه قال: كبكر جماة البيض،

ونصب (البياض) على إنه خبر ما لم يسم فاعله، واسم ما لم يسم فاعله مضمر، والمعنى كبكر البيض الذي قوني هو البياض، كما تقول: مررت بالمعطى الدرهم، ومن روى (البياض) بالجر شبهه بالحسن الوجه، وفيه بعد؛ لأنه مشبَّه بما ليس من بابه، وقد أجازوا بالمعطى الدرهم على هذا، وقال ابن كيسان: ويروى (كبكر المقاناة البياض) وزعم أن التقدير كبكر المقاناة بياضه، وجعل الألف واللام مقام الهاء، ومثله قوله ﷿ (فإِنَّ الجَنَّةَ هِيَ المَأَوَى) أي هي مأواه، وهذا كأنه مقيس على قول الكوفيين؛ لأنهم يجيزون (مررت بالرجل الحسن الوجه) أي الحسن وجهه، يقيمون الألف واللام مقام الهاء، وقال الزجاج: هذا خطأ، لأنك لو قلت (مررت بالرجل الحسن الوجه) لم يعد على الرجل من نعته شيء، وأما قولهم: أن الألف واللام بمنزلة الهاء فخطأ؛ لأنه لو كان هذا هكذا لجاز (زيد الأب منطلق) تريد أبوه منطلق، وأما قوله: (فإِنَّ الجَنَّةَ هِيَ المَأوَى) فالمعنى والله أعلم هي المأوى له، ثم حذف ذلك لعلم السامع.

ومعنى البيت إنه يصف أن بياضها يخالطه صفرة، وليست بخالصة البياض، فجمع في البيت معنيين: أحدهما إنها ليست خالصة البياض، والآخر إنها حسنة الغذاء.

وقيل: إنه يريد بالبكر هنا الدُّرة التي لم تُثقب، وهكذا لون الدرة، ويصف أن هذه الدرة بين الماء المالح والعذب فهي أحسن ما يكون، فأما على القول الأول فإن (غذاها) يكون راجعا إلى المرأة، أي

نشان بأرض مريئة.

تَسَلَّتْ عَمَايَاتُ الرِّجَالِ عَنِ الصّبَاوَلَيْسَ فُؤَادِي عَنْ هَوَاهُ بِمُنْسَلِ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزِل»

ويروى (عن هواك) و (عن صباه) والصبا: أن يفعل فعل الصبيان، يقال: صبا إلى اللهو يصبو صباءا وصبوا، والعمايات: جمع عماية، وهي الجهالة، ومنسل: منفعل من السُّلُو، وعن الأولى تتعلق بتسلت والثانية بمُنسل.

أَلاَ رُبَّ خَصْمٍ فيكِ أَلْوَى رَدَدْتُهُنَصِيحٌٍ عَلَى تَعْذَالِهِ غَيْرُِ مُؤْتَلِ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزِل»

الخصم يكون واحدا وجمعا ومؤنثا ومذكرا، والألوى: الشديد الخصومة، كأنه يلتوي على خصمه، والتعذال والعَذْل والعَذَل واحد، ومُؤْتل: أي مُقصر ومعنى (رددته) أي لم أقبل من نصحه، ومعنى (غيرُ مُؤتل) أي غير تارك نُصحي بجهده.

وَلَيْلٍ كَمَوْجِ البَحْرِ مُرْخٍ سُدُولَهُعَلَيَّ بِأَنْوَاعِ الهُمُومِ لِيَبْتَلِي

كموج البحر: يعني في كثافة ظلمته، وسدوله: ستوره، واحده سدل، و (سدل ثوبه) إذا أرخاه ولم يضمه، وقوله: (بأنواع الهُمُوم) أي بضروب الهموم (ليبتلى) أي لينظر ما عنده من الصبر والجزع، ويبتلى بمعنى يختبر.

ومعنى البيت إنه يُخبر أن الليل قد طال عليه.

وسدوله ينتصب بمُرخ، وعلىَّ يتعلق بمُرخ، وكذلك الباء في بأنواع الهموم.

فَقُلْتُ لَهُ لَمَّا تَمَطَّى بِصُلْبِهِوَأَرْدَفَ أَعْجَازاً وَنَاَء بِكَلْكَلِ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزِل»

وروى الأصمعي: (لما تمطى بجوزه) ومعناه لما تمدد بوسطه، وقوله: (وأردف

أعجازا) قال الأصمعي: معناه حين رجوت أن يكون قد مضى أردف أعجازا، أي رجع، و (ناء بكلكل) أي تهيأ لينهض، والكلكل: الصدر، وقال بعضهم: معنى البيت ناء بكلكه.. وتمطى بصلبه وأردف أعجازا، فقدَّم وأخر.

أَلاَ أَيُّهَا اللَّيْلُ الطَّوِيلُ أَلاَ انْجَلِىبِصُبْحٍ، وَمَا اْلإصْبَاحُ فِيكَ بِأَمْثَلِ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزِل»

(ألا انجلى) في موضع السكون، وشبهوا إثبات الياء فيه بإثبات الألف في قوله تعالى: (سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنْسَى) وبإثبات الألف أيضا في قوله:

إذا الجَوْزَاءُ أَرْدَفَتِ الثُّرَيَّاظَنَنْتُ بآلِ فَاطِمَةَ الظُّنُونَا
للشاعر خُزَيمَة القُضاعي، اقرأ القصيدة

وبإثبات الياء في قوله:

أَلَمْ يَأْتِيكَ وَالأنْبَاءُ تَنْمِيبِمَا لاَقَتْ لَبونُ بَنِي زِيَادِ

وبإثبات الواو في قوله:

هَجَوْتَ زَبَّانَ ثُمَّ جِئْتَ مُعْتَذِراًمِنْ هَجْوَ زَبَّانَ لَمْ تَهْجُو وَلَمْ تَدَعِ

ومعنى البيت أنا معذَّب؛ فالليل والنهار على سواء، والانجلاء: الانكشاف، ويروى (وما الإصباح منك بأمثل) والتقدير: وما الإصباح بأمثل منك، فمنك منوي بها التأخير؛ لأنها في غير موضعها؛ لأن حق (من) أن تقع بعد أفعل، والمعنى: إذا جاء الصبح فإني أيضا مغموم، وقيل: معنى (فيك بأمثل) أن جاءني الصبح وأنا فيك فليس ذلك بأمثل؛ لأن الصبح قد يجيء والليل مظلم بعد، وفي تتعلق بأمثل.

فَيَالَكَ مِنْ لَيْلٍ كَأَنَّ نُجُومَهُبِكُلِّ مُغَارِ الفَتْلِ شُدَّتْ بِبَذْبُلِ

معناه كأن نجومه شدت ببذيل، وهو جبل والمغار: المحكم الفتل، وقوله (يا لك من ليل) فيه معنى التعجب كما يقول: (يا لك من فارس).

كَأَنَّ الثُّرَبَّا عُلِّقَتْ فيِ مَصَامِهَابِأَمْرَاسِ كَتَّانِ إلى صُمِّ جَنْدَلِ

ويروى (كأَنَّ نُجُوماً عُلِّقَتْ في مصامها) والأمراس: الحبال، والجندل: الحجارة، وفيه تفسيران.

أما أحدهما فانه يصف طول الليل، يقول: كأن النجوم مشدودة بحبال إلى حجارة فليست تمضى، ومصامها: موضع وقوفها، وفي والباء وإلى متعلقة بقوله: عُلِّقت.

والتفسير الثاني - على رواية من يروى هذا البيت مؤخرا عند صفته الفرس - فيكون شبه تحجيل الفرس في بياضه بنجوم عُلقت في مقام الفرس بحبال كتان إلى صُم جندل، وشبه حوافره بالحجارة، والثريا: تصغير ثروى مقصورة.

وَقِرْبَةِ أَقْوَامٍ جَعَلْتُ عِصَامَهَاعَلَى كَاهِلٍ مِنِّى ذَلُولٍ مُرَحَّلِ
للشاعر تأبط شراً، من قصيدة «أقسمت لا أنسى وإن طال عيشنا»

عصام القرية: الحبل الذي تحمل به ويضعه الرجل على عاتقه وعلى صدره. والكاهل: موصل العنق والظهر، يصف نفسه بأنه يخدم أصحابه.

وَوَادٍ كَجَوْفٍ العَيْرِ قَفْرٍ قَطَعْتُهُبِهِ الذِّئْبُ يَعْوِي كالخَلِيعِ المُعَيَّلِ
للشاعر تأبط شراً، من قصيدة «أقسمت لا أنسى وإن طال عيشنا»

فيه قولان: أحدهما أن جوف العير لا ينتفع منه بشيء - يعني العير الوحشي - والقول الآخر أن الهير هنا رجل من العمالقة كان له بنون وواد خصيب، وكان حسن الطريقة، فسافر بنوه في بعض أسفارهم، فأصابتهم صاعقة فأحرقتهم، فكفر بالله، وقال: لا أعبد ربا أحرق بنيَّ، وأخذ في عبادة الأصنام، فسلّط الله على واديه نارا، والوادي بلغة أهل اليمن يقال له الجوف، فأحرقته، فما بقي منه شيء، وهو يضرب به المثل في كل ما لا بقية فيه.

والخليع: المقامر، ويقال: هو الذي قد خلع عذاره فلا يبالي ما ارتكب، والمعيل: الكثير العيال، والكاف منصوبة بيعوي.

فَقُلْتُ لَهُ لَمَّا عَوَى: أن شَأْنَنَاقَلِيلُ الغِنَى أن كُنْتَ لَمَّا تَمَوَّلِ
للشاعر تأبط شراً، من قصيدة «وَقِرْبَةِ أَقْوَامٍ جَعَلْتُ عصَامَهَا»

أي أن كنت لم تصب من الغنى ما يكفيك، وقوله: (إنَّ شأننا قليل الغنى) أي أنا لا أغنى عنك وأنت لا تغنى عني شيئا، أي أنا أطلب وأنت تطلب فكلانا لا غنى له، ومن رواه (طويل الغنى) أراد همتي تطول في طلب الغنى.

كِلاَنَا إذا مَا نَالَ شَيْئاً أَفَاتَهُوَمَنْ يَحْتَرِثْ حَرْثِي وَحَرْثَكَ يُهْزَلِ
للشاعر تأبط شراً، من قصيدة «أقسمت لا أنسى وإن طال عيشنا»

أي إذا نلت شيئا أفته، وكذلك أنت إذا أصيت شيئا أفته (ومن يحترث حرثي وحرثك يهزل) أي من طلب مني ومنك شيئا لم يدرك مراده، وقال قوم: معنى البيت من كانت صناعته وطلبته مثل طلبتي وطلبتك في هذا الموضع مات هزالا، لأنهما كانا بواد لا نبات فيه ولا صيد.

وَقَدْ أَغْتَدِي وَالطَّيْرُ فِي وُكَنَاتِهَابِمُنْجَرِدٍ قَيْدِ الأوَابِدِ هَيْكَلِ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزِل»

ويروى (وكراتها) أي في مواضعها التي تبيت فيها، والوكنات في الجبال كالتماريد في السهل، الواحدة وكنة، وهي الوقنات أيضا وقد وكن الطائر يكن ووقن يقن ووكر يكر، ومن روى (في وكراتها) فهو جمع الجمع، يقال: وكر، ووكر جمع، ووكرات جمع الجمع، وأغتدي: أفتعل من الغدو، والواو في (والطير)

واو الحال، يقول: قد اغتدى في هذه الحال بفرس منجرد، أي قصير الشعرة، قيد الأوابد، والأوابد: الوحوش، وكذلك أوابد الشِّعر، وتقدير قيد الأوابد ذي تقييد الأوابد، والمعنى أن هذا الفرس من سرعته يلحق الأوابد فيصير لها بمنزلة القيد، والهيكل: الضخم.

مِكَرٍّ مِفَرٍّ مُقْبِلٍ مُدْبِرٍ مَعاًكَجُلْمُودٍ صَخْرٍ حَطَّهُ السَّيْلُ مِنْ عَلِ
للشاعر ابن عنين، من قصيدة «ولما رأينا المغربي بخدمة المؤيد»

مكر: يصلح للكر، ومفر: يصلح للفر، ومُقبل: حسن الإقبال، ومُدبر: حسن الأدبار، وقوله (معا) أي عنده هذا وعنده هذا، كما يقال: فلان فارس راجل، أي قد جمع هاتين، و (حطه السيل) حدره، ومعنى البيت إنه يصف أن هذا الفرس في سرعته بمنزلة هذه الصخرة التي قد حطها السيل في سرعة انحدارها، وأن الفرس حسن الإقبال والأدبار، و (معا) منصوب على الحال، و (من عل) من فوق.

كُمَيْتٍ يَزِلُّ اللّبْدُ عَنْ حَالِ مَتْنِهِكَمَا زَلَّتِ الصَّفْوَاءُ بِالمُتَنَزِّلِ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزِل»

ويروى (عن حاذ متنه) أي وسطه، شبه ملاسة ظهر الفرس - لاكتناز اللحم عليه وامتلائه - بالصفاة الملساء، والصفاة والصفواء: الصخرة الملساء التي لا ينبت فيها شيء، ويقال: صفوان، وجمعه صفوان، وجمع صفاة صفا، وقد

يكون الصفواء جمع صفاة كما قالوا: طرفة وطرفاء، والمتنزل: الطائر الذي يتنزل على الصخرة، وقيل: المتنزل السيل؛ لأنه يتنزل الأشياء، وقيل هو: المطر، والحاذ والحال: موضع اللبد.

عَلَى الذَّبْلِ جَيَّاشٍ كَأَنَّ اهْتِزامَهُإذا جَاشَ فِيهِ حَمْيُهُ غَلْىُ مِرْجَلِ

الذبل: الضمور، ويروى (على الضمر)، واللجياش: الذي يجيش في عدوه كما تجيش القدر في غليانها، واهتزامه: صوته، وحميه: غليه، ويروى (على العقب جياش) والعقب: جرى يجيء بعد جرى، وقيل: معناه إذا حرمته بعقبك جاش، وكفى ذاك من السوط، و (على العقب) في موضع الحال.

ومعنى البيت أن هذا الفرس آخر عدوه على هذه الحال، فكيف أوله؟!

مِسَحٍّ إذا مَا السَّابِحَاتُ عَلَى الوَنَيأَثَرْنَ الغُبَارَ بِالكَدِيدِ المُرَكَّلِ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزِل»

مسح: معناه يصب الجري صبا، والسابحات: اللواتي عدوهن سباحة، والسباحة في الجري: أن تدحو بأيديها دحوا، أي تبسطها، والوني: الفتور، قال الفراء: ويمد ويقصر، والكديد: الموضع الغليظ، وقيل: ما كد من الأرض بالوطء، والمركل: الذي يُركل بالأرجل.

ومعنى البيت: أن الخيل السريعة إذا فترت فأثارت الغبار بأرجلها من التعب جرى هذا الفرس جريا سهلا كما يسح السحاب المطر، و (على) تتعلق بأثرن، وكذلك الباء في قوله (بالكديد) ويروى (بالكديد السمول) وهي الأرض الصلبة.

يَزِلُّ الغُلاَمُ الخِفُّ عَنْ صَهَوَاتِهِوَيُلْوِى بِأَثْوَابِ العَنِيفِ المُثَقَّلِ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذِكرى حبيب ومنزل ( معلقة )»

ويروى (يزل الغلام الخف) وروى الأصمعي (يطير الغلام) والخِف: الخفيف، بكسر الخاء، وقال أبو عبيدة: سمعت الخَف بفتح الخاء، والصهوة: موضع اللبد، وصهوة كل شيء: أعلاه، وجمعها بما حولها، ويلوى بأثواب العنيف: أي يرمى بثيابه يذهبها ويبعدها، والعنيف: الذي ليس برفيق، والمثقل: الثقيل، وقال بعضهم: إذا كان راكب الفرس خفيفا رمى به، وإذا كان ثقيلا رمى يثيابه، والجيد أن المعنى بأثواب العنيف نفسه لأنه غير حاذق بركوبه، وقيل: معنى هذا البيت أن الفرس إذا ركبه العنيف لم يتمالك أن يصلح ثيابه، وإذا ركبه الغلام الخِف زل عنه ولم يُطقه لسرعته ونشاطه، وإنما يصلح له من يداريه.

دَرِيرٍ كَخذْرُوفِ لوَلِيدِ أَمَرَّهُتَتَابُعُ كَفّيْهِ بِخَيْطٍ مُوَصَّلِ

درير: مستدلا في العدو، يصف سرعة جريه، والخذروف: الخرارة التي يلعب بها الصبيان تسمع لها صوتا، وأمره: أحكم فتله، وتتابع كفيه يريد متابعتهما بالتخرير، ويروى (امره تقلب كفيه) أي تقلبهما بالخرارة.

ومعنى البيت أن هذا الفرس سرعته كسرعة الخذروف وخفته كخفته.

لَهُ أَيْطَلاَ ظَبْيٍ، وَسَاقَا نَعَامَةٍ،وَإِرْخَاءُ سِرْحَانٍ، وَتَقْرِيبُ تَتْفُلِ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزِل»

ويروى (له آطلا ظبي) وهما كشحاه، وهو ما بين آخر الضلوع إلى الورك، يقال: إطل وآطال وأيطل وأياطل، وإنما شبهه بأيطل الظبي لأنه طاو وليس بمنفضخ، وقال: (ساقا نعامة) والنعامة قصيرة الساقين صلبتهما، وهي غليظة ظمياء ليست برهلة، ويستحب من الفرس قصر الساق لأنه أشد لرميها بوظيفها، ويستحب منه - مع قص الساق - طول وظيف الرجل وطول الذراع؛ لأنه أشد لدحوه أي لرميه بها، والإرخاء: جرى ليس بالشديد، وفرس مرخاء، وهي مراخي الخيل، وليس دابة أحسن إرخاء من الذئب، والسرحان: الذئب، والتقريب: أن يرفع يديه معا ويضعهما معا، والتَّتْفُل: ولد الثعلب، وهو احسن الدواب تقريبا، ويقال: تَتْفُل وتَتَفْل وتُتْفُل فإذا سميت رجلا بتَتْفُل أو تَتْفَل لم تصرفه في المعرفة؛ لأنه على مثال تَفْعُل، وتَفَعَل، ولو سميت بِتُتْفُل انصرف في المعرفة والنكرة؛ لأنه ليس على وزن الفعل، ويقال للفرس: هو يعدو الثعلبية؛ إذا كان جيد التقريب

ضَلِيعٍ إذا اسْتَدْبَرْتَهُ سَدَّ فَرْجَهُبِضَافٍ فُوَيْقَ الأَرْضِ لَيْسَ بِأَعْزَلِ

يقال: فرس ضليع وبعير ضليع، إذا كانا قويين منتفجي الجنبين، وهي الضلاعة، ويروى عن عمر ﵁ إنه قال: إذا اشتريت بعيرا فاشتره ضليعا، فإن أخطأك مخبره لم يخطئك منظره، وفرجه: ما بين رجليه، وقوله (بضاف) أي بذنب ضاف، وهو السابغ، ويكره من الفرس أن يكون أعزل أي ذنبه إلى جانب، وأن يكون قصير الذنب، وأن يكون طويلا يطأ عليه،

ويستحب أن يكون سابغا قصير العسيب، و (إذا) ظرف، والعامل فيه (سد فرجه) وهو الجواب.

كَأَنَّ سَرَاتَهُ لَدَى البَيْتِ قَائِماًمَدَاكُ عَرُوسٍ أو صَلاَيَةُ حَنْظَلِ

سراته: ظهره، وإنما أراد ملاسة ظهره واستواءه، والمداك: الحجر الذي يُسحق

به، والمدوك: الحجر الذي يسحق عليه، ومداك: من داكه يدوكه دوكا إذا طحنه، ويقال: صلاءة وصلاية، كما يقال: عظاءة وعظاية؛ فمن قال عظاءة بناه على عظاء ثم جاء بالهاء، ومن قال عظاية بناه على الهاء من أول وهلة، وصلاية مشبهة بهذا.

ومعناه إنه يصف هذا الفرس ويقول: إذا كان قائما عند البيت غير مسرج رأيت ظهره أملس؛ فكأنه مداك عروس في صفائها واملاسها، وإنما قصد إلى مداك العروس دون غيره لأنه قريب العهد بالطيب، وصلاءة الحنظل؛ لأن حب الحنظل يخرج دهنه فيبرق على الصلاءة.

وروى الأصمعي (أو صراية حنظل) وروى (كأن على الكتفين منه إذا انتحى) والصراية: الحنظلة التي قد اصفرت؛ لأنها قبل أن تصفر مغبرة، فإذا اصفرت صارت تبرق كأنها قد صُقلت، وروى أبو عبيدة (أو صِراية حنظل) بكسر الصاد، وقال: شبه عرقه بمداك العروس أو بصِراية حنظل، وهو الماء الذي يُنقع فيه حب الحنظل لتذهب مرارته، وهو أصفر مثل لون الحلبة، يقال: صرى يصرى صريا وصراية.

كَأَنَّ دِمَاَء الهَادِيَاتِ بِنَحْرِهِعُصَارَةُ حِنَّاءٍ بِشَيْبٍ مُرَجَّلِ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزِل»

الهاديات: المتقدمات من كل شيء، ويريد بعصارة حناء: ما بقى من الأثر،

والمرجل: المسرح.

ومعنى البيت أن هذا الفرس يلحق أول الوحش، فإذا لحق أولها علم إنه قد أحرز آخرها، وإذا لحقها طعنها فتصيب دماؤها نحره.

فَعَنَّ لَنَا سِرْبٌ كَأَنّ! َ نِعَاجَهُعَذَارَى دَوَارٍ فيِ مُلاَءٍ مُذَيَّلِ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزِل»

عنَّ: اعترض، والسرب: القطيع من البقر، ودوار: صنم يدورون حوله، والملاء: الملاحف، واحدتها ملاءة، ومذيل: سابغ، وقيل: له هدب، وقيل: أن معناه أن له

ذيلا أسود، وهذا أشبه بالمعنى؛ لأنه يصف بقر الوحش وهي بيض الظهور سود القوائم.

ومعنى البيت إنه يصف أن هذا القطيع من البقر يلوذ بعضه ببعض، وتدور كما تدور العذارى حول دوار، وهو نسك كانوا في الجاهلية يدورون حوله.

فَأَدْبَرْنَ كَالجِزْعِ المُفَصَّلِ بَيْنَهُبِجِيدِ مُعَمٍّ فيِ العَشِيرَةِ مُخْوِلِ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزِل»

الكاف في قوله (كالجزع) في موضع نصب لأنها نعت لمصدر محذوف، والجَزع - بالفتح - الخرز، وأبو عبيدة يقوله بالكسر، وهو الخرز الذي فيه سود وبياض، و (بجيد) أي في جيد، وهو العنق، ومعنى (معم مُخول) أي له أعمام وأخوال، وهم في عشيرة واحدة، كأنه قال كريم الأبوين، وإذا كان

كذلك كان خرزه أصفى وأحسن يصف أن هذه البقر من الوحش تفرقت كالجزع، أي كأنها قلادة فيها خرز قد فصل بينه بالخرز، وجعلت القلادة في عنق صبي كريم الأعمام والأخوال.

فَأَلحَقَهُ بِالهَادِيَات وَدُونَهُجَوَاحِرُهَا فِي صَرَّةٍ لَمْ تَزَيَّلِ

الهاديات: أوائل الوحش، وجواحرها: متخلفاتها، يقال: (جحر) إذا تخلف والهاء في قوله (فألحقه) يحتمل أن تكون للفرس، أي ألحق الغلامُ الفرسَ، ويحتمل أن يكون للغلام، أي ألحق الفرسُ الغلامَ، و (الصرة) قيل: الشدة، وقيل: الصيحة، وقيل: الغبار، يقول: لما لحق هذا الفرس أوائل الوحش بقيت أواخرها لم تتفرق، فهي خالصة له، و (لم تزيل) أي لم تتفرق.

فَعَادَى عِدَاءً بَيْنَ ثَوْرٍ وَنَعْجَةٍدِرَاكاً، وَلَمْ يَنْضَح بِمَاءٍ فَيُغْسَلِ
للشاعر ابن عنين، من قصيدة «ولما رأينا المغربي بخدمة المؤيد»

عادى: معناه والى بين اثنين في طلق، ولم يعرق، أي أدرك صيده قبل أن يعرق، وقوله (فيغسل) أي لم يعرق فيصير كأنه قد غسل بالماء، والفاء للعطف وليس بجواب، أي لم ينضح ولم يغسل، وقوله (دراكا) بمعنى مداركة، وهو مصدر في موضع الحال، قال بندار: ولم يرد ثورا ونعجة فقط، وإنما أراد التكثير، والدليل

على هذا قوله (دراكا)، ولو أراد ثورا ونعجة فقط لاستغنى

بقوله فعادى.

فَظَلَّ طُهَاةُ اللّحْمِ مِنْ بَيْنَ مُنْضِجٍصَفِيفَ شِوَاءٍ أو قَدِيرٍ مُعَجَّلِ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذِكرى حبيب ومنزل ( معلقة )»

الطهاة: الطباخون، واحدهم طاه، والصفيف: الذي قد صُفف مرققا على الجمر، والقدير: ما طبخ في قدر، وأما خفض (قدير) فأجود ما قيل فيه - وأجاز مثله سيبويه - إنه كان يجوز أن يقول (من بين منضج صفيف شواء) فحمل قديرا على صفيف لو كان مجرورا، وشرح هذا أنك إذا عطفت اسما على اسم، وكان يجوز لك في الأول إعرابان فأعربته بأحدهما ثم عطفت الثاني عليه جاز لك أن تعربه بإعراب الأول وجاز لك أن تعربه بما كان يجوز في الأول فتقول (هذا ضاربُ زيدٍ وعمرٍو) وإن شئت قلت: (هذا ضاربُ زيدٍ وعمراً) لأنه قد كان يجوز لك أن تقول: (هذا ضاربٌ زيداً وعمراً) وان شئت قلت: (هذا ضاربٌ زيداً وعمرٍو)؛ لأنه قد كان يجوز لك أن تقول: (هذا ضاربُ زيدٍ وعمرٍو) فهذا يجيء على مذهب سيبويه، وأنشد:

مَشَائِيمُ لَيْسُوا مُصْلِحِينَ عَشِيرَةًوَلاَ نَاعِبٍ إِلاَّ بِشُؤْمٍ غُرَابُهَا
للشاعر الأخوص اليربوعي، اقرأ القصيدة

والمازني وأبو العباس لا يجيزان هذه الرواية، والرواية عندهما (ولا ناعبا)

لأنه لا يجوز أن يُضمر الخافض؛ لأنه لا يتصرف وهو من تمام الاسم، وأما القول في البيت فإن قديرا معطوف على مُنضج بلا ضرورة، والمعنى من بين قدير، والتقدير من بين منضج قدير، ثم حذف منضجا، وأقام قديرا مقامه في الإعراب.

وَرُحْنَا يَكَادُ الطَّرْفُ يَقْصَرُ دُونَهُمَتَى مَا تَرَقَّ العَيْنُ فِيهِ تَسَهَّلِ

أراد بالطرف العين، والطرف المصدر أيضا، ومعنى قوله (يقصر دونه) إنه إذا نظر إلى هذا الفرس أطال النظر إلى ما ينظر منه لحسنه فلا يكاد يستوفي النظر إلى جميعه، ويحتمل أن يكون معناه إنه إذا نظر إلى هذا الفرس لم يدم النظر إليه لئلا يصيبه بعينه لحسنه. وروى الأصمعي وأبو عبيدة (ورحنا وراح الطرف

ينفض رأسه) والطرف: الكريم من كل شيء، والأنثى طلافة، وقيل: الطرف الكريم الطرفين، وقوله (ينفض رأسه) أي من المرح والنشاط، وقوله (متى ما رق العين فيه تسهل) أي متى ما نظر إلى أعلاه نظر إلى أسفله لكماله ليستتم النظر إلى جميع جسده.

فَبَاتَ عَلَيْهِ سَرْجُهُ وَلَجِامُهُوَبَاتَ بِعَيْنِي قَائماً غَيْرَ مُرْسَلِ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذِكرى حبيب ومنزل ( معلقة )»

في (بات) ضمير الفرس، وقوله (عليه سرجه ولجامه) في موضع النصب خبر بات، وبات الثاني معطوف على الأول، و (بعيني) خبره، أي بحيث أراه، وقائما: نصب على الحال، وغير مرسل: أي غير مُهمل.

ومعناه إنه لما جيء به من الصيد لم يرفه عنه سرجه وهو عرق، ولم يقلع لجامه فيعتلف على التعب فيؤذيه ذلك، ويجوز أن يكون معنى فبات عليه

سرجه ولجامه لأنهم مسافرون، كأنه أراد الغدو فكان معدا لذلك.

أَصَاحِ تَرَى بَرْقاً أُرِيكَ وَمِيضَهُكَلَمْعِ اليَدَيْنِ فِي حَبِيِّ مُكَلَّلِ

ويروى (أحار ترى) ويروى (أعنى على برق أريك وميضه) يقال: ومض البرق ومضا، وأومض إيماضا، والومض: الخفى، ووميضه: خطرانه، وقوله: (كلمع اليدين) أي كحركتهما، والحبي: ما ارتفع من السحاب والمكلل: المستدير كالإكليل، والمكلل: المتبسم بالبرق. وقوله (أصاح) ترخيم صاحب، على لغة من قال: يا حار، وفيه من السؤال أن يقال: قال النحويون: لا ترخم النكرة فكيف جاز أن يرخم صاحبا وهو نكرة وقد قال سيبويه: لا يرخم من النسكرات إلا ما كان في آخره الهاء، نحو قوله:

جَارِىَ لاَ تَسْتَنْكِرِي عَذِيرِي

فالجواب عن هذا أن أبا العباس لا يجوز أن ترخم نكرة ألبتة، وأنكر على سيبويه ما قال من أن النكرة ترخم إذا كانت فيها الهاء، وزعم أن قوله:

جَارِىَ لاَ تَسْتَنْكِرٍي عَذِيرِي

إنه يريد يا أيتها الجارية، فكأنه رخم على هذا معرفة، فكذلك يقول في قوله: (أصاح ترى) كأنه قال يا أيها الصاحب، ثم رخم على هذا.

ومما يُسأل عنه في هذا البيت أن يقال: كيف جاز أن يُسقط حرف الاستفهام، وإنما المعنى (أترى برقا). فإن قال قائل: أن الألف في قوله:

(أصاح) هي ألف الاستفهام؛ فهذا خطأ، لأنه لا يجوز أن تقول: صاحب أقبل؛ لأنك تسقط شيئين، إلا أنك إذا قلت: (يا صاحب) فمعناه يا أيها الصاحب.

فالجواب عن هذا أن قوله: (أصاح) الألف للنداء كقولك: (يا صاح) إلا أنها دلت على الاستفهام، إذ كان لفظها كلفظ ألف الاستفهام، وأجاز النحويون (زيدٌ عندكَ أم عمروٌ) يريدون أزيد عندك أم عمرو؛ لأن أم قد دلت على معنى الاستفهام، فأما بغير دلالة فلا يجوز؛ لو قلت: (زيد عندك) وأنت تريد الاستفهام لم يجز، وقد أنكر على عمر بن أبي ربيعة قوله:

ثُمَّ قَالُوا: تحِبُّهَا؟ قُلتُ: بَهْراً،عَدَدَ الرَّمْلِ وَالحَصَى وَالتُّرَابِ
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «قال لي صاحبي ليعلم ما بي»

قالوا: لأنه أراد قالوا أتحبها، ثم أسقط ألف الاستفهام، وهذا عند أبي العباس ليس باستفهام، إنما هو على الإلزام والتوبيخ كأنه قال: قالوا: أنت تُحبها.

يُضِيءُ سَنَاهُ أو مَصَابِيحُِ رَاهِبٍأَهَانَ السَّلِيطَ بِالذُّبَالِ المُفَتَّلِ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزِل»

السنا: مقصور الضوء، يقال: سنا يسنو، إذا أضاء، ومصابيح: مرفوع على أن يكون معطوفا على المضمر الذي في الكاف في قوله كلمع اليدين، والمضمر يعود على البرق، وإن شئت على الوميض. ويروى (أو مصابيحِ راهبٍ) بالجر، على أن تعطفه على قوله كلمع اليدين، ويكون المعنى أو كمصابيح راهب. ومعنى قوله: (أهان السليط) أي لم يكن عنده عزيزا، يعني إنه لا يكرمه عن استعماله وإتلافه في الوقود، ولا معنى لرواية من روى (أمال السليط) والسليط: الزيت،

وقيل: الشيرج، والذبال: جمع ذبالة، وهي الفتيلة.

قَعَدْتُ لَهُ وَصُحْبَتِي بَيْنَ ضَارِجٍوَبَيْنَ العُذَيْبِ، بُعْدَ مَا مُتَأَمَّلِي

صُحبتي: بمعنى أصحابي، وهو اسم للجمع، وضارج والعذيب: مكانان، ويروى (بين حامز وبين أكام) وهو من بلاد غطفان، أي قعدت لذلك البرق أنظر من أين يجيء بالمطر، ومعنى قوله: (بُعدَ ما مُتأمل) ما أبعد ما تأملت، وحقيقته إنه نداء مضاف، فالمعنى يا بُعد ما مُتأمل، أي يا بُعد ما تأملت، وروى الرياشي (بَعْدَ ما) بفتح الباء، وهي تحتمل معنيين: أحدهما أن المعنى بَعُدَ ثم حذف الضمة كما يقال عَضْد في عَضُد، ويجوز أن يكون المعنى بَعْدَ ما تأملت.

عَلاَ قَطَناً - بِالشَّيْمِ - أَيْمَنُ صَوْبِهِوَأَيْسَرُهُ عَلَى السِّتَارِ فَيَذْبُلِ

وروى الأصمعي (على قطن) وقطن: جبل، والشيم: النظر إلى البرق، وصوبه: مطره الذي يصيب الأرض منه، وقوله: (أيمن صوبه) يحتمل تفسيرين: أحدهما أن يكون من اليمن، والآخر أن يكون من اليمين، و (أيسره) يحتمل تفسيرين: أحدهما أن يكون من اليسر، والآخر أن يكون من يسرته. ويذبل: صرفه لضرورة الشعر. ويروى (على النباج وثيتل).

فأَضْحَى يَسُحُّ المَاَء حَوْلَ كُتَيْفَةٍيَكُبُّ عَلَى الأَذْقَانِ دَوْحَ الكَنَهْبَلِ

كتيفة: اسم أرض، يقول: فأضحى السحاب يصب الماء، وقوله: (يكب) يقلبها على رؤوسها، والأذقان هنا مستعارة، وإنما يريد بها الرءوس وأعالي الشجر، والدوح: جمع دوحة، وكل شجرة عظيمة دوحة، والكنهبل: شجر معروف من

العضاه ويروى (من كل فيقة) والفيقة: ما بين الحلبتين واسم ما بينهما: الفواق، والفواق جميعا، ويروى (عن كل فيقة) بمعنى بعد، وروى أبو عبيدة (من كل تلعة) أي مسيل الماء.

وَمَرَّ عَلَى القَنَانِ مِنْ نَفَيَانِهِفَأَنْزَلَ مِنْهُ العُصْمَ مِنْ كُلِّ مُنْزَلِ

ويروى (من كل منزل) القنان: جبل لبني أسد، وأصل النفيان ما تطاير عن الرشاء عند الاستقاء، وهو هنا ما شذ عن معظمه. والعصم: الوعول، واحدها أعصم، والأنثى أروية والأعصم هنا: ما كان في معصمه بياض أو لون يخالف لونه، وقيل: بل سمى لوعل أعصم؛ لأنه يعتصم بالجبال، لأنه لا يكاد يكون إلا فيها، ومن روى (من كل منزل) فمعناه من كل موضع تنزل هي منه، أي تهرب من السيل الكثير.

وَتَيْمَاَء لَمْ يَتْرُكْ بِهَا جِذْعَ نَخْلَةٍوَلاَ أُجُماً إِلاَّ مشِيداً بِجَندلِ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزِل»

ويروى (ولا أطما) والآجام: البيوت المسقفة، وكذلك الآطام، يقول: لم يدع أطماً إلا ما كان مشيدا بجص وصخر إنه سلم. والشيد: الجص، والمشيد: يحتمل أن يكون المبنى بالجص وأن يكون المطول، وتيماه: من أمهات القرى.

كَأَنَّ ثَبِيراً فيِ عَرَانِينِ وَبْلِهِكَبِيرُ أُنَاسٍ فيِ بِجَادٍ مُزَمَّلِ

ثبير: جبل: والعرانين: الأوائل، والأصل في هذا أن يقال للأنف عرنين. والوبل: ما عظم من القطر، ورواها الأصمعي (كان أبانا في أفانين ودقه) وأبانان: جبل أبيض وجبل أسود، وهما لبني عبد مناف بن دارم، وأفانين: ضروب، والوةدق: المطر، والبجاد: كساء مخطط من أكسية الأعراب من وبر الإبل وصوف الغنم مخيطة، والجمع بُجد، ومزمل: ملتف. يقول: قد ألبس الوبل أبانا فكأنه مما ألبسه من المطر وغشاه كبير أناس مزمل لأن الكبير أبدا متدثر، وقال أبو نصر: شبه الجبل وقد غطاه الماء، والغثاء الذي أحاط به إلا رأسه، بشيخ في كساء مخطط، وذلك أن رأس الجبل يضرب إلى السواد، والماء حوله أبيض، وكان يجب أن يقول (مزمل) لأنه نعت للكبير، إلا إنه خفضه على الجوار، وحكى الخليل وسيبويه (هذا جحر ضب خرب) وإنما خرب نعت للجحر، قال سيبويه: وإنما غلطوا في هذا لأن المضاف والمضاف إليه بمنزلة شيء واحد، وأنهما مفردان،

وحكى الخليل أنهم يقولون في التثنية (هذان جحرا ضب خربان) فيرجع الأعراب إلى ما يجب؛ لأن الأول مثنى، والثاني مفرد، ومما يبين ذلك حكاية سيبويه عن العرب (هذا حب رماني) وإنما كان يجب أن يضيف الحب إلى نفسه، وفي البيت وجه آخر، وهو

أن يكون على قول من قال: كسيت جُبة زيدا؛ فيكون التقدير (في بجاد مزمله الكساء) ثم تحذف كما تقول: مررت برجل مكسوته جبة، ثم تكنى عن الجبة فتقول (مررت برجل مكسوته) ثم تحذف الهاء في الشعر، هذا قول بعض النحويين، وكان ابن كيسان يروى (وكأن) بزيادة الواو في هذا البيت وفيما بعده؛ ليكون الكلام مرتبطا بعضه ببعض، وهذا يسمى الخزم في العروض، وإسقاط الواو هو الوجه.

كَأَنَّ ذُرَى رَأْسِ المُجَيْمِرِ غُدْوَةًمِنَ السَّيْلِ والغُثَاءِ َفِلْكَةُ مِغْزَلِ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزِل»

روى الأصمعي (كأن طمية المجيمر غدوة) والمجيمر: أرض لبني فزارة، وطمية: جبل في بلادهم. يقول: قد امتلأ المجيمر فكأن الجبل في الماء فلكة مغزل لما جمع السيل حوله من الغثاء، ورواه الفراء (من السيل والأغثاء) جمع الغثاء، وهو قليل في الممدود، قال أبو جعفر: من رواه (الأغثاء) فقد أخطأ؛ لأن غثاء لا يجمع على أغثاء، وإنما يجمع على أغثية؛ لأن أفعلة جمع الممدود، وأفعالا جمع المقصور نحو رحا وأرحاء، والذرى: الأعالي، والواحدة ذروة، ويروى (كأن قليعة المجيمر).

وَأَلْقَى بِصَحْرَاءِ الغَبِيطِ بَعَاعَهُنُزُولَ اليَمَانِي ذِي العِيَابِ المُحَمَّلِ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزِل»

صحراء الغبيط: الحزن، وهي أرض بني يربوع، والغبيط: نجفة يرتفع طرفها ويطمئن وسطها، وهي كغبيط القتب. وقالوا: لم يرد أرض بني يربوع خاصة. أراد الغبيط من الأرض، وكل أرض منخفضة فهي غبيط، وبعاعه: ثقله، ويروى (المحمَّل) و (المحمِّل) بفتح الميم وكسرها، فمن فتح الميم جعل اليماني

جملا،

ومن كسرها جعله رجلا، وشبه السيل به لنزوله في هذا الموضع، ونزول: منصوب على تقدير نزولا مثل نزول، وروى الاصمعي (كصرع به ما أخرج المطر من ذلك النبت، ويروى (كصوع اليماني) أي كطرحه الذي معه إذا نزل بمكان، وقال بعضهم: الصوع الخطوط، يقال: صاع يصوع.

كَأَنَّ مَكَاكِيَّ الجِوَاءِ غُدَيَّةًصُبِحْنَ سُلاَفاً مِنْ رَحِيقٍ مُفَلْفَلِ

المكاكي: جمع مُكاء، وهو طائر كثير الصفير، والجواء: البطن من الأرض العظيم، وقد يكون الجواء جمعا واحده جوٌّ، وصُبحن: من الصُّبوح وهو شرب الغداة، والسُّلاف: أول ما يُعصر من الخمر، والرحيق: الخمر، وقالوا: صفوة الخمر، والمُفلفل: الذي قد ألقيت فيه توابل، وقيل: الذي يحذي اللسان، والمراد أن المكاكي لما رأت الخصب والمطر فرحت وصوتت كأنها سكارى.

كَأَنَّ السِّبَاعَ فِيهِ غَرْقَى عَشِيَّةًبِأَرْجَائِهِ القُصْوَى أَنَابِيشُ عُنْصُلِ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذِكرى حبيب ومنزل ( معلقة )»

ويروى (غدية) وغرقى: في موضع نصب على الحال، يقول: حين أصبح الناس ورأوها فكأنها تلك الأنابيش من العنصل، والأنابيش: جماعات من العنصل يجمعها الصبيان، ويقال: الأنابيش العروق، وإنما سميت أنابيش لأنها تُنبش، أي تخرج من تحت الأرض، ويقال: نبشه بالنبل؛ إذا غرزه فيه، وقال أبو عبيدة: الأنابيش والأبابيش واحد، والعُنْصُل والعُنْصَل: بصل بري يعمل منه

خل يقال له خل عنصلاني، وهو شديد الحموضة، شبه السباع الغرقى بما نُبش من العنصل لأن السيل غرقها فهي من نواحيه تبدو منها أطرافها، فشبهها بذلك، والأرجاء: النواحي، واحدها رجا، وقوله (القصوى) كان يجب أن يقول (القصا) لأنه نعت الأرجاء، إلا إنه حمله على لفظ الجمع ونظيره قول الله ﷿: (لنريكَ مِنْ آياتِنَا الكُبْرَى)، والأنابيش لا واحد لها، وقيل: واحدها أنبُوش.

النص من طبعة إدارة الطباعة المنيرية بالقاهرة (١٣٥٢هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شرح القصائد العشر»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.