تجاوز إلى المحتوى

من «ريحانة الكتاب ونجعة المنتاب» للسان الدين بن الخطيب (ت ٧٧٦هـ)

كتب الِاسْتِظْهَار على العداه والاستنجاز للغداه (٢)

وَانْشَقَّ ريَاح الْإِقَالَة. وَجُمْلَة مَا نُرِيد أَن نقرره، فَهُوَ الْبَاب الْجَامِع، وَالْقَصْد الشَّامِل، والداعي والباعث، أَن صَاحب قشتالة، لما عَاد إِلَى ملكه، وَرجع إِلَى قطره، جرت بَيْننَا وَبَينه المراسلة، الَّتِي أسفرت بِعَدَمِ رِضَاهُ عَن كدحنا لنصره، ومظاهرتنا إِيَّاه على أمره، وَإِن كُنَّا قد بلغنَا جهدا، وأنفذنا وسعا، وأجلت عَن شُرُوط ثَقيلَة لم نقبلها، وأغراض صعبة لم نكملها، وَنحن نحقق أَنه إِمَّا أَن تهيج حفيظته، وتثور إحنته، فَيكْشف وَجه الْمُطَالبَة، مستكثرا بالأمة الَّتِي داس بهَا أهل قشتالة، فراجع أمره غلابا، وَحقه ابتزازا واستلابا، أَو يصرفهَا ويهادن الْمُسلمين، بخلال مَا لَا يدع جِهَة من جِهَات دينه الْقَرِيبَة، إِلَّا عقد مَعهَا صلحا، وَأخذ عَلَيْهَا بإعانتها إِيَّاه عهدا. ثمَّ تفرغ إِلَى شفا غليله وبلوغ جهده، وَلَا شكّ أَنَّهَا تجيبه، صرفا لِبَأْسِهِ عَن نحورها، ومقارضة لما وَقع بأطريرة من ضيق صدورها، وَمن سف جمهورها. وكل من لَهُ دين فَهُوَ يحرص على التَّقَرُّب إِلَى من دانه بِهِ، وكلفه وظائف تَكْلِيفه، رجا لوعده، وخوفا من وعيده. وَبِاللَّهِ ندفع مَا لَا نطيق، من جموع تداعت من الْجَزُور، ووراء البحور، وَالْبر الْمُتَّصِل الَّذِي لَا تقطعه الرفاق، وَلَا تحصى ذرعه الحذاق. وَقد أَصْبَحْنَا بدار غربه، وَمحل روعه، ومفترس ضوه، ومظنة فتنه، وَالْإِسْلَام عدد قَلِيل، ومنتجعه فِي هَذِه الْبقْعَة حَدِيث، وَعَهده بالإرفاد. والإمداد من الْمُسلمين بعيد [رَبنَا لَا تُؤَاخِذنَا إِن نَسِينَا أَو أَخْطَأنَا]. رَبنَا وَلَا تحمل علينا إصرا كَمَا حَملته على الَّذين من قبلنَا، رَبنَا وَلَا تحملنا مَا لَا طَاقَة لنا بِهِ، واعف عَنَّا، واغفر لنا، وارحمنا أَنْت مَوْلَانَا، فَانْصُرْنَا على الْقَوْم الْكَافرين.

وَإِذا تداعت أُمَم الْكفْر، نعرة لدينها المكذوب، وحمية لصليبها الْمَنْصُوب، فَمن يَسْتَدْعِي لنصر الله، وحماية أَمَانَة نبيه إِلَّا أهل ذَلِك الوطن، حَيْثُ المآذن بِذكر الله تملأ الأفاق، وَكلمَة الْإِسْلَام قد عَمت الرِّبَا والوهاد. إِنَّمَا الْإِسْلَام غريق قد تشبث بأهدابكم، يناشدكم الله فِي بَقِيَّة الرمق، وَقبل الرمى تراش السِّهَام، وَهَذَا أَوَان الْبَنَّا والإغنا، وَاخْتِيَار الحماة، وإعداد الأقوات، قبل أَن يضيق المجال، وتمنع الْمَوَانِع. وَقد وجهنا هَذَا الْوَفْد الْمُبَارك للحضور بَين يديكم، مقررا للضَّرُورَة، مَنْهِيّا للرغبة، مذكرا بِمَا يقرب عِنْد الله، وموكدا لذمام الْإِسْلَام، جالبا على من وَرَاءَهُمْ بحول الله من الْمُسلمين، الْبُشْرَى الَّتِي تشرح الصُّدُور، وتسنى الآمال، وتستدعي الدعا والثنا. فالمؤمن كثير بأَخيه، وَيَد الله مَعَ الْجَمَاعَة، والمسلمون يَد على من سواهُم، وَالْمُؤمن لِلْمُؤمنِ كالبنيان المرصوص يشد بعضه بَعْضًا، والتعاون على الْبر وَالتَّقوى مَشْرُوع، وَفِي الذّكر الْحَكِيم مَذْكُور، وَحقّ الْجَار مَشْهُور، وَمَا كَانَ يوحي بِهِ جِبْرِيل فِي الصَّحِيح مَكْتُوب، وكما رَاع الْمُسلمين اجْتِمَاع كلمة الْكفْر، فنرجو أَن يروع الْكفْر من الْعِزّ بِاللَّه، وَشد الحيازيم فِي سَبِيل الله، ونفير النعرة [فِي سَبِيل الله]، والشروع فِي حماية الثعور وعمرانها، وإزاحة عللها، وجلب الأقوات إِلَيْهَا، وإنشاء الأساطيل وجبر مَا تلف من عدَّة الْبَحْر، أُمُور تدل على مَا وَرَاءَهَا، وتخبر بِمَشِيئَة الله عَمَّا بعْدهَا. وَمَا تَفعلُوا من خير يُعلمهُ الله، وتزودوا فَإِن خير الزَّاد التَّقْوَى.

وَمن خطب على رضى الله عَنهُ. أما بعد فَإِن الْجِهَاد بَاب من أَبْوَاب الْجنَّة، فَمن تَركه رهبة، ألبسهُ الله سِيمَا الْخَسْف، ووسمه بالصغار، وَمَا بعد الدُّنْيَا إِلَّا الْآخِرَة، وَمَا بعد الْآخِرَة إِلَّا إِحْدَى دَاري الْبَقَاء. أَفِي الله شكّ. وَمن يُوقَ شح نَفسه فَأُولَئِك هم المفلحون. والاعتنا بِالْجَبَلِ عنوان هَذَا الْكتاب، ومقدمة هَذَا

الْبَاب، والغفلة عَنهُ مُنْذُ أَعْوَام، قد صيرته لَا يقنع باليسير، وَقد أبرمته المواعد وَغير رسومه الِانْتِظَار، [وَنَفَقَته على قدره]. وَمن الْمَنْقُول ارحموا السَّائِل وَلَو جَاءَ على فرس. والإسراف فِي الْخَيْر أرجح فِي هَذَا الْمحل من عَكسه. وَكَانَ بعض الأجواد يَقُول وَقد أقتر، اللَّهُمَّ هَب لي الْكثير، فَإِن حَالي لَا يقوم على الْقَلِيل. وَعَسَى أَن يكون النّظر لَهُ بِنِسْبَة الْغَفْلَة عَنهُ، والامتعاض لَهُ مكافيا للإزراء بِهِ، وخلو الْبَحْر يغتنم لإمداده وإرفاده قبل أَن يثوب نظر الْكفْر إِلَى قطع المدد وسد الْبَحْر. وَمن ضيع الحزم نَدم، وَلَا عذر لمن علم. وَالله ﷿، يطلع من قبلكُمْ مَا فَهِيَ شفا الصُّدُور، وجبر الْقُلُوب، وَشعب الصدوع. وَمَا نقص مَال من صَدَقَة، وَطَعَام الْوَاحِد كَافِي الِاثْنَيْنِ، وَالدّين دينكُمْ، والبلاد بِلَادكُمْ، وَمحل رباطكم وجهادكم، وسوق حسناتكم. وَمن يعْمل مِثْقَال ذرة خيرا يره. وَقد قلدنا الْعهْدَة الحفيظ عَلَيْهَا المصروف الْعِنَايَة بِفضل الله إِلَيْهَا. وَالله الْمُسْتَعَان، وَعَلِيهِ التكلان. وَالسَّلَام الْكَرِيم عَلَيْكُم. وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.

وَصدر عني فِيمَا يقرب من هَذَا الْغَرَض وَفِيه إِشَارَة إِلَى ترك الْحَرَكَة إِلَى مراكش، وَالْعَمَل على إنجاز وعد التغلب على دولة الْمُلُوك بالمغرب، وَقد تَأذن الله ﷿ بعكس مَا قصد مِنْهُ، ودافع بقدرته عَن هَذَا الوطن دون إعانته

الْمقَام الَّذِي يُؤثر حَظّ الله إِذا اخْتلفت الحظوظ وتعددت الْمَقَاصِد، ويشرع إِلَى الْأَدْنَى مِنْهُ إِذا تفاضلت المشارع، وتمايزت الْمَوَارِد، ويستأنف عَادَة حلمه وفضله الشارد، ويسع وارف ظله الصَّادِر والوارد، والغايب وَالشَّاهِد، وَيُعِيد

من نصر الله لِلْإِسْلَامِ العوايد [ويسد الذرايع ويدر الْفَوَائِد]، مقَام مَحل أخينا الَّذِي سَبَب اعتدادنا بِهِ فِي الله قوي وثيق، وثناؤنا بالمفاخر الْمَوْقُوفَة على ملكه الرفيع طليق، واعتمادنا على مظاهرته وَنَصره لَا يلتبس مِنْهُ طَرِيق، وَلَا يخْتَلف فِيهِ فريق، وودادنا فِي جنابه الأسمى أصيل عريق. السُّلْطَان الكذا أبي عنان، أبقاه الله، وآثاره فِي نصر الدّين بَاقِيَة صَالِحَة، وغرس مفاخره مشرقة وَاضِحَة، وآمال أهل الْإِسْلَام فِي عَزَائِمه الْمَاضِيَة، ومكارمه الراضية، صَادِقَة ناجحة، وكتائبه فِي سَبِيل الله غادية رايحة، وَكتبه بإنجاز المواعد والمثابرة على [كبت أعاديه مُرَاجعَة أَو مفاتحه، وَأَقْلَام رماحه وصحايف صفاحه لآيَات إِلَى] الَّذِي حسنت فِي الدّين، سيره، وتعاضد فِي الْفضل خَبره وَخَبره، ودلت شَوَاهِد مداركه للحقوق، وتغمده العقوق على أَن الله لَا يهمله وَلَا يذره. فسلك مجده متسقة درره، وَوجه ملكه [شادخة غرره، السُّلْطَان الكذا ابْن السُّلْطَان الكذا ابْن السُّلْطَان الكذا أبقاه لله رفيعا علاوة هامية لَدَيْهِ منن الله وآلاؤه] شارقة بكواكب السعد سماؤه، محروسة بعز النَّصْر أرجاؤه، مكملا من فضل الله فِي نصر الْإِسْلَام وكبت عَبدة الْأَصْنَام أمله ورجاؤه، مُعظم قدره الَّذِي يحِق لَهُ التَّعْظِيم، وموقر سُلْطَانه الَّذِي لَهُ الْحسب الْأَصِيل وَالْمجد الصميم، الدَّاعِي إِلَى الله باتصال سعادته، حَتَّى ينتصف من عَدو الْإِسْلَام الْغَرِيم، ويتاح على يَد سُلْطَانه الْفَتْح الجسيم. فلَان. سَلام كريم عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.

أما بعد حمد الله الَّذِي لَا يضيع أجر من أحسن عملا، وَلَا يخيب لمن أخْلص إِلَيْهِ الرَّغْبَة أملا، وموفى من تَركه لَهُ حَقه أجره الْمَكْتُوب متمما مكملا، وجاعل

الْجنَّة لمن اتَّقَاهُ حق تُقَاته نزلا، ملك الْمُلُوك الَّذِي جلّ وَعلا، وجبار [الْقُلُوب] الْجَبَابِرَة، الَّذِي لَا يَجدونَ عَن قدره محيصا، وَلَا من دونه موئلا. وَالصَّلَاة على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد رَسُوله الَّذِي أنزل عَلَيْهِ الْكتاب مفصلا، وأوضح طَرِيق الرشد، وَكَانَ مقفلا، [وَفتح بَاب السَّعَادَة ولولاه لَكَانَ مغفلا]. وَالرِّضَا عَن آله وَأَصْحَابه، وعترته وأحزابه الَّذين ساهموه فِيمَا أَمر وحلا، وخلفوه من بعده بالسير الَّتِي راقت مجثلا، وَرفعُوا عماد دينه، فاستقام لَا يعرف ميلًا، وَكَانُوا فِي الْعَفو والحلم مثلا. وَالدُّعَاء لمقامكم الأسمى بالنصر الَّذِي يلفى نَصه صَرِيحًا لَا متأولا، والصنع الَّذِي يبهر حَالا ومستقبلا، والعز الَّذِي يرسو جبلا، والسعد الَّذِي لَا يبلغ أمدا وَلَا أَََجَلًا. فَإنَّا كتبناه إِلَيْكُم، أصحب الله ركابكم حَلِيف التَّوْفِيق حلا ومرتحلا، وعرفكم عوارف الْيمن الَّذِي يثير جذلا، ويدعوا وَافد الْفَتْح الْمُبين، وَيَردهُ متعجلا. من حَمْرَاء غرناطة حرسها الله، وَلَا زايد بِفضل الله سُبْحَانَهُ، ثمَّ بِمَا عندنَا من التَّشَيُّع لمقامكم، حرس الله سُلْطَانه، ومهد أوطانه، إِلَّا الْخَيْر الَّذِي نسل الله بعده تَحْسِين العقبى، وتوالي عَادَة الرحمى. وَالْحَمْد لله على الَّتِي هِيَ أزكى، وسدل جنَاح الْخَيْر الأضفى، وصلَة للطائف الَّتِي هِيَ أكفل وأكفى، وَأبر وأوفى. ومقامكم عندنَا هُوَ الْعدة الَّتِي بهَا نصول ونرهب، والعمدة الَّتِي نطيل فِي ذكرهَا ونسهب، وَقد أوفدنا عَلَيْكُم كل مَا زَاد لدينا، أَو فتح الله بِهِ علينا. وَنحن مهما شدّ المخنق، بكم نستنصر، أَو ترَاخى فَفِي ودكم نستبصر، أَو فتح الله بأبوابكم نهنى ونبشر، وقررنا عنْدكُمْ أَن الْعَدو فِي هَذِه الْأَيَّام توقف عَن بِلَاد الْمُسلمين، فَلم يصل مِنْهُ إِلَيْنَا سريه، وَلَا بطشت

لَهُ يَد جرية، وَلَا افترعت من تلقايه ثنية، وَلَا نَدْرِي المكيدة تدبر أَو آرا تنقص بحول الله وتقهر، أَو لشاغل فِي الْبَاطِن لَا يظْهر. وَبعد ذَلِك ورد على بابنا من بعض كبارهم وزعماء أقطارهم مخاطبات يندبون فِيهَا إِلَى جنوحنا للسلم فِي سَبِيل النصح لأياد سلفت منا لَهُم قدروها، ووسائل ذكروها، فَلم يخف عَنَّا أَنه أَمر دبر بلَيْل، وخبيئة تَحت ذيل، فَظهر لنا أَن نسبر الْغَوْر ونستفسر الْأَمر، فوجهنا إِلَيْهِ على عادتنا مَعَ سلفه، [من يهنيه على مَا صَار إِلَيْهِ] وَيعْتَبر مَا لَدَيْهِ وَينظر إِلَى بَاطِن أمره، ويبحث عَن زيد قومه وعمره، فتأتى ذَلِك، وجر مُفَاوَضَة فِي الصُّلْح، أعدنا لأَجلهَا الرسَالَة، واستشعرنا البسالة، ووازنا الْأَحْوَال واعتبرنا، واعتززنا فِي الشُّرُوط مَا قَدرنَا، وَنحن نرتقب مَا يخلق الله من مهادنة تحصل بهَا الأقوات المهيأة للانتساف ويسكن [مَا سَاءَ الْبِلَاد الْمسلمَة] من هَذِه الأرجاف، ويفرغ الْوَقْت لمطاردة الآمال الْعِجَاف، أَو حَرْب يبلغ الاستبصار فِيهَا غَايَته، حَتَّى يظْهر الله فِي نصر الفئة القليلة آيَته. وَلم نجْعَل بِسَبَب الاعتزاز فِيمَا أردناه، وشموخ الْأنف فِيمَا أصدرناه، إِلَّا مَا أشعنا من عزمكم على نصْرَة الْإِسْلَام، وارتقاب خفوق الْأَعْلَام، والخفوف إِلَى دَعْوَة الرَّسُول ﵇، وَأَن الأَرْض حمية الله قد اهتزت، والنعرة قد غلبت النُّفُوس واستفزت، واستظهرنا بكتبكم الَّتِي تَضَمَّنت ضرب المواعد، وشمرت عَن السواعد، وَأَن الْخَيل قد أطلقت إِلَى الْجِهَاد فِي سَبِيل الله الأعنة، والثنايا سدتها بروق الأسنة،

وَفرض الْجِهَاد قد قَامَ بِهِ الْمُؤْمِنُونَ، وَالْأَمْوَال قد سمح بهَا الْمُسلمُونَ. وَهَذِه الْأُمُور هِيَ الَّتِي تمشت بقريبها أَو بعيدها أَحْوَال الْإِسْلَام، والآمال الْمعدة لتوجيه الْأَيَّام. ثمَّ اتَّصل بِنَا الْخَبَر الكارث بِمَا كَانَ من خور العزائم المؤمنة بعد كورها، وتسويف مواعيد النُّصْرَة بعد استشعار فورها، وَأَن الْحَرَكَة معملة إِلَى مراكش الْجِهَة الَّتِي فِي يديكم زمامها، وإليكم وَإِن ترامى الطول ترجع أَحْكَامهَا، والقطر الَّذِي لَا يفوتكم مَعَ الْغَفْلَة وَلَا يعجزكم مَعَ الصولة، وَلَا يطلبكم إِن تَرَكْتُمُوهُ، وَلَا يمنعكم إِن طرقتموه وعركتموه. فَسقط فِي الْأَيْدِي الممدودة. وأخلفت المواعد المحدودة، وخسئت الْأَبْصَار المرتقبة، وَرجعت المكاتل الآشبة، وَسَاءَتْ الظنون، وذرقت الْعُيُون، وأكذب الْفُضَلَاء الْخَبَر، وأنفو أَن يعْتَبر، وَقَالُوا هَذَا لَا يُمكن، حَيْثُ الدّين الحنيف، وَالْملك المنيف، والعلما الَّذين أَخذ الله ميثاقهم، وَحمل النَّصِيحَة أَعْنَاقهم. هَذَا هُوَ المفترض الَّذِي لَا يبعد، والقائم الَّذِي يقْعد، يأباه الله وَالْإِسْلَام، تأباه الْعلمَاء الْأَعْلَام، تأباه المآذن والمنابر، تأباه الهمم الأكابر. فبادرنا نستطلع طلع هَذَا النبإ الَّذِي إِن كَانَ بَاطِلا فَهُوَ الظَّن وَالله الْمَنّ، وَإِن كَانَ خِلَافه لرأي رجح، [وتنفق الْملك وتبجج] فَنحْن نوفد كل من يقدم إِلَى الله بِهَذَا الْقطر فِي شَفَاعَة، ويمد إِلَيْهِ كف ضراعة، وَمن يوسم بصلاح وَعبادَة ويقصد فِي الدّين ببث إِفَادَة، يتطارحون عَلَيْكُم فِي نقض مَا أبرم، وَنسخ مَا أحكم، فَإِنَّكُم تجنون بِهِ على من استنصركم عكس مَا قصد، وتحلون عَلَيْهِ مَا عقد. وهب الْعذر يقبل فِي عدم الْإِعَانَة، وضرورة الاستهانة والاستكانة، أَي عذر يقبل فِي الأطراح، والإعراض الصراح، كَأَن الدّين غير وَاحِد، كَأَن هَذَا الْقطر لكلمة

الْإِسْلَام جَاحد، كَأَن ذمام الْإِسْلَام غير جَامع، كَأَن الله غير رَاء وَلَا سامع، فَنحْن نسلكم الله الَّذِي تسْأَلُون بِهِ والأرحام، ونأنف لكم من هَذَا الإحجام، ونتطارح عَلَيْكُم فِي أَن تتركوا الله حظكم فِي أهل تِلْكَ الْجِهَة، حَتَّى يحكم الله بَيْننَا وَبَين الْعَدو الَّذِي يتكالب علينا بإدباركم بَعْدَمَا تضاءل لاستنفاركم ولإنصافكم [وَلَا نكلفكم] غير اقتراب داركم، وَمَا سامكم الْمُسلمُونَ بِهِ شططا، وَلَا حملوكم إِلَّا قصدا وسطا، وَمَا ذهبتم إِلَيْهِ لَا يفوت وَلَا يبعد، وَقد تجاورت الْبيُوت، إِنَّمَا الْفَائِت مَا وراءكم من حَدِيث تأنف من سَمَاعه أوداؤكم، وَدين يشمت بِهِ أعداؤكم. فاسعفوا بالشفاعة لمن بِتِلْكَ الْجِهَة المراكشية قصدنا، وحاشى إحسانكم أَن يرضى فِيهِ ردنا، وَأَنْتُم بعد بِالْخِيَارِ فِيمَا يجريه الله على أَيْدِيكُم من قدره، أَو يلهمكم إِلَيْهِ من نَصره، وجوابكم مرتقب بِمَا يَلِيق بكم، ويجمل بحسبكم، وَالله يصل سعدكم، ويحرس مجدكم بمنه. وَالسَّلَام الْكَرِيم عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته. وَفِي كَذَا.

النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٩٨٠م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «ريحانة الكتاب ونجعة المنتاب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.