من «نصرة الثائر على المثل السائر» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
الاقتصاد في اللفظ
قال: قال بشار بن برد:
من راقب الناس لم يظفر بحاجتهوفاز بالطّيّبات الفاتك اللهج
أخذه سلم الخاسر وكان تلميذه فقال:
من راقب الناس مات غمّاوفاز باللّذة الجسور
فبين البيتين لفظتان في التأليف..
أقول: ما أنصف سلم الخاسر، وما يقال في هذا: بينهما لفظتان في التأليف إذ اللفظة تصدق على الحرفين، مثل: من وعن وما ... وغير ذلك. بل على الحرف الواحد كباء الجر ولامه، والأحسن في هذا أن يقال: بينهما تسعة أحرف. فإن الأول أربعة وأربعون حرفا، والثاني خمسة وثلاثون حرفا وكذا قول أبي العتاهية:
وإني لمعذورٌ على فرط حبّهالأنّ لها وجها يدلّ على عذري
أخذه أبو تمام فقال:
له وجهٌ إذا أبصرته ناجاك عن عذري
الأول أربعة وأربعون حرفا، والثاني ستة وعشرون حرفا، فبينهما ثمانية عشر حرفا. وسلم الخاسر ممن له القدرة على الاختصار. ألا ترى قوله:
أقبلن في رأد الضّحىيسترن وجه الشّمس بالشّمس
وقول الآخر:
وإذا الغزالة في السّماء تعرّضتوبدا النّهار لوقته يترحّل
أبدت لعين الشّمس عينا مثلهاتلقى السّماء بمثل ما تستقبل
وكذا قوله أيضاً:
سقتني بعينيها الهوى وسقيتهافدبّ دبيب الخمر في كلّ مفصل
وقول عبيد الله من شعراء الحماسة:
شققت القلب ثمّ ذررت فيههواك فليم والتأم الفطور
تغلغل حيث لم يبلغ شرابٌولا حزنٌ ولم يبلغ سرور
قال: وعلى هذا ورد قول ابن الرومي:
كأني أستدني بك ابن حنيّةٍإذا النّزع أدناه من الصّدر أبعدا
أخذه بعض شعراء الشام وهو ابن قسيم الحموي، فقال
فهو كالسّهم كلّما زدته منك دنوّا بالنّزع زادك بعدا
أقول: وأخذه أيضاً الأرجاني فقال:
فلا تنكروا حقّ المشوق فإننالنا وعليكم أنجم اللّيل تشهد
أرانا سهاما في الهوى ونراكمحنايا فما تدنون إلاّ لتبعدوا
وكرره فقال:
قد قوّس القدّ توديعا وقرّبنيسهما فأبعدني من حيث أدناني
وكرره أيضاً فقال:
كالسّهم راميه يقرّبهولأجل بعدٍ ذلك القرب
وقال:
ما ضمّني يوم الرّحيل هوىًبل كان يدنيني ليبعدني
وقال:
والإلف قد عانقني للنّوىفالتفّ خدّاي وخدّاه
كأنه رام إلى غايةٍتناول السّهم بيمناه
حتى إذا أدناه من صدرهأبعده ساعة أدناه
وأخذه كشاجم قبل الأرجاني فقال:
أرى وصالك لا يصفو لآملهوالهجر يتبعه ركضا على الأثر
كالقوس أقرب سهميها إلى عطفتعليه، أبعدها من منزع الوتر
وكرر ابن الرومي هذا المعنى في موضع آخر فقال:
رأيتك بينا أنت جارٌ وصاحبٌإذا بك قد ولّيتنا ثانيا عطفا
وإنّك إذ تحنو حنوّك معقبابعادا لمن بادلته الودّ والعطفا
لكالقوس أحنى ما تكون إذا حنتعلى السّهم أدنى ما تكون له قذفا
وولد ابن باك من هذا معنى آخر فقال:
أصبحت في صولجانه كرةًيبعدها قربها من الضّارب
وما أحسن قول ابن المغلس ملغزا فيها:
أراد دنوّها حتّى إذا مادنت منه بكدٍّ أيّ كد
قلاها ثمّ أتبعها بضربٍوبدّل قربها منه ببعد
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع