من «نصرة الثائر على المثل السائر» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
في التخلص والاقتضاب
قال في النوع الثالث والعشرين في التخلص والاقتضاب، وقد أورد قول أبي تمام من جملة أبيات:
لا والذي هو عالمٌ أنّ النوىأجلٌ وأنّ أبا الحسين كريم
ثم قال: وهذا خروج من غزل إلى مديح.
أقول: المشهور في هذا البيت أن أبا تمام قاله:
لا والّذي هو عالمٌ أنّ النوىصبرٌ
وما رأيت من أورده كذا، ولا وقفت عليه في ديوان على كثرة النسخ به إلا وهو مثبت كما ذكرته. وأما أرباب البلاغة، فقد ذكروا البيت وعدوه من العيوب، لأنه لا مناسبة بين الصبر والكرم. ولو قيل: إن الزمان بخيل وأبا الحسين كريم، أو يقول إن النوى صبر وإن الوصال شهد، كان مناسبا. وما ذكره أحد فيما علمت إلا وعده عيباً، وهذا عده من المحاسن ومثل به وغير لفظه. والعدالة غير هذا، وليته أصلحه لما غيره.
ولا بأس بإيراد نبذ مما جاء للشعراء في هذا النوع. من ذلك قول المعري أبي العلاء وقد ذكر النوق:
سألن فقلت مقصدنا سعيدٌفكان اسم الأمير لهنّ فالا
وقول مسلم بن الوليد:
يقول صحبي وقد جدّوا على عجلٍوالخيل تستنّ بالرّكبان في اللّجم
أمطلع الشّمس تبغي أن تؤمّ بنافقلت: كلاّ ولكن مطلع الكرم
وقد أخذه أبو تمام أخذا وفلذه فلذا فقال:
أمطلع الشمس تبغي أن تؤمّ بنافقلت: كلاّ ولكن مطلع الجود
وأخذه الغزي أيضاً، وسبكه فلبكه إذ قال:
تقول إذا حثثناها وظلّتتناجينا بألسنة الكلال
إلى أُفق الهلال مسير ركبيفقلنا: بل إلى أُفق النّوال
وقول علي بن الجهم:
وليلةٍ كحلت بالنقس مقلتهاألقت قناع الدّجى في كلّ أُخدود
تكاد تغرقني أمواج ظلمتهالولا اقتباسي سنا من وجه داوود
وقول القائد أبي عبد الله السنبسي يمدح سيف الدولة صدقة بن منصور:
ونرجسٍ خضلٍ تحكي نواظرهأحداق تبرٍ على أجفان كافور
كأنّما نشره في كل باكرةٍمسكٌ تضوّع أو ذكر ابن منصور
وقول ابن سناء الملك:
لا يرجع الكلف المشوق عن الهوىأو يرجع الملك العزيز عن النّدى
وقوله أيضاً:
فالوجد لي وحدي دون الورىوالملك لله وللظّاهر
وقول ابن الساعاتي:
وجدي وان كنت الذّليل ببيضهوجد العزيز بكلّ لدنٍ أسمر
وقوله أيضاً:
كم وقفنا فيها مع الغيث مثلين جفونا وكّافةً وغماما
أثخنته ظبى البروق جراحامنهراتٍ سالت عليه ركاما
وكأنّ الغمام نقعٌ وقد جررد فيه الملك المعزّ حساما
وأحسن من هذا كله قول الشيخ شرف الدين عبد العزيز شيخ الشيوخ بحماة من غزل قصيدة يمدح بها النبي ﷺ:
فمن رأى ذلك الوشاح الصائم صلّى على محمّد
وقول أبي الحسين الجزار يمدح جمال الدين موسى بن يغمور:
جسرت على لثم الشّقيق بخدّهاورشف رضابٍ لم أزل منه في سكر
ولست أخاف السّحر من لحظاتهالأنّي بموسى قد أمنت من السحر
وقوله أيضاً يمدح فخر القضاة نصر الله بن بصاقة:
وكم ليلةٍ قد بتّها معسرا وليبزخرف آمالي كنوزٌ من اليسر
أقول لقلبي كلما اشتقت للغنىإذا جاء نصر الله تبت يد الفقر
وعلى ذكر المخلص، فما أحلى قول السراج الوراق:
لئن خفّ صدري للقوافي ونظمهاففي من وظل الجود عني مقلّص
وكم مطلعٍ حبّرته من قصيدةٍيقول عيسى لي أو عسى لك مخلص
وظرف من ذم التخلص في بيت واحد حيث قال:
بينا ذوائب من يحبّ بكفّهحتى تعلّق لحية الممدوح
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع