من «نصرة الثائر على المثل السائر» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
أمثلة على الألغاز الحسان ومناقشة الفرق بين اللغز والتعريض
قال: ومما سمعته من الألغاز الحسان التي تجري في المحاورات، ما يحكى عن عمر بن هبيرة وشريك النميري. وذلك أن عمر كان سائرا على برذون له، وإلى جانبه شريك النميري، فتقدمه شريك في المسير فصاح به عمر: اغضض من لجامها. فقال: أصلح الله الأمير، إنها مكتوبة. فتبسم عمر ثم قال له: ويحك لم أرد هذا. فقال له شريك: ولا أنا أردته.
وكان عمر أراد قول جرير:
فغضّ الطرف إنّك من نميرٍفلا كعبا بلغت ولا كلابا
فأجابه شريك بقول الآخر:
لا تأمننّ فزاريا خلوت بهعلى قلوصك واكتبها بأسيار
الفرق بين اللغز والتعريض
أقول: ليس هذا وأمثاله من الإلغاز في شيء، لأن اللغز هو أن تذكر شيئاً بصفات يشاركه فيها غيره، فيرجع الذهن في ذلك إلى حيرة لا يدري مصرفها إلى أي متصف منهما بتلك الصفات، لكونها تصدق من جهة وتكذب من أخرى. واشتقاقه من اللغيزي، وهي حفر يحفرها اليربوع تحت الأرض، ويجعلها متشعبة يمنة ويسرة ليخفي أمره على من يقصده، فإذا طلبه في واحد منها خرج من آخر.
ألا ترى أن السامع إذا سمع قول القائل:
جاريةٌ جاءت من الهنديحثّها السير إلى القصد
لها بناتٌ لسن من جنسهافي حدّهم جزن عن الحد
لهم قرونٌ ولها حافرٌوذاك من أغرب ما أُبدي
وأعجب الأشياء أولادهايكلّمون الناس في المهد
أخذ يقول في نفسه: في البيت الأول، جارية جاءت من الهند يحثها السير، ما في ذا شيء، فإذا سمع الثاني: لها بنات لسن من جنسها، رجع في الحيرة وفكر وقال: كيف يكن من غير جنس أمهن. فإذا سمع الثالث: لهم قرون ولها حافر، زاد في حيرته وقال: لسن هؤلاء ولا أمهن من الأناسي. فإذا سمع الرابع: يكلمون الناس في المهد، تأكدت حيرته، ثم رجع إلى أنهن من الأناسي لإثبات المهد والكلام، وأخذ يعمل فكرته في موجود متصف بهذه الصفات. فإذا أعيى مال إلى الألفاظ المشتركة، ونزله بقوة فكرته وإصابة حدسه على أن ذلك لا يصدق إلا على الدست الذي للقاصد وريشه وما أحلى ما استعمل هذا الشاعر، السير والحافر والتكليم، وهكذا يكون اللغز.
وحكاية ثعلب ﵀ مشهورة مع الأعرابي الذي وقف عليه وأنشده ملغزا بيتا بعد بيت وثعلب يقول: هذا كذا، ثم ينتقل في الثاني إلى غير التفسير الأول، حتى إذا فرغ الأعرابي من إنشاده قال ثعلب: هذا قلم.
وإذا ثبت هذا في اللغز، فليس الذي ساقه ابن الأثير من الألغاز، وإنما ذلك من باب التعريض والإشارة، كأن المتكلم بمثل هذا يعرض للمخاطب بما قيل ويشير له إلى واقعة وقعت. وما رأيت من عد مثل هذا لغزا غير ابن الأثير رحمه الله تعالى على أنه قال في المثل في الكناية والتعريض: إنما سمي التعريض بهذا لأن المعنى فيه يفهم من عرض اللفظ، أي: من جانبه، وعرض كل شيء جانبه.
أقول: وكذا واقعة عمر وشريك، كل منهما فهم مقصود صاحبه من عرض كلامه. فإن غض جانب من قول الشاعر:
فغض الطرفالبيت
وكذا الكتب جانب من قوله: واكتبها بأسيار. فتعين أن التعريض غير اللغز. وهذا شريك صاحب أجوبة حادة. يقال: إن أهل الكوفة كانوا إذا تمنى منهم أحد شيئاً يقول: أتمنى أن يكون لي فقه أبي حنيفة، وحفظ سفيان وورع مسعر بن كدام وجواب شريك.
ومثل حكاية عمر وشريك، ما ذكره صاحب الأغاني. قال: عرض معاوية على عبد الرحمن بن الحكم خيله، فمر به فرس فقال: كيف تراه؟ قال: هذا سابح. ثم عرض عليه آخر. فقال: وهذا ذو علالة. ثم مر به آخر فقال: وهذا أجش هزيم. فقال له معاوية: أبي تعرض؟! قد علمت ما أردت، إنما عرضت بقول النجاشي:
ونجّى ابن حربٍ سابحٌ ذو علالةٍأجشّ هزيمٌ والرّماح دوان
اخرج فلست تساكنني في بلد.
فانظر إلى كلام معاوية ﵁ كيف صرح بلفظة التعريض في الموضعين.
وقد ساق علماء الأدب من هذا الباب جملة في كتبهم. وأما أبو عبد الله محمد بن السيد البطليوسي فقد ساق واقعة شريك وعمر بن هبيرة هذه في شرح أدب الكاتب، ثم قال بعد الفراغ منها: عرض له ابن هبيرة بقول جرير، وعرض له شريك بقول سالم بن دارة. وساق أمثال هذه الواقعة، وفي الكل يقول: عرض. وهذا صريح من مثل هذا الرجل وهو إمام فيما يقوله وقوله حجة.
وما أحسن قول من قال وما ألطفه:
إسقني خمرةً كرقّة دينيأو كعقلي ولا أقول كحالي
خيفةً من توهّم النّاس أنيقلت هذا في معرضٍ للسّؤال
ومن التعريض قول السراج الوراق يعرض بطلب صابون:
بعثت لك الكتاب وقلّ سعييعلى رأسي لبابك بالكتاب
وعذري عنك في التأخير أنّيتبددت الدّواة على ثيابي
ونقلت من خط السراج الوراق ﵀ ما صورته: كان أبو الحسين النحوي يجلس عند شرابي، فجاء يوماً فوجد في موضعه قمقم ما ورد. فقال له الشرابي: يا سيدنا نشيل القمقم وتجلس. فقال له: كيف وقد أمرتني بالقيام مرتين بقولك: قمقم؟! واتفق أن أهدى إلي شخص قمقما فأنشدته:
إن كان ذلك قال: قم قم طاردالجليسه بإشارةٍ في القمقم
فأنا الذي قعد الزمان بحظهفأتى بذاك له ونادى: قم قم
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع