تجاوز إلى المحتوى

من «ريحانة الكتاب ونجعة المنتاب» للسان الدين بن الخطيب (ت ٧٧٦هـ)

الفتوحات الْوَاقِعَة والمراجعات التابعة (٤)

والبتر يكْتب، والسمر تنقط. فاقتحم الربض الْأَعْظَم لحينه، وَأظْهر الله لعيون المبصرين والمستبصرين عزة دينه، وتبرأ الشَّيْطَان من خدينه، وبهت الْكفَّار وخذلوا، وكل مصرع جدلوا. ثمَّ دخل الْبَلَد بعده غلابا، وجلل قتلا واستلابا، فَلَا تسل إِلَّا الظبا والأسل عَن قيام سَاعَته، وهول يَوْمهَا وشناعته، وتخريب المبايت والمباني، وغنى الْأَيْدِي من خزاين تِلْكَ المغاني، وَنقل الْوُجُود الأول إِلَى الْوُجُود الثَّانِي، وتخارق السَّيْف فجار بِغَيْر الْمُعْتَاد، ونهلت القنا الردينية من الدما حَتَّى كَادَت تورق كالأغصان المغترسة والأوتاد، وهمت أفلاك القسى وسحت، وأربت حَتَّى بحت، ونفذت موادها فشحت بِمَا ألحت، وسدت المسالك جثت الْقَتْلَى فمنعت العابر، واستأصل الله من عدوه الشأفة وَقطع الدابر، وأزلف الشَّهِيد، وأحسب الصابر، وسبقت رسل الْفَتْح الَّذِي لم يسمع بِمثلِهِ فِي الزَّمن الغابر، تنقل الْبُشْرَى من أَفْوَاه المحابر إِلَى أَذَان المنابر.

أَقَمْنَا بهَا أَيَّامًا نعقر الْأَشْجَار، ونستأصل بالتخريب الوجار، ولسان الانتقام من عَبدة الْأَصْنَام يُنَادي يَا لثارات الْإسْكَنْدَريَّة تشفيا من الْفجار، ورعيا لحق الْجَار. وقفلنا وَأَجْنِحَة الرَّايَات برياح العنايات خافقة، وأوفاق التَّوْفِيق الناشية من خطوط الطَّرِيق وأسواق الْعِزّ بِاللَّه نافقة، وحملاء الرِّفْق مصاحبة، وَالْحَمْد لله مرافقة، وَقد ضَاقَتْ ذروع الْجبَال عَن أَعْنَاق [الصب السيال]، وَرفعت على الأكفال ردفا كرايم الْأَنْفَال، وقلقلت من النواقيس أجرام الْجبَال، بالهندام والاحتيال، وَهَلَكت بِهَلَاك هَذَا الْأُم بَنَات [كن يرتضعن] ثديها الحوافل، ويستوثرن حجرها الكافل. وَشَمل التخريب أسوارها، وعجلت النَّار بوادرها.

ثمَّ تحركنا بعْدهَا حَرَكَة الْفَتْح، وَأَرْسَلْنَا الأدلاء قبل الْمنح، فبشرت بالمنح، وقصدنا مَدِينَة أبدة، وَهِي ثَانِيَة الجناحين، وكبرى الْأُخْتَيْنِ، ومساهمة جيان فِي ذِي الْحِين، مَدِينَة أخذت عريض الفضا الأخرق، وتمشت فِيهِ أرباضها تمشي الْكِتَابَة الجامحة فِي المهرق، الْمُشْتَملَة على المتاجر والمكاسب [والوضع المتناسب] والفلح المعي عده على الحاسب، وكورة الدَّيْر اللاسب، المتعددة اليعاسب، فَأَنَاخَ العفا بربوعها العامرة، ودارت عقار كؤوس عقار الحتوف، ببنان السيوف على متديرها المعاقرة، وصبحتها طلائع الفاقرة، وأغريت ببطون أسوارها عوج المعاول الباقرة. وَدخلت مدينتها عنْوَة السَّيْف، فِي أسْرع من خطرة الطيف، وَلَا تسل عَن الكيف، فَلم يبلغ العفا من مَدِينَة حافلة، وعقيلة فِي حلل المحاسن رافلة، مَا بلغ من هَذِه البائسة الَّتِي سجدت لآلهة النَّار أبراجها [وتضاءل بالرغام معراجها]، وضفت على أعطافها ملابس الخذلان، وأقفر من كنائسها كناس الغزلان.

ثمَّ تأهبنا لغزو أم الْقرى الْكَافِرَة، وخزاين المداين الوافرة، وربة الشُّهْرَة السافرة والأنباء المسافرة، قرطبة، وَمَا أدريك مَاهِيَّة، ذَات الأرجاء الحالية الكاسية، والأطواد الراسخة الراسية، والمباني المباهية، والزهراء المزاهية، والمحاسن غير المتناهية، حَيْثُ هَالة بدر السما قد استدارت من السُّور المشيد الْبناء دَارا، ونهر المجرة من نهرها الْفَيَّاض، المسلول حسامه من غمد [الْفَيَّاض] قد لصق بهَا جارا، وفلك الدولاب المعتدل الانقلاب، قد استقام مدارا، وَرجع

الحنين اشتياقا إِلَى الحبيب الأول وَاد كارا، حَيْثُ الطود كالتاج يَزْدَان بلجين العذب المجاج، فيزري بتاج كسْرَى ودارا، حَيْثُ قسى الجسور المديدة كَأَنَّهَا عوج المطى الغزيرة، تعبر النَّهر قطارا، حَيْثُ آثَار العامري الْمُجَاهِد تعبق من تِلْكَ الْمعَاهد شذا معطارا، حَيْثُ كرايم السحايب تزوره عرايس الرياض الحبايب، فَتحمل لَهَا من الدّرّ نثارا، حَيْثُ شُمُول الشمايل تَدور على الأدواح بِالْغُدُوِّ والرواح، فترى الغصون سكارى وَمَا هِيَ بسكارى، حَيْثُ أَيدي الِافْتِتَاح تفتض من شقايق البطاح أَبْكَارًا، حَيْثُ ثغور الأقاصي البواسم، تقلبها بِالسحرِ زوار النواسم، فتخفق قُلُوب النُّجُوم الغيارا، حَيْثُ الْمصلى الْعَتِيق قد رحب مجالا، وَطَالَ منارا، وأزرى ببلاط الْوَلِيد احتقارا، حَيْثُ الظُّهُور المثارة بسلاح الْفَلاح تجب عَن مثل أسنمة المهارا، والبطون كَأَنَّهَا لتدميث الغمايم بطُون العذارى، والأدواح الْعَالِيَة تخترق أعلامها الهادية بالجداول الحيارا، فَمَا شيت من جو صقيل، ومعرس للخنس ومقيل، وَمَالك لِلْعَقْلِ وَعقيل، وخمايل كم فِيهَا للبلابل من قَالَ وَقيل، وخفيف يُجَاوب بتثقيل، وسنابل تحكى من فَوق سوقها، وقضب بسوقها الهمزات فَوق الألفات، والعصافير البديعة الصِّفَات فَوق الْقَضِيب المؤتلفات، تميل لهبوب الصِّبَا، والجنوب مَالِيَّة الْجُيُوب، وبطاح لَا تعرف [بدرر الْحُبُوب] عين الْمحل فتطلبه بالدحل، وَلَا يصرف فِي خدمَة بيض قباب الأزهار، عِنْد افْتِتَاح السوسن والبهار، غير العبدان من سودان النَّحْل وبحر الفلاحة، الَّذِي لَا يدْرك ساحله، وَلَا يبلغ الْقبَّة الْبَعِيدَة راحله، إِلَى الْوَادي وَسمر النوادي، وقرار دموع الغوادي، المتجاسر على تخطيه عِنْد تمطيه الجسر

العادي، والوطن الَّذِي لَيْسَ من عَمْرو وَلَا زيد، والفرا الَّذِي فِي جَوْفه كل الصَّيْد. أقل كرسيه خلَافَة الْإِسْلَام، وأغار بالرصافة والجسر دَار السَّلَام، وَمَا عَسى أَن تطنب فِي وَصفه أَلْسِنَة الأقلام، أَو تعبر بِهِ عَن ذَلِك الْكَمَال فنون الْكَلَام فأعملنا إِلَيْهَا السرى وَالسير، وَقدمنَا إِلَيْهَا الْخَيل، قد عقد فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْر.

وَلما وقفنا بظاهرها المبهت المعجب، واصطففنا بخارجها المنبت المنجب، والقلوب تلتمس الْإِعَانَة من منعم مجزل، وتستنزل الْمَلَائِكَة من منجد منزل، والركايب واقفة من خلفنا بمعزل، نتناشد فِي معاهد الْإِسْلَام: وَقفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل. برز من حاميتها المحامية، ووقود النَّار الحامية، وَبَقِيَّة السَّيْف الوافرة على الْحَصاد النامية، قطع الْغَمَام الهامية، وأمواج الْبحار الطامية. واستجنت بظلال أبطال المجال، أعداد الرِّجَال الناشبة والرامية، وتصدى للنزال من صناديدها الصهب السيال أَمْثَال الهضاب الراسية، يجنها جنن السوابغ الكاسية، ونواميسها المفادية للصلبان يَوْم بوسها بنفوسها الواسية، وخنازيرها الَّتِي عدتهَا عَن قبُول حجج الله وَرَسُوله ستور الظلام الغاشية، وصخور الْقُلُوب القاسية. وَكَانَ بَين الْفَرِيقَيْنِ، إِمَام جسرها الَّذِي فَوق الْبَحْر، وحلا بلجينه ولآلئ زينه مِنْهَا النَّحْر، حَرْب لم ينسج على منوالها، وَلَا أَتَت اللَّيَالِي الحبالي بِمثل أجنة أهوالها، من قاسيها بالفجار أفك وفجر، أَو مثلهَا بِحَفر الهباءة خرف وهجر، وَمن شبهها بداحس والغبراء فَمَا عرف الْخَبَر، فليسأل من جرب وَخبر، من نظرها بِيَوْم شغب جبله، وَهُوَ ذُو بلة، أَو عادلها بِبَطن عَاقل، فَهُوَ غير عَاقل، أَو أحتج بِيَوْم ذِي قار، فَهُوَ إِلَى الْمعرفَة ذُو افتقار أَو ناضل بِيَوْم الكديد، فسهمه غير السديد، إِنَّمَا كَانَ مقَاما غير مُعْتَاد، ومرعى نفوس لم يفت بوصفه لِسَان مرتاد، وزلازل جبال أوتاد [ومتلف مذخور]

لسلطان الشَّيْطَان وعتاد، أعلم فِيهِ البطل الباسل، وَتردد الْأَبْيَض الباتر، وتأود الأسمر العاسل، ودوم الجلمد المتكاسل، وابتعث من حدب الحنية إِلَى هدف الرَّمية الناشر الناسل، وَرويت لمرسلات السِّهَام المراسل. ثمَّ أفْضى أمره الرماح إِلَى التشاجر والأرتباك وتشبثت الأسنة فِي الدروع تشبث السماك فِي الشباك، ثمَّ اخْتَلَط المرعى بالهمل، وعزل الرديني عَن الْعَمَل، وعادت السيوف من فَوق المفارق تيجانا، بعد أَن شقَّتْ غدر السوابغ خلجانا، واتخذت جداول الدروع فَصَارَت بحرا. وَكَانَ التعانق فَلَا ترى إِلَّا نحرا يلازم نحرا، عنَاق وداع، وموقف شَمل ذِي أنصداع، وَإجَابَة مُنَاد إِلَى فِرَاق الْأَبَد وداع، واستكشفت منال الصَّبْر الْأَنْفس الشفافة [وهبت برِيح النَّصْر الطَّلَائِع المبشرة الهفافة] ثمَّ أمد السَّيْل ذَلِك الْعباب، وصقل الاستبصار الْأَلْبَاب، واستخلص الْعَزْم صفوة اللّبَاب، وَقَالَ لِسَان الصَّبْر ادخُلُوا عَلَيْهِم الْبَاب، فَأَصْبَحت طوايف [الْكفَّار] حصايد مناجل الشفار، فمغافرهم قد رضيت حرماتها بالإخفار، ورؤوسهم محطوطة فِي غير مقَام الاسْتِغْفَار، وعلت الرَّايَات من فَوق تِلْكَ الأبراج المستطرفة الأسوار، ورفرف على الْمَدِينَة جنَاح الْبَوَار، لَوْلَا الِانْتِهَاء إِلَى الْحَد والمقدار، وَالْوُقُوف عِنْد اختفاء سر الأقدار.

ثمَّ عبرنا نهرها، وسددنا بأيدي الله قهرها، وضيقنا حصرها، وأدرنا بلآلي القباب الْبيض خصرها، وأقمنا بهَا أَيَّامًا، تحوم عقبان البنود على فريستها حياما، ونرمى الأدواح ببوارها، ونسلط النَّار على أقطارها، فلولا عوايق الْمَطَر، لحصلنا من فتح ذَلِك الوطن على الوطر. فَرَأَيْنَا أَن نروضها بالاجتثاث والانتساف،

ونوالي على زروعها وربوعها كرات ريَاح الاعتساف، حَتَّى يتهيأ لِلْإِسْلَامِ لوك طعمتها، ويتهيأ بِفضل الله إِرْث نعمتها. ثمَّ كَانَت عَن موقفها الْإِفَاضَة من بعد نحر النحور، وَقذف جمار الدمار على الْعَدو المذعور، وتدافعت خلفنا السيقات المتسعات، تدافع أمواج البحور, وَبعد أَن ألححنا على جناتها المصحرة، وكرومها المستبحرة إلحاح الْغَرِيم، عوضناها المنظر الكريه [من المنظر الْكَرِيم] وَطَاف عَلَيْهَا طائف من رَبهَا، فَأَصْبَحت كالصريم، وأغرينا خيلان النَّار بحمم الْجَحِيم، وراكنا فِي أَجْوَاف أجوايها غمايم الدُّخان، تذكر طيبَة البان، بِيَوْم الغميم، وَأَرْسَلْنَا ريَاح الغارات، فَمَا تذر من شَيْء أَتَت عَلَيْهِ إِلَّا جعلته كالرميم، واستقبلنا الْوَادي يهول مدا، ويردع سَيْفه الصَّقِيل خدا، يسره الله من بعد الإعواز، وَانْطَلَقت على الفرضة بِتِلْكَ العرضة، أَيدي الانتهاز، وَسَأَلنَا من سائله أَسد بن الْفُرَات، فَأفْتى برجحان الْجَوَاز، فَعم الاكتساح والاستباح جَمِيع الاجواز، فأديل المصون، وانتهبت الْقرى، وهدمت الْحُصُون، واجتثت الْأُصُول، وحطمت الغصون، وَلم نرفع عَنْهَا إِلَى الْيَوْم غَارة تصاحبها بالبوس، وتطلع عَلَيْهَا غررها الضاحكة بِالْيَوْمِ العبوس، فَهِيَ إِلَى الْآن مجْرى السوابق، ومجر العوالي على التوالي، والحسرات تتجدد فِي أطلالها البوالي. وَكَأن بهَا قد صرعت، وَإِلَى الدعْوَة المحمدية قد أسرعت [بقدرة من أنزل الْقُرْآن على الْجبَال فخشعت من خشيَة الله وتصدعت] لعزة من أذعنت الْجَبَابِرَة لعزه وخنعت. وعدنا والبنود لَا يعرف الملف نشرها، وَالْوُجُوه المجاهدة لَا يخالط التقطب بشرها، وَالْأَيْدِي بالعروة الوثقى معتلقة، والألسن بشكر الله منطلقة، وَالسُّيُوف فِي مضاجع [الغمود] قلقة، وسرابيل الدروع خلقَة، والجياد من ردهَا إِلَى

[المرابط و] الأواري رد العواري حنقة، وبعبرات الغيظ المكظوم مختنقة، تنظر إِلَيْنَا نظر العاتب، وتعود من ميادين المراح والاختيال تَحت حلل عود السِّلَاح عود الصّبيان إِلَى الْمكَاتب، والطبل بِلِسَان الْعِزّ هادر، والعزم إِلَى منادى الْعود الحميد مبادر، وَوُجُود نوع الرماح من بعد ذَلِك الكفاح نَادِر، والمقاسم ترَتّب بَين يَدَيْهِ من السَّبي النَّوَادِر. ووارد مناهل الأجور غير المحلا وَلَا المهجور غير صادر، ومناظر الْفضل الْآتِي، عقب أَخِيه الشاني عَن الْمَطْلُوب الْآتِي مصَادر وَالله على تيسير الصعاب، وتخويل المنن الرغاب قَادر، لَا إِلَه إِلَّا هُوَ، فَمَا أجمل لنا صنعه الحفى، وَأكْرم لنا لطفه الخفى، اللَّهُمَّ لَا نحصى منا عَلَيْك، وَلَا نلجأ مِنْك إِلَّا إِلَيْك، وَلَا نلتمس خير الدُّنْيَا وَالْآخِرَة إِلَّا لديك، فأعد علينا عوايد نصرك يَا مبدي يَا معيد، وأعنا من وَسَائِل شكرك على مَا ننال بِهِ الْمَزِيد، يَا حَيّ يَا قيوم، يَا فعال لما يُرِيد.

وقارنت رسالتكم الميمونة لدينا حذق فتح بعيد صيته، مشريب ليته، وفخر من فَوق النُّجُوم العوائم مبيته، عجبنا من تَأتي أمله الشارد، وَقُلْنَا الْبركَة، فِي قدم الْوَارِد، وَهُوَ أَن ملك الرّوم، لَا طفنا بجملة من الْحُصُون كَانَت من ملكة الْإِسْلَام قد غصبت، والتماثيل فِي بيُوت الله قد نصبت، أدالها الله بمحاولتنا الطّيب من الْخَبيث، والتوحيد من التَّثْلِيث، وَعَاد إِلَيْهَا الْإِسْلَام عودة الْأَب الغايب إِلَى الْبَنَات الحبايب، يسل عَن شؤونها، وَيمْسَح الرقة عَن جفونها، وَهِي للروم خطة خسف، قَلما ارتكبوها فِيمَا يعلم من العهود، ونادرة من نَوَادِر الْوُجُود، وَإِلَى الله علينا وَعَلَيْكُم عوارف الْجُود، وَجَعَلنَا فِي محاريب الشُّكْر من الركع السُّجُود

عرفناكم بمجملات أُمُور تحتهَا تَفْسِير، ويمن من الله وتيسير، إِذْ اسْتِيفَاء

الجزئيات عسير، لنسركم بِمَا منح الله دينكُمْ، ونتوج بعز الْملَّة الحنيفية جبينكم، ونخطب بعده دعاءكم وتأمينكم، فَإِن دُعَاء الْمُؤمن لِأَخِيهِ بِظهْر الْغَيْب سلَاح مَاض، وكفيل للمواهب المسئولة من الْمُنعم الْوَاهِب مستفاض. وَأَنْتُم أولى من ساهم فِي بر، وعامل الله بخلوص سر، وَأَيْنَ يذهب الْفضل عَن بَيتكُمْ، وَهُوَ صِفَات حيكم، وتراث ميتكم، وَلكم مزية الْقدَم، ورسوخ الْقدَم. [تَسَاوِي فِي ذَلِك التَّحْرِيم مَعَ الفدم]. والخلافة مقرها إيوانكم، وَأَصْحَاب الإِمَام مَالك ﵁ مستقرها قيروانكم، وتفجير المنابر ذكر إمامكم، والتوحيد إِعْلَام أعلامكم، والوقائع الشهيرة فِي الْكفْر منسوبة إِلَى أيامكم، وَالصَّحَابَة الْكِرَام فَتْحة أوطانكم، وسلالة الْفَارُوق ﵇ وشيجة سلطانكم، وَنحن نَسْتَكْثِر من بركَة خطابكم، ووصلة جنابكم، وَلَوْلَا الْأَعْذَار، لوالينا بالمتزايدات تَعْرِيف أبوابكم. وَالله ﷿ يتَوَلَّى عَنَّا من شكركم المحتوم، مَا قصر الْمَكْتُوب فِيهِ عَن المكتوم، ويبقيكم لإِقَامَة الرسوم، وَيحل محبتكم من الْقُلُوب، مَحل الْأَرْوَاح من الجسوم، وَهُوَ سُبْحَانَهُ يصل سعدكم، ويحرس مجدكم، وَالسَّلَام [الْكَرِيم الطّيب الزكي الْمُبَارك الْبر العميم يخصكم كثيرا أثيرا]، مَا أطلع الصَّباح وَجها منيرا، بعد أَن أرسل النسيم سفيرا، وَكَانَ الوميض [الباسم] لأكواس الْغَمَام على أزهار الكمام مديرا، وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.

وَكَانَ مِمَّا زيد فِي آخر الرسَالَة النَّبَوِيَّة فصل فِي استفتاح الجزيرة الخضراء صدر عَنى إملاء على الْكتاب عِنْدَمَا توجه الرَّسُول إِلَى ضريح رَسُول الله ﷺ، وَفِي آخر ربيع الأول الْمُبَارك من عَام أحد وَسبعين وَسَبْعمائة، وأغفل ذَلِك عَن مَوْضِعه إِلَى أَن ألحق بِهَذَا الْموضع

وَاسْتولى أهل الثغور لهَذَا الْحَد على معاقل، كَانَت مستغلقة ففتحوها، وشرعوا أرشية الرماح إِلَى قلب قلوبها فمنحوها، وَلم تكد الجيوش المجاهدة تنفض إِلَّا عَن الْأَعْرَاف متراكم الْغُبَار، وترخى عَن أباطيلها شدّ حزم المغار، حَتَّى عاودت النُّفُوس شوقها، واستتبعت ذوقها، وخصت الَّتِي لَا فَوْقهَا، وَذَهَبت، بهَا الآمال إِلَى الْغَايَة القاصية، والمدارك المتعاصية، على الأفكار المتغاصية. فقصدنا الجزيرة الخضراء، بَاب هَذَا الوطن، الَّذِي مِنْهُ طرق وادعه، ومطلع الْحق الَّذِي صدع الْبَاطِل صادعه، وثنية الْفَتْح الَّذِي برق مِنْهَا لامعه، ومثيرة الهجوم الَّذِي لم تكن لتعبر على غَيره مطامعه، وفرضة الْمجَاز الَّذِي لَا تنكر، وَمجمع الْبَحْرين فِي بعض مَا يذكر، حَيْثُ يتقارب الشطان، وتتقاطر ذَوَات الأشطان، وتقارب الحطان، وَكَاد أَن يلتقي حَلقَة البطان، وَقد كَانَ الْكفْر قدر قدر هَذِه الفرضة، الَّتِي طرق مِنْهَا حماه، ورماه الْفَتْح الأول مرماه، وَعلم أَن لَا يتَّصل أَيدي الْمُسلمين من إخْوَانهمْ إِلَّا من تلقائها، وَأَنه لَا يعْدم الْمَكْرُوه مَعَ بَقَائِهَا، فأجلب عَلَيْهَا بخيله وَرجله، وسد أفق الْبَحْر من أساطيله، ومراكب أباطيله بِقطع ليله، وتداعى الْمُسلمُونَ بالعدوتين إِلَى استنقاضها من لهواته، أَو إِِمْسَاكهَا من دون مهواته، فعجز الْحول، وَوَقع إِيَّاهَا بملكة القَوْل، واحتازها قهرا، وَقد صابرت الضّيق مَا يناهز ثَلَاثِينَ شهرا، وأطرق الْإِسْلَام بعْدهَا إطراق

الواجم، واسودت الْوُجُوه بخبرها الهاجم، وبكتها دموع الْغَيْث الساجم، وَانْقطع المدد إِلَّا من رَحْمَة من ينفس الكروب، ويغرى بالإدالة الشروق والغروب. وَلما شككنا بشبا الله نحرها، وأغصصنا بجيوش المَاء وجيوش الأَرْض تكاثر نُجُوم السما برهَا وبحرها، ونازلناها نضيقها شَدِيد النزال، وتحجها بِصدق الْوَعيد فِي غير سَبِيل الاعتزال، رَأينَا بأوا لَا يظاهر إِلَّا بِاللَّه وَلَا يطال، ومنبعه يتحامى شبا الْأَبْطَال، وخبايا رَوْضَة الْغَيْث الهطال. أما اسوارها فَهِيَ الَّتِي أخذت النجد والغور، واستعدت بجدال الْبِلَاد عَن الجلاد، فارتكبت الدّور تجوز بحرا من الاعتمار ثَانِيًا، وتشكك أَن يسكون لَهَا الْإِنْس بانيا. وَأما أبراجها فصفوف وصنوف, تزين صفحات المسايف مِنْهَا أنوف، وأذان لَهَا من دوامع الصخر شقوف. وَأما خندقها فصخر مجلوب، وسور مقلوب، وصدقها الْمُسلمُونَ الْقِتَال بِحَسب محلهَا من نُفُوسهم، واقتران اغتصابها ببوسهم، وأفول شموسهم، فرشقوها من النبال بظلال تحجب الشَّمْس، فَلَا يشرق سناها، وعرجوا فِي المراقي الْبَعِيدَة، يفرعون مبناها، ونقبوا أنقابا، وحصبوها عقَابا، ودخلوا مَدِينَة البنية بنتهَا غلابا، وأحسبوا السيوف أسلابا، وَالْأَيْدِي استلابا، واستوعب الْقَتْل مقاتلتها، السابغة الجنن، الْبَالِغَة المنن، فَأَخذهُم الهول المتفاقم، وجدلوا كَأَنَّهُمْ الأراقم، لم تفلت مِنْهُم عين تطرف، وَلَا لِسَان تنبى من يستطلع الْخَبَر أَو يستشرف. ثمَّ سمت الهمم الإيمانية إِلَى الْمَدِينَة الْكُبْرَى، فَدَارُوا سوارا على سورها، وتجاسروا على اقتحام أَوديَة الفنا من فَوق جسورها، ودنوا إِلَيْهَا بالضروب من خيل الحروب بروجا مشيدة، ومجانيق توثق حبالها مِنْهَا بِشدَّة، وخفقت بنصر الله عذبات الاعلام، وأهدت الْمَلَائِكَة مدد السَّلَام، فخذل الله كفارها ... شفارها، قلم بيد قدرته أظفارها، فالتمس الْأمان لِلْخُرُوجِ

ونزلوا عَن مراقى العروج، إِلَى الأباطح والمروج، عَن سمائها ذَات البروج، فَكَانَ بروزهم إِلَى العراء من الأَرْض، تذكرة بِيَوْم الْعرض، قد جلل الْمُقَاتلَة الصغار، وَتعلق بالأمهات الصغار، وبودرت الْمَدِينَة وكفارها بالتطهير، ونطقت المآذن الْعَالِيَة بِالْأَذَانِ الشهير، وَالذكر الجهير، وطردت كفار التماثيل عَن الْمَسْجِد الْكَبِير، وأنزلت عَن الصروح أجراسها، يعي الهندام مرامها، وألفى مِنْبَر الْإِسْلَام بهَا مجفوا، فأنست غربته، وأعيد إِلَيْهِ قربه وقربته، وتلا واعظ الْجمع الْمَشْهُود، قَول منجز الوعود، ومورق الْعود: " وَمَا ظلمناهم وَلَكِن ظلمُوا أنفسهم، لآيَة " فكاد الدمع يغرق الآماق، والوجد يستأصل الأزماق، وَارْتَفَعت الزعقات، وعلت الشهقات. وجئ بأسرى الْمُسلمين يرسفون فِي الْقُيُود الثقال، وينسلون من أجداث الاعتقال، ففكت عَن أسوقهم أَسْوِدَة الْحَدِيد، وَعَن أَعْنَاقهم ملكات الْبَأْس الشَّديد، وظللوا بجناح اللطف العريض المديد. وترتبت فِي المقاعد الحامية، وأزهرت بِذكر الله المآذن السامية، فَعَادَت الْمَدِينَة لأحسن أحوالها، وشكنت من بعد أهوالها، وعادت الحالية إِلَى أموالها وَرجع إِلَى الْقطر شبابه، ورد على دَار هِجْرَة الْإِسْلَام بَابه، واتصلت بِأَهْل لَا إِلَه إِلَّا الله أَسبَابه. فَهِيَ فِي بِلَاد الْإِسْلَام قلادة النَّحْر. أبقى الله عَلَيْهَا، وعَلى مَا وَرَاءَهَا من بيُوت أمتك، وودائع الله فِي ذِمَّتك، ظلال عنايتك الوافية، وأمتعنا إِلَى أَن يَرث الله الأَرْض وَمن عَلَيْهَا بِكَلِمَة دينك الصَّالِحَة الْبَاقِيَة، وسبل عَلَيْهَا أَسْتَار عصمتك الواقية. وعدنا إِلَى الحضرة، وَالصَّلَاة عَلَيْك يَا رَسُول الله، شعار البدور والقفول، وهجير الشروق والطفول، وَالْجهَاد الشاق الْمُعْتَمد، مَا امْتَدَّ بالأمل الأمد، والمستعان الْوَاحِد الْفَرد الصَّمد.

" كمل الْجُزْء الثَّانِي من " رَيْحَانَة الْكتاب ونجعة المنتاب " يتلوه الْجُزْء الثَّالِث "

النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٩٨٠م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «ريحانة الكتاب ونجعة المنتاب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.