من «شرح القصائد العشر» للخطيب التبريزي (ت ٥٠٢هـ)
معلقة طرفة بن العبد البكري (٢)
أي فدعني ولذاتي قبل أن يأتيني الموت، ويقال: معناه أبادر المنية بإنفاق ما ملكت يدي في لذاتي.
فَلَوْلاَ ثَلاَثٌ هُنَّ مِنْ عِيشَةِ الفَتَىوَجَدِّكَ لَمْ أَحْفِلْ مَتَى قَامَ عُوَّدِي
عيشة الفتى: ما يعيش به ويلتذ، وقد بينهن فيما بعد، وقوله: (وَجدك)، قيل: معناه وحقك، وقيل: معناه ونفسك، وقيل: معناه وأبيك، وقوله: (لم أحفل) أي لم أبال، وعوده: من يحضره عند موته في مرضه وينوح عليه.
فَمِنْهُنَّ سَبْقُ العَاذِلاَتِ بِشَرْبَةٍكُمَيْتٍ مَتَى مَا تُعْلَ بِالماءِ تُزْبِدِ
الكميت من الخمر: التي تضرب إلى السواد، وقوله: (متى ما تُعل بالماء) أي متى تمزج به (تزبد)؛ لأنها عتيقة.
وَكَرِّي إذا نَادَى المُضَافُ مُحَنَّباًكَسِيد الغَضَا نَبَّهْتَهُ المُتَوَرِّدِ
كري: عطفي، والمضاف: الذي قد أضافته الهموم، والمحنَّب: فرس أقنى الذراع، والسِّيد: الذئب، والغضا: شجر، وذئابه أخبث الذئاب، ونبهته: هيجته، والمتورد: الذي يطلب أن يرد الماء، وقوله (محنبا) منصوب بكرى، والمعنى: وكري فرسا محنبا، والكاف من قوله: (كسيد) في موضع نصب؛ لأنها من نعت المحنب.
وَتَقَصْيرُ يَوْمِ الدَّجْنِ والدَّجْنُ مُعْجِبٌبِبَهْكَنَةٍ تَحْتَ الطِّرَافِ المُعَمَّدِ
الدجن: قيل هو الندى والمطر الخفيف، وقيل: هو إلباس الغيم السماء وإن لم يكن مطر يقول: أقصره باللهو، ويوم اللهو وليلة اللهو قصيران، قال بعض الأعراب:
لكن أيَّامُنَا أَمْسَتْ طِوَالاَلَقَدْ كُنَّا نَعِيشُ بِهَا قِصَارَا
أراد طالت بالحزن وقصُرت بالسرور، وقال:
ظَلِلْنَا عِنْدَ دَارِ أبي أنِيسٍبِيَوْمٍ مِثْلِ سَالِفَةٍ الذُّبَابِ
وقال آخر:
وَيَوْمٍ كَإبْهَامِ القَطَاةِ مُزَيَّنٍإلى صِبَاه غَالِبٍ لِيَ بَاطِلُهْ
(والدجن معجب) أي يعجب من رآه، والبهكنة: التامة الخلق، ويروى (بهيكلة) والهيكلة: العظيمة الألواح والعجيزة والفخذين، ويروى (تحت الخباء المعمد) أي ذي العمد.
كَأَنَّ البُرِينَ وَالدَّمَالِيجَ عُلِّقَتْعَلَى عُشَرٍ أو خِرْوَعٍ لَمْ يُخَضَّدِ
البرين: الخلاخيل، واحدتها بُرة، والعُشر: شجر أملس مستو ضعيف العود، شبه عظامها وذراعيها به لملامسته واستوائه، وكل ناعم خروع، (لم يُخضد) لم يُثن، يقال: خضدت العود أخضده خضدا؛ إذا ثنيته لتكسره، وفي (برين) لغتان، من العرب من يجعل إعرابه في النون، ومنهم من يجعله بمنزلة مُسلمين،
والدماليج: جمع دُملُج، وكان يجب أن يقول دمالج؛ فيجوز أن يكون جمعا على غير واحده، ويجوز أن يكون أشبع الكسرة فتولدت منها ياء، ويجوز أن يكون بناه على دملوج، وهو الوجه.
فَذَْنِي أُرَوِّ هَامَتِي فِي حَيَاتِهَامَخَافَةَ شِرْبٍ فِي الحَيَاةِ مُصَرَّدِ
الشِّرب بكسر الشين، والشُّرب بضمها: اسمان للمشروب، والشَّرب بالفتح: مصدر، وقد تكون الثلاثة مصدرا، والمصرد: المُقلل والمنغص.
كَرِيمٌ يُرَوِّي نَفْسَهُ فِي حَيَاتِهِسَتَعْلَمُ أن مُتْنَا غَداً أَيُّنَا الصَّدِى
ويروى (إن متنا صدى) أي عطشا، والصدى: العطشان، ويروى (إن متنا صدى أينا الصدى) والمراد بالصدى في هذه الرواية ما كانت العرب تزعمه في الجاهلية أن الرجل إذا قتل ولم يُدرك بثأره خرج من رأسه طائر يشبه البُوم فيصيح:
(اسقوني، اسقوني) فإذا أخذ بثأره سكن، والصدى في غير هذا قالوا: بدن الميت، والصوت الذي تسمعه من ناحية الجبل ونحوه، وذكرُ البوم، ويقال: (هو صدى مال) أي الذي يقوم به، وقوله: (يروى نفسه) أراد يروى نفسه من الخمر، ثم حذف لعلم المخاطب، ومن روى (إن متنا صدى)
أراد أن متنا عطشا، ومن روى (صدى أينا الصدى) بالإضافة أراد صدى أينا العطشان.
أَرَى قَبْر نَحَّامٍ بَخِيلٍ بِمَالِهِكَقَبْرِ غَوِيٍّ فيِ البَطَالَةِ مُفْسِدِ
النَّحام: الزَّحار عند السؤال البخيل، والغوي الذي يتبع هواه ولذاته، ومعنى البيت أن من يبخل بماله عند أداء الحق، وعند السؤال، وعند لذاته، إذا مات فقد استوى هو ومن ينفق ماله ويقضي لذاته، وفضله من ينفق في حياته.
تَرَى ِجُثْوَتَيْنِ مِنْ تُرَابٍ عَلَيْهِمَاصَفَائِحُ صُمٌّ مِنْ صَفِيحٍ مُنَضَّدِ
الجثوة: التراب المجموع، يقال للرجل: (إنما هو جثوة اليوم أو غد)، ويقال لكل مجتمع (جُثوة) والجمع جُثى، وفي الحديث: (مَنْ دَعَا دُعَاء الجاهلية فإنه من جُثَى جهنم) أي من جماعات جهنم، ويروى (من جثى جهنم) وهو جمع جاث، والصُّمُّ: الصلبة، والمُنضد: الذي قد نضد بعضه على بعض.
أَرَى المَوْتَ يَعْتَامُ الكِرَامَ، وَيَصْطَفِيعَقِيلَةَ مَالِ الفَاحِشِ المُتَشَدِّدِ
يعتام: معناه يختار، يقال: اعتامه، واعتماه، إذا اختاره، وعقيلة كل شيء: خيرته وأنفسه عند أهله، ويروى (يعتام الكريم)، والكريم: الشريف
الفاضل، قال الله تعالى: (ولَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ)، أي شرفناهم وفضلناهم، ويقال للصفوح كريم لفضله، كما قال ﷿: (إنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيم)، ويقال للكثير كريم، كقوله تعالى: (لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيم) أي كثير، ويصطفي: يختار صفوته، والفاحش: القبيح السيئ الخلق، والمُتشدد: البخيل، وكذلك الشديد، قال الله تعالى: (إنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ)، قال أبو العباس: إنه من أجل حب الخير لبخيل.
أَرَى الدَّهْرَ كَنْزاً نَاقِصاً كُلَّ لَيْلَةٍوَمَا تَنْقُصِ الأيَّامُ وَالدَّهْرُ يَنْفَدِ
أراد أهل الدهر، ويروى (أرى العيش)، و (أرى العمر)، والكنز: ما استعد وحُفظ، وقوله: (ما تنقُص الأيام) أي ما تنقصه الأيام ينفد.
لَعَمْرُكَ أن المَوْتَ مَا أَخْطَأَ الفَتَىلَكَالطِّوَلِ المُرْخَى وَثِنْيَاهُ بِاليَدِ
الطول: الحبل، وثنياه: ما ثُنى منه، ويقال: طرفاه، لأنهما يُثنيان، وقوله: (ما أخطأ الفتى) أي في إخطائه الفتى، أي في أن يطول عمره بمنزلة حبل رُبطت به دابة يُطوَّل لها في الكلأ حتى ترعاه، فيقول: الإنسان قد مُدَّ له في أجله وهو آتيه لا محالة، وهو في يدي من يملك قبض روحه، كما أن صاحب الفرس الذي قد طوَّل له إذا شاء اجتذبه وثناه اليه، وموضع (ما) نصب، وهو
في تقدير المصدر.
فَمَا لِي أَرَانِي وَابْنَ عَمّيَ مَالِكاًمَتَى أَدْنُ مِنْهُ يَنْأَ عَنِّي وَيَبْعُدِ
معناه إذا أردت وده ودنوه تباعد مني، وقال (ينأ عنى ويبعُد) ومعناهما واحد، وإنما جاء بهما لأن اللفظين مختلفان، وإنما المعنى يبعد ثم يبعد بعد ذلك.
يَلُومُ وَمَا أَدْرِي عَلاَمَ يَلُومُنِيكَمَا لاَمَنِي فِي الحَيِّ قُرْطُ بْنُ أَعْبَدِ
قُرْطُ: رجل لامه على ما لا يحب أن يلام عليه، وقوله: (علام) الأصل (على ما) لأن المعنى على أي شيء يلومني، إلا أن هذه الألف تحذف في الاستفهام مع ما، إذا كان قبلها حرف خافض ليفرق بين ما إذا كانت استفهاما وبينها إذا كانت بمعنى الذي، ويكون الحرف الخافض عوضا مما حذف.
وَأَيْأَسَنِي مِنْ كُلِّ خَيْرٍ طَلَبْتُهُكَأَنَّا وَضَعْنَاهُ إلى رَمْس مُلْحَدِ
أي جعلني ذا يأس من الخير، فهو بمنزلة الموتى إذ كان لا يُرجى منه خير، والرمس: القبر، والملحد: اللحد.
عَلَى غَيْرِ ذَنْبٍ قُلْتْهُ، غَيْرَ أَنَّنِينَشَدْتُ فَلَمْ أُغْفِلْ حَمُولَةَ مَعْبَدِ
معبد: أخو طرفة، قال ابن الأعرابي: كان لطرفة ولأخيه إبل يرعيانها يوما
ويوما، فلما أغبها طرفة قال له أخوه معبد: لم لا تسرح في إبلك؟ وكأنك ترى
أنها أن أُخذت يردُّها شعرُك هذا؟ قال: فإني لا أخرج فيها أبدا حتى تعلم أن شعري سيردها أن أخذت، فتركها، وأخذها ناس من مُضر، فادَّعى جوار عمرو وقابوس ورجل من اليمن يقال له بشر بن قيس، فقال في ذلك طرفة:
أَعَمْرُو بْنَ هِنْدٍ مَا تَرَى رَأْىَ صِرْمَةٍ
وقال غيره: هذه إبل ضلت لمعبد، فسأل طرفة ابن عمه مالكا أن يعينه في طلبها، فلامه وقال: فرَّطت فيها ثم أقبلت تتعب نفسك في طلبها.
ويقال: نشدت الضالة، إذا طلبتها، وأنشدتها إذا عرَّفتها، والحمولة: الإبل التي تحمل، والحمولة: الأحمال، وقوله: (فلم أغفل) أراد نشدت حمولة معبد فلم أغفل ذلك، وأعمل الفعل الثاني، ولو أعمل الأول لقال: فلم أغفلها، ويروى (فلم أغفل حمولة معبد) أي لم أغفل عن ذلك. يقول: لامني على غير ذنب كان مني اليه، الا إنني طلبت حمولة معبد، و (غير) منصوب على الاستثناء، وهو استثناء ليس من الأول، وعلى ذلك يجوز أن تكون متعلقة بلا منى أو بأيأسنى.
وَقَرَّبْتُ بِالقُرْبَى، وَجَدِّكَ إِنَّنِيمَتَى يَكُ أَمْرٌ للِنَّكِيِثَةِ أَشْهَدِ
أي أدللت على مالك بالقرابة، والنكيثة: بلوغ الجهد، وقيل: النكيثة شدة
النفس، وقوله: (وجدِّك) أي وحظك، يخاطب مالكا ويقول: أدللت بما بيني وبينك من القرابة، ويحلف إنه متى يك أمر للنكيثة يشهد ذلك الأمر، ويعينه على حضوره، ويروى (وَجَدِّك إنه) والهاء للأمر والشأن.
وَإِنْ أُدْعَ فيِ الجُلَّي أَكُنْ مِنْ حُمَاتِهَاوَإِنْ يَأْتِكَ الاعْدَاءُ بِالجَهْدِ أَجْهَدِ
ويروى (وإن أدع للجلي) والجلي: الأمر العظيم الجليل، قال يعقوب: الجلي فعلى من الأجل كما تقول الأعظم والعظمى، وقال غيره: الجلي بضم الجيم مقصورة، فإذا فتحت جيمها مددت فقلت: الجلاء، أبو جعفر النحاس: الجلي الأمر الجليل،
وأنثه على معنى القصة والحال، ويقال: جليل وجلال، كما يقال: طويل وطوال، وقولهم جلل للعظيم والصغير، قال أصحاب الغريب المحض: هما ضدان، وقال أهل النظر: جلل للعظيم على بابه وجلل للصغير على بابه من الجل وهو الشيء الذي لا يُعبأ به، ويجوز أن يكون جلل لما جاوز في العظم والصغر، وقالوا في قول الله ﷿: (إِنَّ اللهَ لاَ يَستَحِي أن يَضْرِبَ مَثَلاَ مَا بَعُوضَةً فمَا فَوْقَهَا) أي فما فوقها في الصغر، ومعنى: (أكُنْ من حماتها) أي ممن يدفع ويقاتل، يقال: حميت الموضع؛ إذا دفعت عنه، وأحميته: جعلته ذا حمى، ووحميت أنفي محمية، إذا استنعت من الضيم.
وَإنْ يَقْذِفُوا بالقَذْعِ عِرْضَكَ أَسْقِهِمْبِكَأْسِ حِيَاضِ المَوْتِ قَبْلَ التَّهَدُّدِ
ويروى (بشرب حياض الموت قبل التنجد) القَذْع والقَذَع: اللفظ
القبيح والشتم، والصحيح في العِرْضِ إنه النَّفْسُ كما قال:
فإن أَبي وَوَالِدَهُ وَعِرْضِيلِعِرْضِ محمدٍ مِنْكُمْ وِقَاءُ
والمعنى: أن شتمك الأعداء عاقبتهم قبل أن أتهددهم، والتنجد: الاجتهاد فيمن رواه.
بِلاَ حَدَثٍ أَحْدَثْتُهُ وَكَمُحْدِثٍهِجَائِي وَقَذْفِي بِالشَّكَاةِ وَمُطْرَدِي
الباء في (بلا حدث) يجوز أن تكون متعلقة بقوله: (ينأ عني) ويجوز أن تكون متصلة بقوله يلوم وبقوله أيأسنى، والكاف في (كمحدث) في موضع رفع، المعنى: هو كمحدث هجائي: أي هو متعد عليّ، ويجوز أن يكون المعنى: وأنا كمحدث هجائي، أي قد صيرتي بمنزلة من قد فُعِل هذا به، ومن روى (مُطردي) بضم الميم فهو من أطرده إذا جعله طريدا، ومن فتح الميم فهو من طرده إذا نحاه، ويروى (كمحدَثٍ) بفتح الدال؛ فمن كسر الدال أراد الرجل الذي هجاني كرجل أحدث حدثا عظيما، ومن فتح الدال أراد هجائي كأمر محدَث عظيم، قال الأصمعي: يقال هجأ غرثه، وأهجَأَ غَرَثَهُ، إذا كسره، والهجاء: الذم، يقال: فلانة
تهجو زوجها، أي تذُمُّ صحبته، وقال في قوله (كمحدث)
بفتح الدال: أي كإحدَاثي شكايته إياي.
فَلَو كَانَ مَوْلاَيَ امْرَءاً هُوَ غَيْرُهُلَفَرَّجَ كَرْبِي أو لأَنْظَرَنِي
ويروى (فلو كان مولاي ابن اصرم مسهر) ومولاي في موضع نصب خبر كان في هذه الرواية، وفي الرواية الأولى في موضع رفع اسم كان، ويجوز أن يروى (فلو كان مولاي امرُؤُ) على أن يكون امرؤ اسم كان ومولاي الخبر، ويكون مثل قوله:
كَأَنَّ سَبِيئَةً مِنْ بَيْتِ ؤَأْسٍيَكُونُ مِزَاجَهَا عَسَلٌ وَمَاءُ
إلا إنه في بيت طرفة أحسن؛ لأنه قد وصله بقوله هو غيره، فقارب المعرفة وقوله: (لفرَّج كربي) أي أعانني على ما نزل بي من الهم (أو لأنظرني غدى) أي تأنى عليَّ فلم يعجلني.
وَلَكِنَّ مَوْلاَي امْرْؤٌ هُوَ خَانِقِيعَلَى الشُّكْرِ وَالتَّسْآلِ أو أَنَا مُفْتَدِ
معناه يسألني أن أشكره وأفتدى منه بمالي، وقال الأصمعي: أو أنا مفتد منه، ويروى (أو أنا مُعتد) أي معتد عليه.
وَظُلْمُ ذَوِي القُرْبى أَشَدُّ مَضَاضَةًعَلَى المَرْءِ مِنْ وَقْعِ الحُسَامِ المُهَنَّدِ
قيل: أن هذا البيت لعدى بن زيد العبادي، وليس من هذه القصيدة، وقوله (أشد مضاضة) أي أشد حُرقة من قولهم: مضني الشيء، وأمضني.
فَذَرْنِي وَخُلْقِي؛ إِنَّنِي لَكَ شَاكِرٌوَلَوْ حَلَّ بَيْتِي نَائِياً عِنْدَ ضَرْغَدِ
ضرغد: اسم جبل، وقيل: هو حرة بأرض غطفان.
فَلَوْ شَاَء رَبِّي كُنْتُ قَيْسَ بْنَ خَالِدٍوَلَوْ شَاَء رَبِّي كُنْتُ عَمْرو بْنَ مَرْثَدِ
قال أبو عبيدة: قيس بن خالد من بني شيبان، وعمرو بن مرثد: ابن عم طرفة، فلما بلغ هذا عمرو بن مرثد وجه إلى طرفة فقال له: أما الولد فالله يعطيكهم، وأما
المال فسنجعلك فيه أسوتنا، فدعا ولده - وكانوا سبعة - فأمر كل واجحد فدفع إلى طرفة عشرا من الإبل، ثم أمر ثلاثة من بني بنيه فدفع كل واحد منهم إلى طرفة عشرا من الإبل، وكان الثلاثة الذين دفعوا إلى طرفة يفتخرون على من لم يدفع، ويقولون: جعلنا جَدُّنا بمنزلة بنيه.
فَأُلْفِيتُ ذَا مَالٍ كَثِيرٍ، وَعَادَنِيبَنُونَ كِرَامٌ سَادَةٌ لمسَوَّدِ
ويروى (فأصبحت ذا مال) ابن كيسان يقال: عادني واعتادني، وزارني
وازدارني. وقوله (سادة لمسود) أي سادة أبناء سيد، كما يقال: شريف لشريف، أي شريف ابن شريف.
أَنَا الرَّجُلُ الضَّرْبُ الّذِي تَعْرِفُونَهُخَشَاشٌ كَرَأْسِ الحَيَّةِ المُتَوَقِّدِ
الضَّرْبُ: الخفيف، ومن روى (الجعد) أراد المجتمع الشديد والخشاش: الرجل الذي ينخش في الأمور ذكاء ومضاء، وروى الأصمعي خِشاش بكسر الخاء، وقال: كل شيء خِشاش بالكسر إلا خَشاش الطير لخسيسه. وقوله (كرأس الحية) العرب تقول لكل متحرك نشيط: رأسه كرأس الحية، وأما الحديث الذي يروى في صفة الدجال (كأن رأسه أصلة) فإن الأصلة الأفعى، والمتوقد: الذكي، يقال: توقدت النار توقدا ووقدت تقد وقدانا ووقدا وقدة.
فَآلَيْتُ لاَ يَنْفَكُّ كَشْحِي بِطَانَةْلِعَضْبٍ رَقِيقِ الشَّفْرَتَيْنِ مُهَنَّدِ
ويروى (لأبيض عضب) آليت: حلفت، ولا ينفك: لا يزال، والكشح: الجنب، ومعناه لا يزال جنبي لاصقا بالسيف، والعضب: السيف القاطع، وشفرتاه: حدَّاه، ومُهنَّد: منسوب إلى الهند.
حُسَامٍ إذا مَا قُمْتُ مُنْتَصِراً بِهِكَفَى العَوْدَ مِنْهُ البَدْءُ لَيْسَ بِمِضْدِ
الحُسام: القاطع، وقوله (كفى العود) أي كفت الضربة الأولى من أن يعود، وقولهم (رجع عوده على بدئه) أي رجع ناقضا لمجيئه، وعوده منصوب لأنه في موضع
الحال عند سيبويه، ويجوز أن يكون مفعولا، لأنه يقال: رجع
الشيء ورجعته، ويجوز (رجع عوده على بدئه) أي وهذه حاله، كما تقول: (كلمته فوه إلى فِيَّ) وإن شئت نصيته، والمعضد: الكال الذي يُعضد به الشجر، وقوله (منتصرا) معناه متابعا للضرب، ويقال: قد تناصر القوم على رؤية الهلال؛ إذا تتابعوا، ونصر الله أرض بني فلان؛ إذا جادها بالمطر، ويقال: منتصرا معناه ناصرا، وقيل: منتصرا أنتصر من ظلمي.
أَخِي ثِقَةٍ لاَ يَنْثَنِي عَنْ ضَرِيبَةٍإذا قِيلَ مَهْلاً قَالَ حَاجِزُهُ قَدِي
أخي ثقة: أي يثق بسيفه، ومعنى (لا ينثني عن ضريبة) أي لا ينبو عنها ولا يعوج، والضريبة: المضروبة، وحاجزه: حده، وقول قد أي قد فرغ.
إذا ابْتَدَرَ القَوْمُ السِّلاَحَ وَجَدْتَنِيمَنِيعاً إذا بَلَّتْ بِقَائِمِهِ يَدِي
أي إذا عجلوا إليه وتبادروا، ومنه يقال: (ناقة بدرية) إذا كانت تبكر اللقاح وتنتج قبل الإبل، وذلك من فضل قوتها وجودتها، قال الراجز:
لِسَالِمٍ أن سَكَتَ العَشِيَّهْعَنِ البُكَاءِ نَاقَةٌ بَدْرِيَّهْ
والسلاح يُذكَّر ويؤنث، ويروى (وجدتُني) بضم التاء، والمنيع: الذي لا يوصل إليه، ومعنى (بَلَّتْ) ظفرت وتمكنت، وقائم السيف: مقبضه.
وَبَرْكٍ هُجُودٍ قَدْ أَثَارَتْ مَخَافَتِينَوَادِيَهَا أَمْشِي بِعَضْبٍ مُجَرَّدِ
البرك: جماعة إبل أهل الحواء، وقال أبو عبيدة: البرك يقع على جميع
ما يبرُكُ من الجمال والنوق على الماء وبالفلاة من حر الشمس أو الشبع، الواحد بارك، والأنثى باركة، وقيل لها برك لاجتماع مباركها، وبرك البعير إذا ألقى صدره على الأرض، يقال للصدر: برك وبركة، ويقال: أن البركة مشتقة من البرك؛ لأن معناها خير مقيم وسرور يدوم، وقولهم (مُبارك) معناه الخير يأتي بنزوله، و (تبارك الله) منه، ونواديها: ما ندَّ منها، ويروى (هواديها) وهو أوائلها، والهجود:
النيام، وإنما خصَّ النوادي لأنه أراد: لا يفلت من عقري ما قرب وما شذّ، وأمشي: حال، أي قد أثارت مخافتي نوادي هذا البرك في حال مشي إليه بالسيف.
فَمَرَّتْ كَهَاةٌ ذَاتُ خَيْفٍ جُلاَلَةعَقِيلَةُ شَيْخٍ كَالْوَبِيلِ يَلَنْدَدِ
الكهاة: الضخمة المسنة، والخيف: جلد الضرع الأعلى الذي يُسمى الجراب، وناقة خيفاء: إذا كان ضرعها كبيرا، والجُلال والجليلة: العظيمة، والوبيل: العصا، وقيل: هي خشبة القصَّارين، وكل ثقيل وبيل، ومنه قوله ﷿: (فَأَخَذْنَاهُ أَخَذاً وَبِيلاً)، واليلندد: الشديد الخصومة.
يَقُولُ وَقَدْ تَرَّ الوَظِيفُ وَسَاقُهَا:أَلَسْتَ تَرَى أن قَدْ أَتَيْتَ بِمُؤَْيِدِ؟
تر الوظيف: انقطع، وأتررته: قطعته، والوظيف: عظم الساق والذراع، والمؤيد: الداهية، ويروى (بُمويد) أي جئت بأمر شديد يُشدد فيه من عقرك هذه الناقة.
وَقَالَ: أَلاَ مَاذَا تَرَوْنَ بِشَارِبٍشَدِيدٍ عَلَيْنَا بَغْيُهُ مُتَعَمِّدِ؟
ويروى (سخطه متعيد) والمتعيد: الظلوم، قال الشاعر:
يَرَى المُتَعَيِّدُونَ عَلَىَّ دُونِيأُسُودَ خَفِيَّةَ الغُلْبَ الرِّقَابَا
وموضع (ماذا) نصب بترون، ويجوز أن يجعل (ما) في موضع رفع، ويكون التقدير: ما الذي ترونه بشارب.
فَقَالَ: ذَرُوهُ إنما نَفْعُهَا لَهُوَإِلاَّ تَرُدُّوا قَاصِيَ البَرْكِ يَزْدَدِ
وروى أبو الحسن (فقالوا ذروه) وهو الصواب؛ لأن المعنى: وقال الشيخ يشكو طرفة إلى الناس، فقالوا - يعني الناس - ومن روى (فقال) فروايته بعيدة؛ لأنه يحتاج إلى تقدير فاعل، والهاء في قوله (ذَرُوهُ) تعود على طرفة، وكذلك في قوله (نفعُها لهُ) وقال أبو الحسن: الهاء في قوله (ذرُوهُ) تعود على طرفة، وفي قوله نفعها له على الشيخ، و (قاصي البرك) ما تباعد منه، والمعنى أنكم أن لم تردوه يزدد في عقره، ويروى (تزدد) - بالتاء - أي تزدد نفارا، أي ذروه لا تلتفتوا
إليه، واطلبوا قاصي البرك لا يذهب على وجهه.
فَظَلَّ الإمَاءُ يَمْتَلِلْنَ حُوَارَهَاوَيُسْعَى عَلَيْنَا بِالسَّدِيفِ المُسَرْهَدِ
الإماء: الخدم، الواحدة أمه، وقد تجمع على إموان، والجمع السلم أموات، وحكى
الكوفيون أميات، و (يمتللن) أي يشتوين في الملة، وهي الرماد والتراب الحار، وقولهم (أطعمنا ملة) خطأ)؛ لأن الملة الرماد، ويحتمل أن يكون المراد أطعمنا خبز ملة، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، كقوله ﷿: (واسْأَلِ القَرْيَةَ) والحوار: ولد الناقة، والسديف: شطائب السنام، الواحدة شطيبة، وهو ما قطع منه طولا، والمسرهد: الناعم الحسن الغذاء.
فإن مِتُّ فَانْعَيْنِي بِمَا أَنَا أَهْلُهُوَشُقِّي عَلَىَّ الجَيْبَ يَا ابْنَةَ مَعْبَدِ
انعيني: أي اذكري من أفعالي ما أنا أهله، يقال: فلان ينعى على فلان ذنوبه، إذا كان يعددها عليه ويأخذه بها، المعنى: فإن مت من قصدي هذا، يخاطب ابنة أخيه.
وَلاَ تَجْعَلِينِي كَامْرِئٍ لَيْسَ هَمّهُكَهَمِّي، وَلاَ يُغْنِي غَنَائِي وَمَشْهَدِي
أي لا يغني غناء مثل غنائي، أي لا يغني في الحرب غنائي ومشهدي في المجالس والخصومات.
بَطِيءٍ عَنِ الجُلَّي، سَرِيعٍ إلى الخَنَاذَلِيلٍ بإجْمَاعِ الرِّجَالِ مُلَهَّدِ
ويروى (ذلول) والجلي: الأمر العظيم الذي يُدعى له ذوو الرأي، والخنا: الفساد في المنطق، والذليل: المقهور، وهو ضد العزيز، يقال: ذلَّ يذلُّ ذُلا فهو ذليل وذالّ، والذَّلُول: ضد الصعب، وإجماع: جمع جُمع، وهو ظهر الكف إذا جمعت أصابعك وضممتها، والملهد: المضروب وهو المدفَّع.
فَلَوْ كْنْتُ وَغْلاً فيِ الرِّجَالِ لَضَرَّنِيعَدَاوَةُ ذِي الأصحاب وَالمُتَوَحِّدِ
الوغل: الضعيف الخامل الذي لا ذكر له والمتوحد: المنفرد.
وَلَكِنْ نَفَى عَنِّي الأعَادِيَ جُرْأَتِيلَمَيْهِمْ وَإِقْدَامِي وَصِدْقِي وَمَحْتِدِي
ويروى (ولكن نفى عني الرجال جراءتي) ويروى (ولكن نفى الأعداء عني جرأتي) والمحتد: الأصل يقول: محتدى وصدقي وجرأتي نفين عني إقدام الرجال وتسرع الأعداء إلى أن يقدموا عليَّ بالمساءة.
لَعَمْرُكَ مَا أَمْرِي عَلَىَّ بِغُمَّةٍنَهَارِي، وَلاَ لَيْلِي عَلَىَّ بِسَرْمَدِ
الغمة: الأمر الذي لا يُهتدى له، والمعنى: إني لا أتحير في أمري نهارا، ولا أؤخره ليلا فيطول على الليل؛ لأن السرمد الطويل.
وَيَوْمًٍ حَبَسْتُ النَّفْسَ عِنْدَ عِرَاكِهِحِفَاظاً عَلَى عَوْرَاتِهِ وَالتَّهَدُّدِ
ويروى (ويوم حبست حبست النفس عند عراكها) ويروى (حفاظا على روعاته) أصل العراك الازدحام، أي صبرت النفس عند ازدحام القوم في الحرب والخصومات على روعات اليوم، وهن فزعاته، ومن روى (على عوراته) فمعناه على مخافة العدو، قال الله ﷿: (يَقُولُونَ أن بُيُرتَنَا عَوْرَة، ومَا هِيَ
بِعَوْرَةٍ) أي إنها حذاء العدو، والعورة: موضع المخافة، ومن روى (عند عراكه) أي عراك اليوم وهو علاجه، ومن روى (عند عراكها) أراد الحرب.
عَلَى مَوْطِن يَخْشَى الفَتَى عِنْدَهُ الرَّدَىمَتَى تَعْتَرِكْ فِيهِ الفَرَائِصُ تُرْعَدِ
الموطن هنا: مستقر الحرب، والردى: الهلاك، والفرائص: جمع فريصة، وهي المضغة التي تحت الثدي مما يلي الجنب عند مرجع الكتف، وهو أول ما يُرعد من الإنسان ومن كل دابة إذا فزع، و (على) تتعلق بقوله (حبست) في البيت الذي قبله.
وروى أبو عمرو الشيباني - ولم يروه الأصمعي، ولا ابن الأعرابي - بيتا، وهو:
وَأَصْفَرَ مَضْبُوحٍ نَظرْتُ حِوَارَهُعَلَى النَّارِ وَاسْتَوْدَعْتُهُ كَفَّ مُجْمِدِ
عنى بالأصفر قدحا، وإنما جعله أصفر لأنه من نبع أو سدر، والأصفر هنا الأسود، والمضبوح: الذي قد غيرته النار، والحوار: المرد، يقال: ما أدري ما
حوار هذا الكلام، والحوار: مصدر حاورته، و (على النار) أي عند النار، وذلك في شدة البرد، كانوا يوقدون النيران، وينحرون الجزور، ويضربون عليها القداح، وأكثر ما يفعلون ذلك بالعشي عند مجيء الضيفان، وقوله (نظرتُ حواره) أي انتظرت فوزه (واستودعته كف مجمد) المجمد هنا: الذي يضرب بالسهام، والمجمد: الذي يأخذ بكلتا يديه ولا يخرج من يديه شيء، ويقال (أجمد الرجل)
إذا لم يكن عنده خير.
سَتُبْدِي لَكَ الأيَّامُ مَا كُنْتَ جَاهِلاًوَيَأْتِيكَ بِالأَخْبَارِ مَنْ لَمْ تزَوِّدِ
أي ستظهر لك الأيام ما لم تكن تعلمه، ويأتيك بالخبر من لم تسأله عن ذلك ولم تزود.
وروى جرير:
وَيَأْتِيكَ بِالأنْبَاء مَنْ لَمْ تَبِعْ لَهُبَتَاتاً، وَلَمْ تَضْرِبْ لَهُ وَقْتَ مَوْعِدِ
تبع له بتاتاً: أي تشتر له زاداً.
وأنشدوا بيتين، وقيل: إنهما لعذي بن زيد:
لَعَمْرُكَ مَا الأيَّامُ إِلاَّ مُعَارَةٌفَمَا اسْطَعْتَ مِنْ مَعْرُوفِهَا فتَزَوَّدِ
عَنِ المَرْءِ لاَ تَسْأَلْ وَأَبْصِرْ قَرِينَهُفإن القَرِينَ بِالمُقَارِنِ يَقْتَدِي
النص من طبعة إدارة الطباعة المنيرية بالقاهرة (١٣٥٢هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع