من «ما لم ينشر من الأمالي الشجرية» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)
تفسير قوله
كفى بجسمي نحولاً أنَّني رجلٌلولا مخاطبتي إيّاكَ لم ترني
يتوجه في هذا البيت سؤال عن الفرق في الإعراب بين: كفى بجسمي نحولاً (وكفى باللِه وكيلاً). وسؤال ثانٍ وهو أن أنَّ المفتوحة تكون مع خبرها في تأويل مصدر كقولك: بلغني أنك ذاهب أي بلغني ذهابك، فبأي مصدر تتقدر في هذا البت. وسؤال ثالث وهو أن يقال أن الجملة التي هي: لولا مخاطبتي إياك لم ترني، وصف لرجل ورجل اسم غيبة فكيف عاد إليه منها ضمير متكلم، وكان القياس أن يقال: لولا مخاطبته إياك لم تره؟ الجواب: إن كفى مما غلب عليه زيادة الباء تارة مع فاعله وتارة مع مفعوله، ودخولها على مفعوله قليل، فزيادتها مع الفاعل مثل: كفى بالله، المعنى: كفى الله، ويدلك على أنها مزيدة في (بالله) قول سحيم: كفى بالشيب والإسلام للمرءِ ناهياً وأما زيادتها مع المفعول فمنه ما أوردته من قول الأنصاري:
فكفى بنا فضلا على من غيرناحبّ النبي محمدٍ إيّانا
ومنه:
كفى بك داءً أن ترى الموتَ شافياً
التقدير: كفاك داء رؤيتك الموت، ومنه: كفى بجسمي نحولاً أنني رجل لأن فاعل كفى أن وما اتصل بها، وأسبك لك من ذلك فاعلاً بما دل عليه الكلام من النفي بلم وامتناع الشيء لوجود غيره بلولا فالتقدير: كفى بجسمي نحولاً انتفاء رؤيتي لولا وجود مخاطبتي. وانتصاب (نحولا) على التفسير والتفسير في هذا النحو للفاعل دون المفعول، فوكيلا تفسير لاسم الله تعالى، ونحولاً تفسير لانتفاء الرؤية، كما كان (فضلا) في بيت الأنصاري تفسيراً لحب النبي إياهم. فقد بان لك الفرق في الإعراب بين: كفى بجسمي نحولاً و"كفى بالله وكيلاً" من حيث كان (بالله) فاعلاً وبجسمي مفعولاً. وإنما زيدت الباء في نحو: كفى بالله، حملا على معناه إذ كان بمعنى: اكتف بالله، ونظيره قولهم: حسبك بزيد، زادوا الباء في خبر حسبك لما دخله معنى اكتف. وأما رجل من قوله: أنني رجل، فخبر موطئ وإنما الخبر في الحقيقة هو الجملة التي وصف بها رجل والخبر الموطئ هو الذي لا يفيد بانفراده مما بعده كالحال الموطئة في نحو: (إنَّا أنزلناهُ قرآناً عربياً)، ألا ترى أنك لو اقتصرت على رجل هنا لم تحصل به فائدة، وإنما الفائدة مقرونة بصفته فالخبر الموطئ كالزيادة في الكلام، فلذلك عاد الضميران اللذان هما الياءان في مخاطبتي ولم ترني إلى الياء في أنني ولم يعودا على رجل لأن الجملة في الحقيقة خبر عن الياء في أنني وإن كانت بحكم
اللفظ صفة لرجل، ولو قلت إن (رجل) لما كان هو الياء التي في أنني من حيث وقع خبراً عنها عاد الضميران إليه على المعنى كان قولاً، ونظيره عود الياء إلى الذي في قول علي ﵇:
أنا الذي سمتنِ أمّي حيدره
لما كان الذي هو أنا في المعنى، وليس هذا مما يحمل على الضرورة، لأنه قد جاء مثله في القرآن نحو: (بلْ أنتمْ قومٌ تجهلونَ)، فتجهلون فعل خطاب وصف به اسم غيبة كما ترى، ولم يأت بالياء وفاقاً لقوم، ولكنه جاء وفق المبتدأ الذي هو أنتم في الخطاب، ولو قيل: بل أنتم قو لم يحصل بهذا الخبر فائدة، ومما جاء من ذلك في الشعر لغير ضرورة قوله:
أأكرمَ من ليلى عليّ فتبتغيبه الجاه أم كنت امرأ لا أطيعها
أعاد من أطيعها ضمير المتكلم، ولم يعد ضمير غائب وفاقاً لامرئ، فهذا دليل إلى دليل التنزيل فاعرف هذا وقس عليه نظائره.
ومما أهمل مفسرو شعر أبي الطيب تعريبه قوله:
بئس الليالي سهدت من طربيشوقاً إلى من يبيت يرقدها
يتوجه في هذا البيت السؤال عن المقصود فيه بالذم، وما موضع (من طربي) من الإعراب؟ وما الذي نصب شوقاً؟ وكم وجهاً في نصبه؟ وبم يتعلق إلى؟ وكم حذفاً في البيت؟.
فأما المقصود بالذم فمحذوف وهو نكرة موصوفة بسهدت والعائد إليه من صفته محذوف أيضاً فالتقدير: ليال سهدت فيها، ونظير هذا الحذف في التنزيل في قوله: (ومنْ آياتهِ يريكمْ البرقَ)، التقدير: آية يريكم فيها البرق. وجاء في الشعر حذف النكرة المجرورة الموصوفة بالجملة في قول الراجز:
مالك عندي غير سهمٍ وحجروغير كبداءَ شديدةِ الوتر
جادت بكفَّي كان من أرمى البشر
أراد: بكفي رجل فحذف رجلاً وهو ينويه.
وقوله: من طربي، مفعول له ومن بمعنى اللام كما تقول: جئت لأجلك ومن أجلك لمخافته شره ومن مخافة شره، (ولا تقتلواْ أولادكمْ مِّنْ إملاقٍ) أي لإملاق.
وشوقاً يحتمل أيكون مفعولاً من اجله عمل فيه (طربي) فيكون الشوق علة للطرب والطرب علة للسهاد، ولا يعمل سهدت في (شوقاً) لأنه تعدى إلى علة فلا يتعدى إلى أخرى، إلا بعاطف كقولك: أقمت سهداً وخوفاً، وسهدت طرباً وشوقاً. ويحتمل (شوقاً) أن ينتصب انتصاب المصدر كأنه قال: شقت شوقاً أو شاقني التذكر شوقاً، وشقت ما لم يسم فاعله، كقول المملوك: قد بعت، أي باعني مالكي، وكقول الأمة وقد سئلت عن المطر: غثنا ما شئنا، والأصل: غاثنا الله.
فأما إلى فالوجه أن تعلقها بالشوق لأنه أقرب المذكورين إليها، وإن شئت علقتها بالطرب، وذلك إذا نصبت شوقاً بطربي، فإن نصبته على المصدر امتنع تعليق إلى بطربي لأنك حينئذ تفصل ب (شوقاً) وهو أجنبي بين الطرب وصلته، وكان الوجه في يرقدها: يرقد فيها كما تقول: يوم السبت خرجت فيه، ولا تقول: خرجته إلا على سبيل التوسع في الظرف، تجعله مفعولاً به على السعة، كقوله:
ويوماً شهدناه سليماً وعامراً
وكقول الآخر:
في ساعةٍ يحبها الطعام
المعنى: يحب فيها، وشهدنا فيه.
وفي البيت أربعة حذوف، الأول حذف المقصود بالذم وهو ليال، والثاني حذف (في) من سهدت فيها فصار سهدتها، والثالث حذف والضمير من سهدتها، والرابع حذف (في) من يرقدها.
وقد روي سهرتها طرباً وسهرت من طرب، وقد فرق بعض اللغويين بين السهاد والسهر فزعم أن السهاد للعاشق واللديغ، والسهر في كل شيء وأنشد قول النابغة: يسهد في ليلِ التمام سليمها وقول الأعشى:
وبتّ كما بات السليم مسهَّدا
والطرب خفة تصيب الإنسان لشدة سرور أو حزن، قال ابن قتيبة: يذهب الناس إلى أن الطرب في الفرح دون الجزع وليس كذلك، إنما الطرب خفة تصيب الرجل لشدة السرور أو لشدة الجزع، أنشد:
وأراني طرباً في إثرهمطربَ الواله أو كالمختبل
ومثله قول الآخر:
وقلن بكيت فقلت كلاًوهل يبكي من الطربِ الجليد
وقوله:
أمط عنك تشبيهي بما وكأنّهأحدٌ فوقي ولا أحد مثلي
يتوجه فيه سؤال عن (ما) من قوله: تشبيهي بما، وليست ما من أدوات التشبيه، وقد قيل في ذلك أقوال: أحدها: ما حكاه أبو الفتح عن المتنبي أنه كان إذا سئل عن ذلك أجاب بأن (ما) سبب للتشبيه لأن القائل إذا قال: ما الذي يشبه هذا؟ قال المجيب: كأنه الأسد أو كأنه الأرقم أو نحو ذلك، فأتى المتنبي بحرف التشبيه الذي هو كأن وبلفظ الحرف الذي كان سؤالاً عن التشبيه فأجيب عنه بكأن فذكر السبب والمسبب جميعاً. قال أبو الفتح: وقد فعل أهل اللغة مثل هذا فقالوا: الألف والهمزة في حمراء علامة التأنيث وإنما العلامة في الحقيقة الهمزة وحدها ولكنها لما صاحبت الألف وكان انقلابها لسكون الألف قبلها قيل هما جميعاً لتأنيث.
والثاني: ما حكاه القاضي أبو الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني صاحب الوساطة بين المختصمين في شعر المتنبي عن المتنبي أيضاً قال: سئل عن معنى قوله: بما وكأنه، فقال: أردت لا تقل
ما هو إلا كذا وكأنه كذا لأنه ليس فوقي أحد ولا مثلي فيشبهني به. وقال الراوي مقوياً لهذا الوجه: إذا قلت: ما هو إلا الأسد وإلا كالأسد، فقد أتيت بما لتحقيق التشبيه كما قال لبيد:
وما المرء إلا كالشهاب وضوئه
فليس ينكر أن ينسب التشبيه إلى (ما) إذا كان لها هذا الأثر.
والثالث: ما رواه الربعي عن المتنبي أيضاً قال: سئل عن قوله: بما وكأمه، فقال: أردت ما أشبه فلاناً بفلان وكأنه فلان. فهذه ثلاثة أقوال مختلفة كما ترى ولا يمتنع أن يجيب المسؤول بأجوبة مختلفة في أوقات متغايرة.
والرابع: قول أبي علي بن فورجة قال: هذه (ما) التي تصحب كأن إذا قلت: كأنما زيد الأسد. وإليه ذهب أبو زكريا قال: أراد أمط عنك تشبيهي بأن تقول: كأنه الأسد وكأنما هو الليث. وهذا القول أردأ الأقوال وأبعدها من الصواب لأن المتنبي قد فصل (ما) من (كأن)، قدمها عليه واتى في مكانها بالهاء، فاتصال (ما) بكأنه غير ممكن لفظاً ولا تقديراً، وهي مع ذلك لا تفيد معنى إذا اتصلت بكأن، فكيف إذا
انفصلت منه وقدمت عليه؟ وهي في الأقوال الثلاثة المحكية عن المتنبي منفصلة، قائمة بنفسها، تفيد معنى. فهي فيما رواه أبو الفتح استفهامية، وفيما رواه علي بن عبد العزيز الجرجاني نافية، وفيما رواه الربعي تعجبية، والكافة إنما تدخل لتكف عن العمل، لا لمعنى تحدثه، فهي بمنزلة ما الزائدة. ثم أن هذين اللفظين اللذين قد مثل بهما أبو زكريا فقال: كأنه الأسد وكأنما هو الليث، قد أتى فيهما بأداة التشبيه التي هي كأن وحدها لأن معنى كأنه وكأنما هو واحد فلا فرق بينه وبين أن تقول: أمط عنك تشبيهي بكأن وكأن فهو فاسد من كل وحجه.
يقال: ماط الله عنك الأذى أماطه أي أزاله وماط الشيء زال، ومطته عنك، وأمطه نحه وأزله، ومط عني تنح وزل، استعملوا ماط لازماً ومتعدياً. وقوله: تشبيهي أراد تشبيهك إياي فحذف الفاعل وهو الكاف وأضاف المصدر إلى المفعول فصار المنفصل متصلاً والمصدر كثيراً ما يحذف فاعله. أنشد بعض أهل الأدب لأخي الحارث بن حلزة:
ربما قرت عيونٌ بشجىمرمضٍ قد سخنت منه عيون
وقال: من هذا البيت أخذ المتنبي قوله:
مصائب قومٍ عند قومٍ فوائد
قلت: إن كان الجاهلي أبا عذرة هذا المعنى فلقد أحسن أبو الطيب أخذه حيث أتى به في نصف بيت.
