من «ريحانة الكتاب ونجعة المنتاب» للسان الدين بن الخطيب (ت ٧٧٦هـ)
التهاني بالصنايع المكيفات (٥)
متوسطة بَين مُخْتَلف النَّحْل والأديان، وَالْعدَد لَا ينْسب، والصريخ إِلَّا من عِنْد الله لَا يحْسب، فتنجدنا بِالدُّعَاءِ أَلْسِنَة فضلائه وتسهمنا خواطر صالحيه وأوليائه، وَالله لَا يقطع عَن الْجَمِيع عوائد آلائه، ويعرفنا بركَة خَاتم أنبيائه، وينصرنا فِي أرضه بملائكة سمائه، وَقد كَانَ اتَّصل بِنَا فِي هَذِه الْأَيَّام الفارطة الذخر الَّذِي مَلأ الْيَد استكثارا، وَالْجَلد اسْتِعْدَادًا واستظهارا، والهمم فخارا، وأضاء الْقطر أنوارا، جوابكم الْكَرِيم، يشيم من نفحاته شذى الْأَخْضَر والجليل، ويلتمس من خلال حَافَّاته بَرَكَات الْخَلِيل، وَيقرب الْوُجُوه بِهِ آثَار الْمعَاهد، ويلتمح من ثنايا بوارقه بوارق الْفَوَائِد، فَأكْرم بِهِ من وَافد مخطوب، وزائر مرقوب، صدعنا بِهِ فِي حفل الْجِهَاد انتحاء وافتخارا، ثمَّ صناه فِي كرائم الخزائن اقتناء للخلف وادخارا، وَجَعَلنَا قراه [شكر الْعباد روضا معطارا]، وثنا يبْقى فِي الْخَافِقين مطارا، وَدُعَاء يعلى الله بِهِ لمقامكم السنى فِي أوليائه مِقْدَارًا، ويجهز بِهِ لملككم كَمَا فعل أنصارا، ويثيبكم بِالْجنَّةِ الَّتِي لَا يرضى السُّعَدَاء بغَيْرهَا قرارا. وَالله ﷿ يَجْعَل لأفلاك الهنا على مُخَاطبَة مقامكم الرفيع [الْعلَا] مدارا، وَيُقِيم الشُّكْر ألزم الْوَظَائِف بحقكم ابتدارا، وَالثنَاء أولى مَا تحلى بِهِ مجدكم شعارا، ويبقيكم لِلْإِسْلَامِ ركنا شَدِيدا وظلا مديدا، وسماء مدرارا، مَا استأنفت البدور إبدارا، وعاقب اللَّيْل نَهَارا. وَالسَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله تَعَالَى وَبَرَكَاته.
وَصدر عني أَيْضا لما استولى السُّلْطَان أَبُو زيان ابْن الْأَمِير أبي عبد الرَّحْمَن ابْن السُّلْطَان أبي الْحسن على مَدِينَة مراكش، وَقد كَانَ اقْترن بوظيفها عَامر بن مُحَمَّد الهنتاتي، مَا نَصه
الْمقَام الَّذِي سعده متاح، وَعطفه بالصنع الْجَمِيل مرتاح وجبينه بالبشر ملتاح، وإقليد سَيْفه للمقفلات فتاح، ولأزهار أَعْلَامه فِي بطاح الجلاد والبطاح بالنصر افْتِتَاح. مقَام مَحل أخينا الطالع صبع سعده بسعادة الْعَصْر، المثمر نصله بجنى النَّصْر، الْبَريَّة من الْإِحَاطَة بصنع الله لَهُ أَدَاة الْحصْر. السُّلْطَان الكذا [ابْن السُّلْطَان الكذا ابْن السُّلْطَان الكذا] أبقاه الله وأعلام مجده عالية ولبات أَحْوَاله بالسعد حَالية، وألطاف الله لَدَيْهِ مُتَوَالِيَة، وأنوار توفيقه للخطوب جالية، وأعين الْعِصْمَة لَهُ كالية، وعزائمه تشقى بهَا الْأُمَم المناصبة، وتشفى الْأُمَم الموالية. مُعظم مجده المسرور بِظُهُور سعده، المؤمل من الله على يَدَيْهِ إنجاز وعده [الْأَمِير عبد الله مُحَمَّد ابْن مَوْلَانَا أَمِير الْمُسلمين أبي الْحجَّاج ابْن مَوْلَانَا أَمِير الْمُسلمين أبي الْوَلِيد بن نصر، أيده الله وَنَصره] [يسلم عَلَيْكُم سَلاما لائقا بمثابتكم السامية] وفضائلكم الهامية النامية، بل المنسحبة الهامية وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته
أما بعد حمد الله الْعلي الْكَبِير، الْوَلِيّ النصير، مخول الْفتُوح، ومعود المنوح، وميسر العسير، الَّذِي وعد الْمُتَّقِينَ بِحسن العقبى فِي الْكتاب الْمُنِير، وَقرن النجح بِحسن التَّدْبِير. وَالصَّلَاة على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد، البشير النذير، المرتقى بمقامه الْأَثِير، فَوق الْفلك الْأَثِير، بدر الرُّسُل الْمُنِير، وكهف الْأمة المجير، وَسبب نجاتنا من سوء الْمصير، الَّذِي بجاهه نقرع أَبْوَاب [التَّيْسِير ونجتلي وُجُوه] التباشير، وَفِي مرضاته نعمل شبا اللدن الطَّوِيل، وظبا العضب الطرير. وَالرِّضَا عَمَّن لَهُ من الصحب والآل والعشير، ملبسى كسْرَى أَثوَاب المهيض الكسير، [ومنزلي قَيْصر عَن ذرْوَة السرير] وورثة الْحق وقادة الجماهير، وكواكب الْهِدَايَة المستنير. فَإنَّا كتبناه إِلَيْكُم كتب الله لكم سَعَادَة مصاحبة فِي الْمقَام والمسير، وعناية مُقَارنَة لإشارة النصيح المشير، وَلَا زَالَ سعدكم يغلب أَعْيَان الأقطار الشاردة، والعمالات المعاندة فعل الإكسير، وَيرد حظوظها إِلَى محط ملككم المستدير. من حَمْرَاء غرناطة حرسها الله، وَلَا زَائِد بِفضل الله اللَّطِيف الْخَبِير، إِلَّا التَّمَتُّع من الْهُدْنَة المكيفة ببركتكم فِي الْمحل الوثير، وَالِاعْتِرَاف لله بِالْخَيرِ الْكثير، وَالسُّرُور لِلْإِسْلَامِ على يدكم، بِجمع الشتيت ونظم النثير، وَالْحَمْد لله كَمَا هُوَ أَهله، فَلَا فضل إِلَّا فَضله، وَعِنْدنَا اعْتِدَاد كريم لَا يزَال يرهب فِي سَبِيل الله حَده، ونرتقب فِي الظُّهُور على أَعدَاء الله وعده، ونصابر الظمأ حَتَّى نرد ورده، ونشفى عليل النُّفُوس عِنْده، وَالله
يبلغ فِي الْإِسْلَام قَصده، ويكيف نَصره وعضده، ويثير من جعل مَعَه آلِهَة مُتعَدِّدَة بِمن عَبده وَحده، وَإِلَى هَذَا وصل الله سعدكم [وحرس مجدكم]. فإننا لما وصلنا كتابكُمْ الْكَرِيم سافرا عَن محيا الْفَتْح الَّذِي راق جمالا وفَاق كمالا، وَأَنْشَأَ للاسلام آمالا، [ورحب مجالا] ودعا بالأماني فَجَاءَت عجالا فتح مراكش لما فَاء الله طاعتها، كَمَا رفع بعد إيالتكم إضاعتها، وأسعد فيئتها، كَمَا أسْرع بعد إيالتكم لإجابة داعيكم جيئتها، وَإنَّهُ لِلْفَتْحِ الْأَغَر المجحل، والسعد الهني الْمُعَجل، دَار الْملك الْقَدِيم، والنصر الوسيم [والعز الجسيم] وطية الْحَادِي ومرتاد المسيم، حَيْثُ الجباية النامية، والشفاعات السامية، والسحب الهامية، وسيوف الْجِهَاد الدامية، وإثباج الْكَتَائِب المترامية، ومنبعث الْقُوَّة المطاقة، ومنشأ عزم الأرك والزلاقة، والحضرة الَّتِي إِلَيْهَا ينْسب بالمشرق وَالْمغْرب. هُنَاكُم الله ملكة نَوَاصِيهَا، واستيعاب قاصيها، وخولكم من فَضله ويمنه، غَايَة لَا يُدْرِكهَا القَوْل، وَلَا يحصيها. كتبنَا نهنئكم هناء من لَهُ فِي المنحة النَّصِيب الأوفر، والحظ الْأَكْبَر، ونسل الله لكم، توالي الصنع الَّذِي أنواره تبهر، ونقرر [مَا لدينا من الْحبّ] الَّذِي عضد خَبره الْمخبر، وأصحبنا نُودي خطابكم الْكَرِيم، الَّذِي لَا يجهل الْفضل ببعثه، وَلَا يُنكر على حَال التشوف الَّذِي صروحه تظهر، والارتقاب الَّذِي يسنيه الله لكم من فضل طلائعه تنْتَظر، وَهُوَ فلَان. ثمَّ رَأينَا أَن لَا بُد من مشافهة تصْحَب الْمُرَاجَعَة، تتميما لوظائف الْبر، وَإِقَامَة لرسوم الود الْكَرِيم العلن والسر، وَإِن كَانَت سَعَة
الِاجْتِهَاد، مقصرة عَن ثَمَرَة الوداد، ومدارك اليراع والمداد، عاجزة عَن بُلُوغ هَذِه الآماد، وَإِنَّمَا يشفع فِيهِ شَافِع الْقبُول الْمُعْتَاد، ومسامحة الْمجد الرفيع الْعِمَاد، واخترنا لذَلِك من الفضلا الحسبا، أولى الصّلاح والزكا، القائدين الحاجين فلَانا وَفُلَانًا، [وصل الله عزتهما، وَكتب سلامتهما] وأملنا تَعْجِيل قبولهما، وَقد شَاهدا مَا يسر السَّامع، ويحسب المطامع من كَمَال هبة، وَتَمام آمال عَن السعد المقتبل معرفَة، وَكَمَال مقاصدكم، ضافية أثوابه، متعوذة بتغمد التَّقْصِير أثوابه، وَالله يصل لكم عزا عالية هضابه، مطنبة فَوق النُّجُوم قبابه، وَالسَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.
وَلما وصل كتاب سُلْطَان الْمغرب على هَذَا الْعَهْد أَمِير الْمُسلمين أبي فَارس عبد الْعَزِيز، ابْن السُّلْطَان أبي الْحسن، يعرف باستيلائه على الْخلَافَة بالمغرب، صدر عني فِي ذَلِك
الْمقَام الَّذِي خصت عبوديته لِلْإِسْلَامِ الْعَزِيز بِالْإِضَافَة، عَلامَة على انسدال الْأمان وارتفاع المخافة، وَاخْتَارَهُ الْملك السعيد، وَقد أينع الْقَمَر الْجَدِيد، لرفع الْخلاف بِنصب الْخلَافَة، وشمخ مِنْهُ الْقَبِيل المريني، بمآزر الإباية والإنافة، وأورثته الفراسة العمرية حق أَبِيه بِالنّسَبِ الصَّرِيح لَا بالقافة، مقَام مَحل أخينا الَّذِي استبشرنا بوصل سَببه وَسبب وَصله، واغتبطنا مِنْهُ بالفرع الْكَرِيم الْقَرِيب من أَصله، وتفرسنا فراسة الْمُؤمن، أَن نصر الْإِسْلَام فِي نصله، واستظهرنا مِنْهُ بِسيف الْجِهَاد الَّذِي اشْتَمَل حَده على فَصله ورجونا أَن يجنى الْإِسْلَام بِهَذِهِ الْبِلَاد ثَمَرَات فَضله وخصله، السُّلْطَان الكذا [ابْن السُّلْطَان الكذا ابْن السُّلْطَان الكذا ابْن مَحل والدنا الَّذِي نعظمه ونجله ونوجب لَهُ الْحق الَّذِي هُوَ أَهله، ابْن السُّلْطَان الكذا ابْن السُّلْطَان] أبقاه الله، وعنايته تقية من المكاره وتحميه، وترقيه إِلَى مراقي سلفه الْكَرِيم وتسميه، وحمائم الْبركَة تزكّى فَرعه الباسق وتنميه، ولازال سهم سعادته يُصِيب شاكلة الرمى إِذا يرميه، وشديد عزمه يسمه التَّوْفِيق ويسميه، مُعظم منصبه المسرور بِهِ، الْعَارِف بأصالة حَسبه [الدَّاعِي إِلَى الله
بتتميم أمله من فَضله] وتكميل أربه، [الْأَمِير عبد الله مُحَمَّد ابْن أَمِير الْمُسلمين أبي الْحجَّاج بن أَمِير الْمُسلمين أبي الْوَلِيد ابْن نصر] سَلام كريم طيب بر عميم، كَمَا سفر وَجه الصَّباح الوسيم، وَأهْدى الرَّوْض شذاه مَعَ رَسُول النسيم، يخص سلطانكم الْأَعْلَى [وأخوتكم الفضلى] وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.
أما بعد حمد الله ملك الْمُلُوك ومولاها، ومقدر آجالها وأعمالها وأوصافها وحلاها، ليبلوها قيمًا ولاها، يُؤْتى الْملك من يَشَاء، وَينْزع مِمَّن يَشَاء، بطَائفَة ابتلاها، وَطَائِفَة تولاها، جَاعل منصب الْخلَافَة أسمى مطامح الْإِنْسَان من بعد النُّبُوَّة الرفيعة الشان وأعلاها، وأحقها بِوُجُوه التجلة وأولاها، وَالصَّلَاة على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد رَسُوله، مطلع أنوار الْهدى الَّتِي جلاها، وسر عنايته فِي أُخْرَى النشآت وأولاها، النَّبِي الْكَرِيم الَّذِي فَازَ من قداح الِاخْتِصَاص والاصطفاء بمعلاها. وَالرِّضَا عَن آله وَصَحبه، وعترته وَحزبه، الَّذين خلفوه فِي أمته، بالسنن الَّتِي تَركهَا لهدايتهم وخلاها، فسدوا مسده بضرورة الْخلَافَة، حَتَّى كفيت الْملَّة الَّتِي جلاها، وضفت على من استرعاه الله ملاها، فانتظمت الدولة معمور الأَرْض وفلاها، وجاس التَّوْحِيد مفارق الهضاب الشم وفلاها، والدعا لمقام أخوتكم حرس الله جَوَانِب علاها، وصل لَدَيْهَا [أَسبَاب الْفضل الَّذِي أولاها] وأولاها بالسعادة الَّتِي يروق مجتلاها، والصنايع الَّتِي لَا تنقضى، إِلَّا ردفها أكبر مِنْهَا وتلاها، فَإنَّا كتبناه إِلَيْكُم كتب الله لكم نعْمَة لحظها الْقدر والخط
المبتدر وأملاها، وَعزة تفترع ثنايا الشُّهْرَة ابْن جلاها. من حَمْرَاء غرناطة حرسها الله بِعَين عنايته وكلأها، وَعرفهَا عوارف لطفه الَّتِي مَا ودعها مَعهَا وَلَا قلاها، وَلَا زَائِد بِفضل الله الأنعم تفياها الْإِسْلَام ببركتكم، وتملاها، وهدنة تقلد الْوَقْت الَّذِي لَا يشوبه المقت شذورها وتملاها. وَإِلَى هَذَا وصل الله لكم سَعْدا يُنَاسب عمركم فِي الْجدّة، ويتكفل لكم بانفساح الْمدَّة، وَجعل ملككم السعيد كملك سلفكم الْكَرِيم، ملْجأ الْإِسْلَام فِي الشدَّة، وملاذ الْأَنَام فِي الأزمات، يمدون إِلَيْهِ الاكف المستمدة شَادَّة أعداد جيوشه المنصورة وكتائبه الموفورة عَن الْعدة، حَتَّى يمضى سيوفه فِي رِقَاب الْكَفَرَة بِاللَّه كمضاء سيوف خلفاء رَسُول الله [ﷺ] فِي أصل الرِّدَّة، وتنفذ لفتوحه المنتثرة فِي الْآفَاق صفحات الطروس، وينابيع الأمدة. فإننا اتَّصل بِنَا وَأهلا بِهِ من بريد بشرى، ووافد نعْمَة كبرى [لَا يصغر إِلَيْهِ] مسراه من مسرى، فَمَا أفضل وَأسرى، وَأعرف بمواقع السرُور لدينا وأدرى، كتابكُمْ الَّذِي عظم قدرا، وطلع فِي مراقب البشاير بَدْرًا، وَأقر للدّين الحنيف عينا، وَشرح صَدرا، متحفا بالنبإ الَّذِي جدد ملابس الآمال ضافية الأذيال، وأطلع وُجُوه الْجمال والإجمال فِي آفَاق الْكَمَال، وحلى سور القضايا العاطلة من بعد الإهمال، بأسورة نجح الْأَحْوَال، واشتمل على أشتات البركات كل الاشتمال، بِمَا كَانَ من تصير ملك أبيكم إِلَى يديكم الْمُسْتَحقَّة لنصابه، الهنأة
برد اغتصابه، وشفا أوصابه، وأنكم حللتم ذروته المنيفة المنيعة، ونزعتم هضبته السامية الرفيعة، ونفيأتم أفياءه الخصيبة المريعة، وتقلدتم بيعَته المتبجحة فِي تَرْجِيح ميزَان الشَّرِيعَة، فدارت هَالة الْقَبِيل الْجَلِيل مِنْكُم على حَالي ظلمه وكربه كشعبي غمه، وبشرى فضل من الله ونعمة، ومظنة وفلق أمة، وقائد الزَّمن الحرون بزمه، وقعدتم مَحل والدكم، كَبِير الْمُلُوك الْكِبَار، وندرة مَعْدن الْحسب النضار، وَولى الشُّهْرَة الجامحة فِي الأقطار والأمصار، ومخلد الْآثَار، ومحتقر الْأَهْوَال فِي سَبِيل الله وراكب الأخطار، الَّذِي راعت الْكفْر عَزَائِمه الْمَاضِيَة القنا والشفار، وأساطيله الواطية صَخْر خدود الْبحار، وَصَبره واحتسابه تأسيا بِالنَّبِيِّ الْمُخْتَار، فِي مواهب التمحيص وَالِاخْتِيَار، وهمته المغراة بِطَلَب بالثار، واستقالة العثار. فَلَو أمهله الدَّهْر، لشفى أهل الْجنَّة من أهل النَّار، ولجاست جياده خلال الْبيُوت المشركة بِاللَّه والديار، فِي إِعْمَال تِلْكَ الْآفَاق والأقطار، وَقسمت أهل الصَّلِيب بَين حط الحتوف، وَطعم السيوف ورق الأسار، وركز راية الْإِسْلَام بدويه الصفر، وشفاف قلب الْكفْر، تخفق عذباتها بويح الْعِزَّة بِاللَّه والاقتدار. وَعَسَى أَن يكون دين هَذَا الأمل لوَلَده مذخورا، ولوليه مجموعا موفورا، فخزائنه سُبْحَانَهُ لَا تحصى وفورا، وحجب غيبه كم تَضَمَّنت صنعا مَسْتُورا، ونصرا تتلألأ صفحاته سُرُورًا، وَعزا عَاد من بعد الطي منشورا، وَبعد الِافْتِرَاق محشودا محشورا. فَسُرِرْنَا يعلم الله لكم بِهَذَا الصنع الْكَرِيم، والمنح الجسيم، سرُور من يعرف الْحق لأَهله، ويقر عينا باستقرار
الْأَمر فِي مَحَله، وينوب فِي رعى الذمام عَن سلفه، من قبله، وَيذْهب من الود الْكَرِيم والخلوص الْقَدِيم، على أوضح سبله، ويرتاد لِلْإِسْلَامِ فِي الأدلات الَّتِي يسببها الِاخْتِيَار اجْتِمَاع شَمله، وَيقرب الآمال بَين من اتّفق رَأْي أولى العقد والحل على فَضله، فالإسلام حَيْثُ تعيّنت إيالته الشَّرِيفَة، وملكته المنيفة، نسب يجمع، وذمام يشفع، ووسيلة لَا تدفع. ومتاب ينفع، ولوا رَسُول الله ﷺ فِي الْمجمع، والجوار إِذْ كَانَ خلوا من مُوجبَات الشُّكْر والبواعث على مقارضات الْبر، قد ورد فِيهِ من الْأَحَادِيث الغر، والوصايا المنتظمة انتظام الدّرّ. فَكيف إِذا كرمت المساعي، وتوفرت على المساهمة الدَّوَاعِي. فكتبنا نهنى الْملك مِنْكُم بعروس محلاه، والقبيل بِابْن سُلْطَانه الْكَبِير ومولاه، وَالدّين بإعمال الِاخْتِيَار فِيمَن تولاه، وَقُلْنَا رضى وَورث من آل يَعْقُوب، ونير رضى أسْرع فِي غيم هَذِه الفترة الثقوب [ومنهل سعد] ينْتَظر بِفضل الله وعد نَصره المرقوب. الْآن عدل الزَّمَان، وانسدل الْأمان، ووفا الضَّمَان، هَذِه نشيدة النصح الَّتِي أضلها فِيمَا سلف، ومجدد العهود الَّتِي يشبه الأَصْل ويحي السّلف، ومركز الْوِفَاق الَّذِي يرجع إِلَيْهِ من اخْتلف. وَإِن أَبْطَأت البادرة بِهَذَا الْعَمَل الْوَاجِب، فَرب مُتَأَخّر حَقه التَّقَدُّم، ومتلوم مَخْصُوص بالتكريم، والزارع يراقب الْفَصْل، والخطيب يطبق الْفَصْل، والمراجعة فرع عَن الْخطاب، وَالْفرع لَا يتَقَدَّم الأَصْل، وَفِي كل حَال فَإِنَّهَا فِيمَا يسركم السرُور الوثيق الْبَنَّا، والاستبشار
الْمَرْفُوع على أَعْلَام الاعتنا، فَإِذا جللكم المحبوب أصدرنا مُخَاطبَة الهنا، وَإِذا لحقتكم الْوِقَايَة، قابلنا نعْمَة الله بالشكر والثنا، فثقوا بودنا على توالي الأنا، هُنَاكُم الله بِمَا جلبه الْحَظ من ملك مقتبل الشَّبَاب، وَعز مفتح الْأَبْوَاب، وَجعله لكم ذَرِيعَة إِلَى الْفَخر وَالْأَجْر وَالثَّوَاب، وألبسكم ملابس السَّلامَة الضافية الأثواب، وسلك بكم مَسْلَك الاسْتقَامَة العائدة بالزلفى وَحسن المآب، وَقد وجهنا من يَنُوب عَنَّا فِي تَقْرِير هَذَا الهنا أحسن المناب، ويوفى مَا يرضاه من بر ذَلِك الجناب، ويستدرك [بِاللِّسَانِ مَا أغفله عبارَة الْكتاب، وَهُوَ قَاضِي الْجَمَاعَة وخطيب حمراينا الْعلية، الْفَقِيه القَاضِي الْخَطِيب الْفَاضِل الحسيب الخطى الْخَاصَّة، أَبُو الْحسن ابْن الْحسن وصل الله] لَهُ أَسبَاب الْكَرَامَة وعرفه عوارف الْيمن والسلامة، وَصَحبه بعنايته فِي الرحيل وَالْإِقَامَة، وَلكم الْفضل فِي الْقبُول عِنْد القفول عَلَيْكُم [وَالِاعْتِبَار لما يلقيه بَين يديكم] والإصغا لما أمرنَا بِهِ من شرح ضَرُورَة، وَعذر يُبْدِي وَجه الْحق فِي أحسن صُورَة، وخلوص حظوظه غير منزورة، ومقاصد جد مشكورة. ونسل الْعَزِيز سُبْحَانَهُ، أَن يصل عزة عَبده، وينجز لَهُ فِي النَّصْر صَادِق وعده، ويتكفل لَهُ وَلمن كفل أمره ببلوغ أمله فِي نصر الْإِسْلَام وعضده. وَالسَّلَام الْكَرِيم عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.
وَرجعت حَضْرَة مراكش إِلَى طَاعَته فصدر عني فِي غَرَض هنائه:
الْمقَام الَّذِي ذخر لَهُ الْفَتْح الهنى، وجنى الْمنح السنى، وتهدلت فَوْقه الآمال يتساقط مِنْهَا الصنع الجنى، وَيسر لَهُ المآرب القاصية الْجواد الْغَنِيّ،
وأعرب بِحكم عوامله الْمَبْنِيّ، فَإِذا أشارت السُّعُود بجملها فَهُوَ الْمَعْنى، وَإِذا أهابت النُّفُوس بأمانيها كفلت بِهِ الْأَمَانِي، مقَام مَحل أخينا السعيد النصبة، الرفيع الهضبة، مَالك الظَّوَاهِر بالرهبة، والقلوب بالمحبة، ذِي الثنا الطّيب الْهِبَة، والرأي الحميد المغبة. السُّلْطَان الكذا [أبي فَارس عبد الْعَزِيز ابْن مَحل والدنا الَّذِي نعظمه ونجله، نوجب لَهُ الْحق الَّذِي هُوَ أَهله، السُّلْطَان الكذا أبي سعيد ابْن السُّلْطَان الكذا أبي يُوسُف بن عبد الْحق] أبقاه الله فاتح مَا استغلق، ومجدد مَا أخلق، يُقيد شوارد الآمال، كلما أرسل أَعِنَّة الغارات وَأطلق، وَيُسْتَنْزَلُ النازى وَلَو تمسك بالعنان وَتعلق، فضلا عَن أَن يعد لامتناعه الأبلق، أَو يركب ظهر السهْم إِذا أحلق، مجل شَأْنه الْجَلِيل إِذا ذكر الشان، وَمُوجب حَقه إِذا تعيّنت من فروضه الْأَركان المصرورة، بِمَا يسنيه الله لَهُ من فتح يبتسم لَهُ الزَّمَان، وينسدل على الْبِلَاد المؤمنة الْأمان، الدَّاعِي إِلَى الله بِبَقَائِهِ فِي عزة يسر بهَا الْإِيمَان، وسعادة تنتظم عقودها كَمَا انتظم الجمان. أَمِير الْمُسلمين الْغَنِيّ بِاللَّه عبد الله مُحَمَّد ابْن مَوْلَانَا أَمِير الْمُسلمين أبي الْحجَّاج ابْن مَوْلَانَا أَمِير الْمُسلمين أبي الْوَلِيد بن نصر. سَلام كريم. كَمَا حسر الْبَدْر لثام السَّحَاب عَن محياه، وَأهْدى النسيم الَّذِي عِنْد الهبوب طيب رياه، يخص مقَام أخوتكم السامية علياه، وَرَحْمَة الله تَعَالَى وَبَرَكَاته.
أما بعد حمد الله الْوَاهِب المانح، النَّاصِر الفاتح، ميسر المناجح، ومكيف الْخَوَاتِم الْحَسَنَة والفواتح، جَاعل التَّوَكُّل عَلَيْهِ وتفويض الْأُمُور إِلَيْهِ مدنيا
للنازح، وَقَائِدًا إِلَى المسلك الْوَاضِح، ومجازي النيات الْخَالِصَة لوجهه بالصنائع الرائفة الملامح، والمواهب الرواجح، مِمَّن عَامله بالتجر الرابح، وَالصَّلَاة على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد رَسُوله، مطلع صبح الْهدى اللايح، وظل الله الظليل على الغادي والرايح، نَبِي الرَّحْمَة الهامية، فَوق الْحزن والبطايح. وشفيع الْأمة يَوْم خوف الفضايح، الرَّسُول الرؤوف الرَّحِيم الْكَرِيم النصايح، الجم اللطايف الصرايح، الَّذِي باتباعه نظفر بالسعى الناجح، وندرأ فِي نحر الْعَدو المكافح، وَالرِّضَا عَن آله وَأَصْحَابه حماة المسالح، أولى الرعى للْمصَالح، الَّذين نصروه فِي حَيَاته يبيض الصفايح، وخلفوه بِنَقْل الصحايح، فَكَانُوا أَحَق بقلائد المدايح، وَأولى بالثناء الْعطر النوافح، وَالدُّعَاء لمقامكم الْأَعْلَى بالنصر الَّذِي تركب أنباؤه ظُهُور الرِّيَاح اللوافح، والصنع الَّذِي يضيء بِنور الاستبصار، فِي عناية الْوَاحِد القهار احناء الجوانح. فَإنَّا كتبناه إِلَيْكُم، كتب الله لكم سَعْدا يسهل الصعاب ويدنيها، وَعزا يشيد معالم الْفَخر ويبنيها، ونصرا يظْهر أفنان الْفتُوح ويجنيها، حَتَّى تسر بمأمون نصركم الدُّنْيَا وبنيها، وتتصل الْملَّة الحنيفية بأمانيها. من حَمْرَاء غرناطة حرسها الله، والآمال متيسرة، والصنائع لمجمل الرجا فِي الله مفسرة، والأنباء مبشرة، والثغور ضاحكة مستبشرة، وقضايا السَّعَادَة منتشرة، وَالْإِسْلَام تبدو مخايل اجْتِمَاع شَمله، وَسُكُون الثايرة بَين أَهله، وَالْجهَاد فِي سَبِيل الله قد وضح بعد انسداد سبله، وَالْحَمْد لله حمدا، نستزيد بِهِ من فَضله، وَالله الْمُسْتَعَان على الْأَمر كُله. وَقد وصلنا كتابكُمْ الْكَرِيم الَّذِي وَفد فَأفَاد، وجاد غمامه وأجاد، [وَبشر الْبِلَاد والعباد، والنفوس الَّتِي أخلصت لله الْجِهَاد]. وخاضوا فِي سَبيله الخطوب الشداد بِمَا كَانَ من الْفَتْح الَّذِي رفع الله بغره الْعِمَاد، وفسح فِي
السرُور بِهِ الآماد، وَكفى النضال والجلاد، فتح مراكش، الَّذِي هيأته السَّعَادَة، وأخلصته المنحة الْمُعَادَة، ويسرته الْمَشِيئَة السابغة، ويمن الْإِرَادَة، على مَا قررتم من التَّيْسِير، ويمن الْمسير، واجتلا وُجُوه التباشير، وخدمة الْجبَال المتعاصية، وَطَاعَة النُّجُوم القاصية، وإلقاء المنتزين بالناصية. فالأفواج تدخل فِي دين الله، بالجنوح إِلَى الْجَمَاعَة والشهقات الشم تهرع بِالطَّاعَةِ، والمنابر تَنْطَلِق بالأوامر المطاعة، وَأَن من كَانَ بهَا بَادر النجَاة بِجمع قَلِيل، وحد فليل، وأنكم أتبعتم أَثَره بِمن تثقون بغنائه، وتجنون ثَمَر إدنائه، حَتَّى تستأصلون معضل دائه. فقابلنا مَا يسر الله لكم من الْفَتْح الجسيم، والصنع الوسيم، بِمَا يجب من ابتهاج واستبشار وَالسُّرُور الْمشرق الْأَنْوَار، وَسَأَلنَا الله علو الْمِقْدَار، وتمهيد الأقطار، وساهمنا كم فِي المنحة الْكَرِيمَة الْآثَار، والموهبة الَّتِي هِيَ علم فِي الْمَوَاهِب الْكِبَار، وَقُلْنَا عَاد فلك الْجِهَاد إِلَى الْمدَار، وسح هِلَال الْملك المريني بالإبدار، وارتفع عَن الْإِسْلَام مَا طرق صَفوه من الأكدار، وَارْتَفَعت بارتفاع الْمَوَانِع مقررة الْأَعْذَار، وَسَأَلنَا الله أَن يتم على الْإِسْلَام النِّعْمَة، بِجمع كلمتهم الَّتِي فرقها الشَّيْطَان، وَذَهَاب فتقتهم الَّتِي رجعت بهَا الأوطار، وجلت الْقطَّان، وطالما ضَاقَتْ الصُّدُور بِمَا شغل الْأمة عَن مهمها الأكيد، ونهجها السديد، وَنصر دينهَا مَعَ الِاعْتِرَاف بِكَلِمَة التَّوْحِيد، وَعصى الْكفْر قد انشقت، وَكلمَة الْعَذَاب قد حقت، والفتن فيهم مَا رعت وَلَا أبقت. فَلَو اجْتمع عز الْإِسْلَام لعادت الْفتُوح الأول، وَبلغ من رد مَا غصب الْكفْر الأمل، لَا كن هَذِه الفداءات الْمُبَارَكَة تدل على مَا وَرَاءَهَا
من فَائت يسْتَدرك، وحظوظ لله لَا تتْرك، وعزائم لجهاد عَدو الدّين تصرف، وعوائد تُعَاد كَمَا يعرف. وَلما أعطينا الهنا حَقه، وَإِن كَانَ جهدا لَا يَعْنِي بالمكتوم مكتوبه، وَلَا يُوفي إِلَّا من بعد التَّرَخُّص وُجُوبه، فاستيفاء مَا تجنيه البواطن من الود، وتضمره من حسن الْقَصْد، بَحر عَظِيم الْمَدّ، إِنَّمَا يُعلمهُ الله الَّذِي يطلع على الْخَفي من قلب الصّديق الحفي [عل مَاله فِي قلب صديقه من الود الوفير] صرفنَا أَعِنَّة الثنا لما كَانَ من مبادرتكم إِلَيْهَا بِهَذِهِ الطرفة الْوَارِدَة، والمنحة الوافدة، فَمثل هَذِه الْعِنَايَة شَاهد بالخلوص مَقْبُول، وَدَلِيل على أتم وُجُوه الصِّحَّة مَحْمُول، فَالله ﷿ يشْكر عَنَّا ودكم المستولي على ميدان الْكَمَال، المتحف من نصركم ببلوغ الآمال. وَلم نقنع فِي غَرَض الهنا، وَالشُّكْر والثنا على هَذَا الْمَقْصد الْبر، بِجَوَاب يَنُوب عَن لِسَان، ويجتهد فِي توفيه مَا جلبتم من وُجُوه الْبر وَالْإِحْسَان حَتَّى عينا من يتَوَلَّى ذَلِك بِمَا يجب من تَقْرِير، وَشرح وَتَفْسِير. وَهُوَ فلَان، ومجدكم، يصل عوائد الْقبُول، ويبلغ من الإصغاء لذَلِك أمضى المأمول، على عوائد الْفضل المبذول. وَالله ﷿، يعرفكم عوارف الْيمن وَالْقَبُول،، والعز الْمَوْصُول، وَالسَّلَام الْكَرِيم عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته. وَكتب فِي كَذَا من التَّارِيخ، عرف الله بركته.
النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٩٨٠م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع