تجاوز إلى المحتوى

من «نصرة الثائر على المثل السائر» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)

حول السرقات الشعرية

قال في النوع الثلاثين، في السرقات الشعرية بعدما أورد بيت ابن الخياط:

أغار إذا آنست في الحي أنّةًحذارا عليه أن تكون لحبّه

وبيت عمارة:

وهل درى البيت أنّي بعد فرقتهما سرت من حرمٍ إلاّ إلى حرم

إن هذين مسروقان من قول المتنبي:

لو قلت للدّنف المشوق فديتهممّا به لأغرته بفدائه

ومن قول أبي تمام يمدح بعض الخلفاء وقد حج:

يا من رأى حرما يسعى إلى حرمطوبى لمستلم يأتي وملتزم

وأخد في الشناع على أهل الشام ومصر، في كونهم خفي عليهم مثل هذا، وزاد في التعجب.

أقول: إن سبب خفاء السرقة في هذين البيتين وغيرهما، أن الأصل يكون ركيكا غير مستعمل ولا دائرٍ على الألسنة في المكاتبات والمحاورات والأمثال، فيأتي بعض الشعراء إلى ذلك المعنى الخامل، ويبرزه في صورة حسناء، ويسبكه في قالب أرشق وألطف من الأول، فيحلو ويعذب ويتداوله الناس، ويعود الأول نسيا منسيا كأن لم يكن. كما إذا بدا النجم ثم يبدو البدر من بعده، فلا يشتغل البصر بالنجم ويدع البدر.

وما أحسن قول أبي تمام:

أعندك الشمس تزهى في محاسنهاوأنت منشغل الأحشاء بالقمر

ولا يلتفت في الثاني إلا إلى حسنه من غير بحث عن أصله، وهل هو مسروق أو مبتدع. على أن الأديب لو أنه ما عسى أن يكون من النقل والاطلاع، ليس في إمكانه استخراج كل معنى يمر به من غير روية ولا تتبع لذلك. خصوصا فيما عذب وساغ، وبرز في صورة غير صورته الأولى.

ولا شك أن قول ابن الخياط أعذب من قول المتنبي، ولهذا اشتهر. وكذا قول عمارة أحسن وأرق من قول أبي تمام، ولهذا ساغ واشتهر، واستعمل مثلا على تأخر زمانه، وتقدم زمان أبي تمام. خصوصا عجز بيت عمارة، فإنه ذاع وضاع، وملأ الأفواه والأسماع.

وإذا كان الشيء بالشيء يذكر، فما أحلى قول عبد الحكم بن الخطيب العراقي في رجل وجب عليه القتل، فرماه المستوفي للقصاص بسهم فأصاب كبده فقتله من وقته:

أخرجت من كبد القوس ابنها فغدتتئنّ، والأمّ قد تحنو على الولد
وما درت أنّه لما رميت بهما سار من كبدٍ إلاّ إلى كبد

وأما الغيرة، فمن أبلغ ما جاء في ذلك قول ابن قلاقس من أبيات:

وابلائي من مخدّرةٍدونها سورٌ وجدران
وأُسودٌ خاف سطوتهاكلّ ما حازته خفّان
للشاعر ابن قلاقس، من قصيدة «أنا من عينيك نشوان»
ورقيبٌ لو يلاحظهالتثنّى وهو غيران
للشاعر ابن قلاقس، من قصيدة «أنا من عينيك نشوان»

وقول علي بن عبد الله الجعفري:

ربّما سرّني صدودك عنّيفي طلابيك وامتناعك منّي
حذرا أن أكون مفتاح غيريوإذا ما خلوت كنت التّمنّي

وبالغت حفصة المغربية في قولها:

أغار عليك من غيري ومنّيومنك ومن مكانك والزّمان
للشاعر أبو زيد الفازازي، اقرأ القصيدة
ولو أنّي خبأتك في جفونيإلى يوم القيامة ما كفاني

وأخذ جمال الدين ابن مطروح بعض هذا وقال:

فلو أمسى على تلفي مصرالقلت: معذّبي بالله زدني
ولا تسمح بوصلك لي فإنيأغار عليك منك، فكيف منّي
للشاعر عمر الأنسي، من قصيدة «ومحتجب أطال جفاي هجرا»

ومنه قول سعد الدين محمد بن عربي:

يا من أغار عليه منّي في الهوىفأصدّ عنه وقلبي المشتاق
صن حسن وجهك عن لحاظي إنّ ليقلبا يرى ولناظري إطراق

وما أحسن قول شهاب الدين ابن الخيمي:

وعذولٍ رابني في نصحهكلّما زدت هوىً زاد لجاجا
ما عذولي قطّ إلا عاشقٌستر الغيرة بالعذل ودجى

وقد نظمت أنا في معنى قول ابن الخيمي:

تداهى عذولي في الغرام ولم تكنمقاصده تخفى على عاشقٍ مثلي
أحبّ حبيبي ثم غار فخاف أنأفاتحه فيه فسابق بالعذل

على أن المتنبي في الأصل، أخذ المعنى من العباس بن الأحنف حيث يقول:

لم ألق ذا شجنٍ يبوح بحبهإلا حسبتك ذلك المحبوبا
حذرا عليك وإنني بك واثقٌأن لا ينال سواي منك نصيبا
للشاعر أبو الشيص الخزاعي، اقرأ القصيدة

ومن الغيرة قول أبي تمام الطائي:

أغار عليك من قبليوإن أعطيتني أملي
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أغار عليك من قبلي»
وأشفق أن أرى خديك نصب مواقع القبل
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أغار عليك من قبلي»

ومن الغيرة قول القائل:

خلص الهوى لك واصطفتك محبّتيحتى أغار عليك من ملكيكا
وأراك تخطر في محاسنك التيهي محنتي فأغار منك عليكا
ولو استطعت جرحت لفظك غيرةًإنّي أراه مقبّلا شفتيكا
للشاعر الخبز أرزي، من قصيدة «إني لأحسد مقلتي عليكا»

وما ألطف قول عبد المحسن الصّوري، فإنه عكس المقصد لمّا قال:

تعلّقته سكران من خمرة الصبابه غفلةٌ عن لوعتي ولهيبي
للشاعر عبد المحسن الصوري، من قصيدة «تعلقته سكران من خمرة الصبا»
يشاركني في حبّه كلّ أغيدٍيشاركني في مهجتي بنصيب
فلا تلزموني غيرةً ما ألفتهافإنّ حبيبي من أحب حبيبي

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نصرة الثائر على المثل السائر»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.