قوله:
إلام طماعية العاذلولا رأي في الحب للعاقلِ
ظاهره أن معنى عجزه غير متعلق بمعنى صدره، وأين قوله في الظاهر: ولا في الحب للعاقل، من قوله: إلام طماعية العاذل. ويحتمل تعلقه به وجوها: أحدها أن يريد: إلام يطمع عاذلي في إصغائي إلى قوله، والعاقل إذا أحب لم يبق له مع الحب رأي يصغى به إلى قول ناصح فعذله غير مجد نفعاً. والثاني أن العاقل لا يرتئي في الحب فيقع فيه اختياراً وإنما يقع اضطراراً فلا معنى لعذله. والثالث أن العاقل ليس من رأيه أن يورط نفسه في الحب وغنما ذلك من فعل الجاهل، وعذل الجاهل أضيع من سراج في الشمس، فكيف يطمع في نزوعه.
ومن مشكل أبياته قوله:
ولا تجزني بضنى بي بعدها بقرٌتجزي دموعي مسكوباً بمسكوب
كنى بالبقر عن النساء على مذهب العرب في تشبيههم النساء بالبقر الوحشية، يريدون بذلك شدة سواد عيونهن، قال عبد الرحمن بن حسان:
صفراء من بقر الجواء كأنَّماترك الحياء بها رداع سقيم
الرداع وجع الجسم أجمع، ويروى: أثر الحياء. وقوله: لا تجزني، دعاء بلفظ النهي، فحكمه في الجزم حكم النهي، كما قال:
فلا تشلل يدٌ فتكت بعمروٍفإنّك لن تذل ولن تضاما
وكذلك استعمال الدعاء بلفظ الأمر كقولك: لقطع الله يده. والضنى الداء المخامر الذي إذا ظن صاحبه أنه قد برأ نكس. وقوله: بعدها، أراد بعد فراقها فحذف المضاف. وقوله: بي، صفة لضنى، فالباء متعلقة بمحذوف تقديره: كائن أو واقع. ويحتمل الناصب للظرف الذي هو (بعدها) وجهين: إن شئت أعملت فيه المصدر الذي هو ضنى، وإن شئت أعملت فيه الباء التي في (بي) لأن الظرف وحرف الخفض إذا تعلقا بمحذوف عملا في الظرف وفي الحال كقولك: زيد في الدار اليوم، وهو عند جعفر غداً، والهاء في (بعدها) عائدة على (بقر) وإن كانت بقر متأخرة، وجاز ذلك لأنها فاعل والفاعل رتبته التقدم فإذا أخرته
جاز تقديم الضمير العائد عليه لأن النية به التقديم، مثله: (فأوجسَ في نفسهِ خيفةً موسى)، وفي الكلام حذف وذلك أنه أراد: لا تجزني بضنى بي ضنى بها أي ضنى يقع بها، فحذف ذلك للعلم به. ومسكوباً لا يجوز أن ينتصب على الحال من دموعي لأن الواحد المذكر لا يكون حالاً من جماعة، لا تقول: طلعت الخيل مترادفاً، ولكن مترادفة. ولو قلت: مترادفات، كان أحسن كما جاء في التنزيل: (أو لم يروا إلى الطير فوقهم صافات). ولو قال: تجزي دموعي مسكوبة، كان حالاً، وإذا بطل انتصاب (مسكوباً) على الحال نصبته على البدل من الدموع، كأنه قال: تجزي دموعي مسكوباً منها بمسكوب من دموعها، فحذف الجارين والمجرورين. وإنما احتيج إلى تقدير (منها) لأن بدل البعض وبدل الاشتمال لا بد أن يتصل بهما ضمير يعود على المبدل منه كقولك: ضربت زيداً رأسه، وأعجبني زيد علمه. ومن بدل الاشتمال المحذوف منه الضمير قو الأعشى:
لقد كان في حولٍ ثواء ثويتهتقضي لبانات ويسأم سائم
أراد: ثويته فيه. ومعنى البيت أنه بكى عند الفرقة وبكين فجزين دمعه بدمع، فدعا لهن أن لا يجزينه بضناه ضنى، كما جزينه بالدمع دمعاً.
النص من طبعة مؤسسة الرسالة ببيروت (١٤٠٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع